أ.م.د باسم محمد حبيب
تاريخ قديم
ملاحظة : كاتب هذا المقال ليس متعاط لمشروب البيرة أو غيرها من المشروبات الروحية ، ومن الذين يدركون أن فيها الكثير من الأضرار الصحية والمجتمعية ، ويؤيد وضع قيود تمنع عدم
تسببها بمشاكل للمجتمع والعائلة مع احترام الحريات الشخصية للأفراد ، وأن هذا المقال هو دراسة علمية تاريخية تهدف إلى تناول بدأ صناعة هذا المشروب وأهم تأثيراته في المجتمعات البشرية في بداية نشوء الحضارة .
أما السؤال الذي سيحاول هذا المقال الإجابة عليه فهو : هل أن مشروب البيرة مجرد مواكب لظهور الحضارة البشرية أم له أثر في نشوئها وتطورها ؟
أن هناك أدلة تشير إلى أن للطعام دور كبير في تطور العقل البشري ، وذلك لما ينتجه من أبنية سلوكية وعادات حياتية تختلف تبعا لنوع الطعام وكيفية الحصول عليه ، فالفاكهة تحتاج التسلق على الأشجار والسكن في الغابة ، والخضروات تحتاج العيش في الأرض السهلية التي تجعل الإنسان معرضا لخطر الحيوانات المفترسة ونظرائه من أبناء جنسه ، واللحوم تجعل الإنسان ميال لإمتلاك الأسلحة وإبتكار تقنيات الصيد المختلفة ، وهذا ما يصح على المشروبات أيضا التي حلقت لدى الإنسان سلوكيات جديدة ، منها سلوك الإستقبال والضيافة التي باتت مرتبطة بشرب أنواع من العصائر التي استطاع الإنسان صنعها من خلال عصر الفواكه والخضروات ، إذ يعد مشروب البيرة من المشروبات التي أثرت عميقا في حياة الإنسان وفي سلوكه ، وربما لا أغالي إذا قلت أنها بزت في ذلك غيرها من أنواع الأطعمة والمشروبات .
فمتى تم صنع هذا المشروب لأول مرة ؟ وفي أي مكان حصل ذلك ؟
تشير التحريات الأثرية إلى أن أقدم الإشارات الفنية والكتابية لصناعة البيرة وتعاطيها تعود إلى ما قبل 3000 ق.م ، أي المرحلة التي بدأت فيها ملامح الحضارة البشرية ، إذ تدل المعطيات الأثرية إلى أن البيرة تمت صناعتها في بلاد الرافدين في عصر أوروك ( الوركاء ) من 4100 إلى 3200 ق.م ، وهو العصر الذي شهد إنتهاء ثقافة العبيد التي يمكن عدها نصف حضارة أو أقرب إلى الحضارة منها إلى الثقافة بالنظر إلى حجم المنجزات التي حققها الإنسان فيها ، وبإنتهائها بدأ عصر أوروك والذي يطلق عليه أيضا تسمية حضارة أوروك ، ما يجعله أولى عصور الحضارة البشرية ، وذلك لما شهده من إكتشافات حضارية غيرت وجه البشرية منها : تطور العمارة ، و بروز مؤسسة المعبد ، وظهور مؤسسة الدولة ، وأختراع الكتابة الذي يعد أهم اختراع بشري تمكن الإنسان به من إنهاء عصور قبل التاريخ والتحول نحو العصور التاريخية ، إذ تعد الرقم الطينية المكتشفة في معابد أوروك النماذج الأولى للكتابة والتي تمثلت برموز صورية تطورت فيما بعد لتبدو أشبه بالمسامير ما أدى إلى تسميتها بالكتابة المسمارية .
لكن هناك اختراع آخر لا يقل أهمية عن اختراع الكتابة ، إلا أن المؤرخون غفلوا عنه أو لم يولوه إهتماما كبيرا ، وهو أختراع مشروب البيرة والذي قد يكون بأهمية إختراع الكتابة بالنسبة لتطور العقل البشري ، وذلك لأن المواد التي تحتويها تساعد الذهن على الإنتشاء والإنشراح ، ما يؤدي إلى نسيان الهموم وإبعاد الأفكار السلبية التي تجعل الإنسان ممتلىء بالمخاوف و النوازع الشريرة ، فبات ميالا للتعاون وتقبل الآخرين ، وذلك لما تخلقه المجالس التي يجري فيها تعاطي البيرة من ترابط وحميمية ، وهو أمر لم يكن له وجود إلا في إطار العائلة أو العشيرة ، مع الفارق في أن الروابط العائلية والعشائرية مبنية على تبادل المنفعة والفائدة بين أفراد العائلة أو العشيرة وذلك بما تمنحه من الحماية والدعم ، في حين تخلق رفقة الشرب علاقة من نوع آخر ، وهي علاقة المشاركة في ما تولده هذه الرفقة من أحاسيس يستشعرها الجميع معا كأحساس الإنشراح والسعادة وما إلى ذلك ، وبالتالي بات بإمكان الإنسان خلق رابطة مع الغرباء والتعامل معهم من دون ريبة أو خوف .
لكن هذا المشروب له أضرار نفسية ومجتمعية أيضا ، وقد تكون خطيرة أحيانا ، ما أدى إلى تحريمه من العديد من الأديان والمعتقدات ومنها الدين الإسلامي ، وإن كان هناك من يرى أن الإسلام لم يحرمه بل عد تعاطيه من الأمور المكروهة ، المهم أن الإسلام تشدد مع تعاطي المشروب لما له تأثيرات سلبية خطيرة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق