الخميس، 15 أغسطس 2024

الوجود العسكري الأمريكي .. المفاوضات هي الحل

باسم محمد حبيب

بعض الأخوة يرون أن القوات الأمريكية لن تنسحب من العراق عن طريق المفاوضات بل بإرغامها على ذلك ، وأن هذه المفاوضات
ما هي إلا مضيعة للوقت والجهد ، وجوابنا على ذلك : ان مثل هذا الأمر لا يمكن أن يجاب عليه بالإفتراضات بل بالأدلة والشواهد :
أولا - أن الأمريكان سبق لهم وأنسحبوا من العراق في عام 2011 ، ولم يعودوا إليه إلا بعد أن طلب العراق منهم ذلك ، على أثر ظهور تنظيم داعش وسيطرته على أربعة محافظات عراقية ، إذ أشار قرار مجلس الأمن (2170) الصادر في آب 2014 ، على وجوب إتخاذ كافة التدابير اللازمة لمكافحة الأرهاب ، والذي سمح بتشكيل التحالف الدولي لمكافحة داعش ، ما يعني أن أمرا كهذا يمكن تحقيقه مرة أخرى ، لاسيما إذا ما تم الإعلان عن إنتهاء خطر داعش الذي سيمهد لإنهاء مهام التحالف الدولي أو تقليصها ، فقط يتطلب الأمر رأيا إحترافيا مبنيا على معاينة دقيقة تقدمه الجهات العسكرية والأمنية تبين فيه عدم حاجتها للتحالف الدولي ، وأن القوات العسكرية والأمنية العراقية بات بمقدورها التعاطي مع هذه الأمور بنفسها ، ولا بأس من الإبقاء على وجود إستشاري إذا كانت هناك حاجة لذلك ، على أن يتم ذلك على وفق أتفاق يحدد مهام هذا الوجود .
ثانيا - من الضروري إختبار جديتهم في الإنسحاب من عدمه ، فإن كانوا لا يرغبون بذلك فعلا ، فإنهم سينكشفون ، إذا أظهرت الحكومة العراقية جديتها في طلب الإنسحاب ، وعملت على تقديم كل ما يلزم من إثباتات على أنها قادرة على تحقيق الأمن والأستقرار في البلد من دون الحاجة لمساعدة الامريكان أو قوات التحالف ، وعدم الإضرار بالمصالح الأمريكية ، فإن تجاهلت الحكومة الامريكية ذلك ، عندها يمكن القول أنها رافضة لأي إنسحاب .
ثالثا : أن العراق وبعد عام 2003 بات معتمدا بدرجة كبيرة على أمريكا في جوانب كثيرة من بينها الجانب الأقتصادي ، إذ أنه يعتمد عليها في حماية أمواله المودعة في بنوكها ، نظرا لوجود الكثير ممن يطالب العراق بتعويضات قد تصل أرقامها إلى عشرات المليارات من الدولارات ، فضلا عن سيطرة أمريكا على تدفق الدولار إلى العراق ، فما الذي يمنع أمريكا من رفع الحماية عن الأموال العراقية المودعة لديها ، أو إيقاف تدفق الدولار إلى العراق ، في حال حدثت مواجهة بينها وبينه ، وهو أمر سيتسبب بأزمة كبيرة لا يمكن للعراق الخلاص منها بسهولة ، الأمر الذي يتطلب دراسة عميقة لكل ما يحتمله هذا الجانب من تداعيات وكيفية التعاطي معها .
رابعا - ماذا لو كان الأمر ليس كما هو ظاهر للعيان ، أي أن الحكومة العراقية ، أو من يقف خلفها من الأحزاب والشخصيات السياسية ، هي من لا تريد للإنسحاب الأمريكي أن يتم ، لإعتقادها بأن حصول هذا الإنسحاب سوف يؤدي إلى إسقاط العملية السياسية ، ورفضها الإفصاح عن ذلك ، أو إظهارها عكس ما تريد فعلا ، هو لخشيتها من أن توصم بالعميلة أو المؤيدة للأحتلال الأمريكي ، على ما في ذلك من إحراج و إساءة لها ، ناهيك عن خشيتها من خسارة القوى الحليفة لها التي لا تشاطرها هذا الرأي ، فوجود مثل هذا الأمر سوف يجعل أي إنسحاب أمريكي مرهون بتغير الموقف الحقيقي لهذه القوى أكثر من الموقف الأمريكي نفسه .
خامسا - ماذا لو كان الأمر برمته يتطلب تعاطيا حذريا ومسؤولا ، بالنظر إلى حجم التحديات و المشاكل التي يعاني منها البلد ، سواء أكان من الاطماع الخارجية أم من الطموحات المرتبطة ببعض الأطراف الداخلية ، ورغبتها في تحقيق الاهداف الخاصة بها ، سواء أكان منها ما يتعلق بالهيمنة على البلد ، أم الإنفصال عنه ، أم تأسيس حكم دكتاتوري أو ديني أو قومي .. الخ ، ما يتطلب إنسحابا أمريكيا مواكبا لبناء دقيق و حقيقي لمؤسسات البلد وأجهزته الأمنية والعسكرية ، وتنمية لقطاعاته ، وتطوير لواقعه ، حتى يكون قادرا على الإعتماد على نفسه .
فضمان إنسحاب أمريكي آمن وسليم ، يتطلب فهما واسعا لما نحن فيه ، وإدراكا عاليا لما يجب فعله لبناء العراق وضمان إستقراره وتطويره ، حتى نحقق ما نريد من دون إشكالات أو تعقيدات ، وبالطبع لا يعني ذلك إنهاء التنسيق مع الولايات المتحدة ، بل إرسائه على أسس جديدة تؤسس لشكل متطور من العلاقات .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969