الأحد، 10 أغسطس 2025

احمد سوسة ونظريته عن حضارة بلاد الرافدين ودراساته عن تاريخ اليهود

باسم محمد حبيب  

عرف المهندس الخبير في الري الدكتور المرحوم احمد سوسة باهتمامه بالكتابة عن تاريخ حضارة بلاد الرافدين ، فضلا عن تاريخ الوجود اليهودي في العراق والمنطقة ، ربما لكون اصوله تعود إلى الجالية اليهودية التي سكنت العراق منذ السبي البابلي عام ٥٨٦ ق.م  ، فكان كتابه الشهير : العرب واليهود في التاريخ ، من الكتب المهمة


التي وثقت لهذا الوجود ، و عرضت معلومات كثيرة عن صلة اليهود بالعرب ، كونهما يعودان للعنصر السامي الذي يشمل ايضا الكثير من الأقوام التي سكنت المنطقة منذ قديم الزمان كالاموريين والاشوريين والكنعانيين ( هم أموريو الشام ) والآراميين وغيرهم ، وهي الرؤية التي انطلقت من التوراة ثم تبناها عدد من المؤرخين الغربيين ، لكن الملاحظ على كتاباته انها نحت منحا مختلفا عن كتابات المؤرخين الغربيين المعاصرين فيما يخص أصول حضارة بلاد الرافدين او الأقوام التي أسهمت في نشوءها ، رافضا مثل سلفه اليهودي الألماني جوزيف هاليفي ان يكون للسومريين الدور الأكبر في نشوء هذه الحضارة ، بل ان هذا الدور هو للساميين بالدرجة الأولى لكونهم هم السكان الأصليين للمنطقة ، اذ أشار إلى ذلك في كتابه الضخم : تاريخ حضارة بلاد الرافدين على ضوء المكتشفات الأثرية ومشاريع الري ، اما في كتاباته التي تناولت تاريخ اليهود فتبنى خطابا داعما لقضية فلسطين ، رافضا الادعاءات اليهودية حول كون فلسطين أرض الميعاد لليهود ، اذ حاول البعض ربط رؤيته هذه بمحاولاته التقرب من السلطة للحصول على منصب عال في الدولة ، او حتى لاتقاء المشاكل لكونه من أصول يهودية ، اذ قد تراه الحكومات في العراق عدوا لها ، فتحاول ان تحصي عليه ما يفعله ، فاكثر من الكتابة التي تقيه ذلك ، لكني ارى ان هناك دافعا آخر ربما أسهم سواء لوحده او مع ما اشرنا اليه من الدوافع الاخرى في بلورة هذا المنحى لديه ، وهو ضرورة التصدي لتوثيق تاريخ اليهود في المنطقة عامة وفي العراق خاصة ، يدفعه الى ذلك خشيته من ضياع هذا التاريخ ، او فقدانه نتيجة الصراعات السياسية و منها الصراع العربي - الاسراييلي الذي انتقل ايضا إلى ساحة المؤلفات والكتابات ، لاسيما التاريخية منها ، في محاولة لدعم موقف كل طرف من الأطراف من هذا الصراع ، لذا وجدنا انه يمعن في التذكير بمخاطر التعصب اليهودي ، وبعملهم لتشويه التاريخ وكتابته بما ينسجم ورؤاهم ، بما في ذلك قيامهم بشراء ذمم بعض المؤرخين ، لاسيما الاوربيين منهم ، لترسيخ روايتهم عن تاريخ المنطقة القديم وجعلها الرواية المعتمدة في الدراسات ، لكنه من جانب آخر لم يألوا جهدا دون ذكر اصغر تفاصيل تاريخ اليهود ، فلا يغفل عن حدث دون ذكره وتحليله ، وان اخذ في تحليله غالبا جانب الرؤية القومية العربية ،  و لعل هذا هو ما أسهم في إظهار ملامح كانت مخفية من تاريخ اليهود في المنطقة والعراق ، اذ كان يمكن ان تضيع دون توثيقه لها ، وحتى ما تضمنته كتاباته من تحليلات بدت وكأنها تعريض بقومه وبتاريخهم ، فربما هي كانت وسيلته لكي يستطيع عرض ما أراد عرضه عن هذا التاريخ ، لانه ربما كان يرى بانه لا يستطيع ان يفعل ذلك من دون ذم او التعريض ببني قومه ، فيكون بإمكان مؤرخين اخرين تقديم رؤية اخرى مختلفة ، وبغض النظر عما ذكرته عن الغاية او الهدف الذي كان تسعى اليه كتابات احمد سوسة ، فان هذه الغاية قد تحققت في كتاباته ، اي انه نجح في تقديم نظرية او حتى دعم نظرية سلفه هاليفي عن الإسهام الكبير للساميين في نشوء الحضارة البشرية ، هذا الإسهام الذي يرى بان الاوربيين يحاولون سلبه منهم لأسباب مرتبطة بتعصبهم لحضارتهم الغربية التي لا يريدون ربطها بحضارة كان للساميين إسهام كبير فيها ، اما في جانب الكتابة عن التاريخ اليهودي ، فلم يكن هدفه اكثر من توثيق هذا التاريخ ، ويكون أمام أنظار من يريد الاطلاع عليه

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969