باسم محمد حبيب
عرف المهندس الخبير في الري الدكتور المرحوم احمد سوسة باهتمامه بالكتابة عن تاريخ حضارة بلاد الرافدين ، فضلا عن تاريخ الوجود اليهودي في العراق والمنطقة ، ربما لكون اصوله تعود إلى الجالية اليهودية التي سكنت العراق منذ السبي البابلي عام ٥٨٦ ق.م ، فكان كتابه الشهير : العرب واليهود في التاريخ ، من الكتب المهمة
التي وثقت لهذا الوجود ، و عرضت معلومات كثيرة عن صلة اليهود بالعرب ، كونهما يعودان للعنصر السامي الذي يشمل ايضا الكثير من الأقوام التي سكنت المنطقة منذ قديم الزمان كالاموريين والاشوريين والكنعانيين ( هم أموريو الشام ) والآراميين وغيرهم ، وهي الرؤية التي انطلقت من التوراة ثم تبناها عدد من المؤرخين الغربيين ، لكن الملاحظ على كتاباته انها نحت منحا مختلفا عن كتابات المؤرخين الغربيين المعاصرين فيما يخص أصول حضارة بلاد الرافدين او الأقوام التي أسهمت في نشوءها ، رافضا مثل سلفه اليهودي الألماني جوزيف هاليفي ان يكون للسومريين الدور الأكبر في نشوء هذه الحضارة ، بل ان هذا الدور هو للساميين بالدرجة الأولى لكونهم هم السكان الأصليين للمنطقة ، اذ أشار إلى ذلك في كتابه الضخم : تاريخ حضارة بلاد الرافدين على ضوء المكتشفات الأثرية ومشاريع الري ، اما في كتاباته التي تناولت تاريخ اليهود فتبنى خطابا داعما لقضية فلسطين ، رافضا الادعاءات اليهودية حول كون فلسطين أرض الميعاد لليهود ، اذ حاول البعض ربط رؤيته هذه بمحاولاته التقرب من السلطة للحصول على منصب عال في الدولة ، او حتى لاتقاء المشاكل لكونه من أصول يهودية ، اذ قد تراه الحكومات في العراق عدوا لها ، فتحاول ان تحصي عليه ما يفعله ، فاكثر من الكتابة التي تقيه ذلك ، لكني ارى ان هناك دافعا آخر ربما أسهم سواء لوحده او مع ما اشرنا اليه من الدوافع الاخرى في بلورة هذا المنحى لديه ، وهو ضرورة التصدي لتوثيق تاريخ اليهود في المنطقة عامة وفي العراق خاصة ، يدفعه الى ذلك خشيته من ضياع هذا التاريخ ، او فقدانه نتيجة الصراعات السياسية و منها الصراع العربي - الاسراييلي الذي انتقل ايضا إلى ساحة المؤلفات والكتابات ، لاسيما التاريخية منها ، في محاولة لدعم موقف كل طرف من الأطراف من هذا الصراع ، لذا وجدنا انه يمعن في التذكير بمخاطر التعصب اليهودي ، وبعملهم لتشويه التاريخ وكتابته بما ينسجم ورؤاهم ، بما في ذلك قيامهم بشراء ذمم بعض المؤرخين ، لاسيما الاوربيين منهم ، لترسيخ روايتهم عن تاريخ المنطقة القديم وجعلها الرواية المعتمدة في الدراسات ، لكنه من جانب آخر لم يألوا جهدا دون ذكر اصغر تفاصيل تاريخ اليهود ، فلا يغفل عن حدث دون ذكره وتحليله ، وان اخذ في تحليله غالبا جانب الرؤية القومية العربية ، و لعل هذا هو ما أسهم في إظهار ملامح كانت مخفية من تاريخ اليهود في المنطقة والعراق ، اذ كان يمكن ان تضيع دون توثيقه لها ، وحتى ما تضمنته كتاباته من تحليلات بدت وكأنها تعريض بقومه وبتاريخهم ، فربما هي كانت وسيلته لكي يستطيع عرض ما أراد عرضه عن هذا التاريخ ، لانه ربما كان يرى بانه لا يستطيع ان يفعل ذلك من دون ذم او التعريض ببني قومه ، فيكون بإمكان مؤرخين اخرين تقديم رؤية اخرى مختلفة ، وبغض النظر عما ذكرته عن الغاية او الهدف الذي كان تسعى اليه كتابات احمد سوسة ، فان هذه الغاية قد تحققت في كتاباته ، اي انه نجح في تقديم نظرية او حتى دعم نظرية سلفه هاليفي عن الإسهام الكبير للساميين في نشوء الحضارة البشرية ، هذا الإسهام الذي يرى بان الاوربيين يحاولون سلبه منهم لأسباب مرتبطة بتعصبهم لحضارتهم الغربية التي لا يريدون ربطها بحضارة كان للساميين إسهام كبير فيها ، اما في جانب الكتابة عن التاريخ اليهودي ، فلم يكن هدفه اكثر من توثيق هذا التاريخ ، ويكون أمام أنظار من يريد الاطلاع عليه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق