باسم محمد حبيب
لم تكن النهضة التي عرفها العالم العربي الاسلامي في العصر الحديث وليدة مخاض حضاري او تطورات داخلية محضة ، بل نتجت في جزئها الأهم من تاثيرات خارجية ، إذ كان للعامل الاستعماري دور كبير في ذلك ، حتى
قيل ان لمدافع نابليون التي دكت ضواحي القاهرة عام 1798 الفضل الاكبر في ذلك ، أي انها احد الاسباب المهمة التي ساعدت على ايقاظ الشعوب الشرق اوسطية وتحريكها لارساء واقع جديد ، ولذلك اصبحت مصر البلد الاول الذي استفاد من هذا الحراك ، إذ انتجت وخلال عقود قليلة دولتها الحديثة تحت سلطة عائلة محمد علي باشا ، ونجحت في تشييد الكثير من المرافق الثقافية والخدمية ، وأسهمت في ولادة العديد من المفكرين والعلماء والفنانين .. الخ ، وكان لهذه النهضة السريعة دورها البارز في تحريك واقع الاقطار المجاورة ، على الرغم من ان لبعض هذه الاقطار مسار نهضوي مختلف ، كما هو الحال مع لبنان التي ربما سبقت مصر في هذا الأمر ، الا ان ظروفها الداخلية وواقعها الاثني المعقد حرمها من رفع لواء الريادة في مجال التحديث والتطوير ، كذلك شهدت ايران وتركيا مسارات نهضوية واضحة تمثلت بالحركة المشروطية في ايران ، وحركة الاصلاحات العثمانية او ما عرف بالتنظيمات في تركيا ، وعلى الرغم من ان هذه التطورات كانت قريبة من التربة العراقية ، الا انها لم تؤثر الا قليلا في واقع البلد ، وذلك لظروفه العرقية والطائفية المعقدة ، وارتباطه بثقافة متناشزة ، ومع ان حركة الاصلاحات العثمانية قد شملته في نواحي معينة ، كما كان للجاليات الاجنبية دور تاثيري معين ، الا ان تيار النهضة في العراق كان معطلا بالكامل ، ولم يتهيا للعراق الدخول في هذا المسار الا خلال فترة الاحتلال البريطاني الذي أسهم في تأسيس الدولة العراقية الجديدة ، وهذا ما أدى إلى أن يكون المشروع النهضوي العراقي ناقصا ، لأنه لم يبنى على اسس ذات مساس بالواقع العراقي ، ولم يتحرك على ارضيته القلقة ، بل تم استيراد هذا المشروع من تجارب اقليمية مغايرة كليا لظروف الواقع العراقي ، ولذلك وقع العراق تحت اسر مشروع نهضوي لا يمت لواقعه بصلة ، ليس لانه ينطلق من تراث غريب و هجين فحسب ، بل ولانه ادير ادارة سيئة أيضا ، أي ان المشروع المزعوم ليس سوى رؤية قطرية ماخوذة من تراث هيمني وأيديلوجية متعالية ، ولذلك لم يتهيأ للعراق ان ينجو من تبعات وعثرات هذا المشروع على الرغم الجهود الكبيرة التي عملت لذلك .
أما الأذى الذي سببه هذا المشروع فعلى الرغم من أن عموم المنطقة قد عانت منه ، الا انها لم تتضرر قدر الضرر الذي أصاب العراق منه ، والسبب لأن رواد النهضة الذين اعادوا احياء المشروع العربي لم يتجاهلوا ظروف بلدانهم ، فضلا عن إعتقاد البعض منهم ان مشروعا كهذا ربما سوف يقدم لهم الكثير من الميزات وسيضعهم بدرجة المعلم بالنسبة للاخرين ، فيما لم يتحقق ذلك للعراق لانه استورد النهضة من الاخرين وطبقها على واقعه من دون تمعن أو دراسة ، أما أهم الإشكالات التي سببها هذا المشروع للعراق فهي ما يأتي :
1. اهمل هذا المشروع التنوع الاثني للبلاد ، بما في هذا التنوع من اختلافات ثقافية ودينية وطائفية واقتصادية ، الامر الذي تم تشخيصه منذ وقت مبكر من اكثر من شخصية ، مع ان هذا التشخيص لم ينجح في إعادة النظر بمسار هذا المشروع لتجنب الأخطاء والسلبيات .
2. اهمل المشروع غنى البلد بالقيم الحضارية القديمة وامتلاكه لشخصية حضارية ضاربة في اعماق الزمن كان لها الأثر الكبير في إضعاف الهيمنة الثقافية الاتية من الخارج .
3. تجاهل هذا المشروع الظروف التاريخية المعقدة التي مر بها العراق عبر تاريخه الطويل والتي شكلت منعطفات حادة في مساره الحضاري والسياسي .
4. اهمل الحاجات الاساسية الحقيقية للبلد ونحى بشكل قسري نحو حاجات مزيفة لم ينتجها الواقع العراقي وليس لها صلة بتكوينه البنيوي .
لذلك ليس بمستغرب ان نشهد تعثرا مبكرا لهذا المشروع ، بدليل ما تعرض له البلد من هزات سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية عنيفة ، وما تنكبته البلاد من مشاكل وهموم بلغت اوجها عندما حرك هذا المشروع مكامن التنافر
في الصيرورة العراقية ، لتبدء التناقضات بالظهور والتبلور ، واذا كان الاشوريون هم اول من عبروا عن شخصيتهم الحضارية ، فانهم لم يكونوا الاخيرين ، لأن العهود التالية بعد نشوء الدولة العراقية شهدت العديد من التمردات الاثنية والدينية بما في ذلك تمردات الاكراد في الشمال والشيعة في الجنوب ، ولم يقتصر الامر على هذا الحد بل شمل المزيد من التورط في الشؤون العربية ، وعدم التعاطي مع القضية العربية بشكل طبيعي ، إذ بدأت ارهاصات ذلك في عهد حكومة ياسين الهاشمي الذي كان يتباهى بلقب (بسمارك العرب) ، و كذلك بالتهور الذي انتج حركة مايس 1941 والذي كان لبعض العرب دور كبير فيها ، ثم المشاركات العراقية في حروب العرب مع اسرائيل ، إذ كان العراق البلد العربي الوحيد الذي يشارك في هذه الحرب من دون أن تكون له حدود مع اسرائيل ، هذا ناهيك عن العديد من حالات التورط الغير منطقية في مشاكل عربية ليس هناك أي ضرورة لتدخل العراق فيها ، ما جعل العراق و انطلاقا من سياسته غير المنضبطة ساحة مكشوفة لتدخلات زعماء بعض الدول العربية من ذوي الطموح السياسي والهيمني ، كما هو الحال مع جمال عبد الناصر الذي أصبح له تأثير كبير على السياسة العراقية في الستينات ، ثم وبتاثير ذلك تقريبا يدخل العراق في حرب طويلة ومرهقة مع ايران ، وكأن العقل العراقي لا ينفك يحاول نيل الانتباه العربي دون جدوى ، لأن هذا الانتباه لم يكن يوما موجها اليه ، وربما يشبه ذلك من بعض النواحي محاولة الشيعة في كل مكان الانغماس في المشاكل القومية والاسلامية كقضية فلسطين او المقاومة في لبنان ودافعهم في ذلك لنيل الاعتراف العربي والاسلامي بجهودهم وبانتمائهم لهم بعد ان حرمهم المشروع العربي و الاسلامي من نعمائه طويلا .
ان تبني بلدان المنطقة للمشروع العربي النهضوي الحديث وضعهم في قطيعة ليس مع الاثنيات والطوائف التي تضمها بلدانهم فحسب بل ومع الحاجات الاساسية لعموم السكان أيضا ، فاذا كانت الاثنيات قد حولت بصرها باتجاه المحيط الخارجي نشدانا للتاييد والدعم ، فإن هذه الحاجات الغير ملباة قد وضعت هذه البلدان امام تناقض صارخ مع غاية النهضة ، وكأن هذه الغاية لا تتعلق بنيل الرفعة والتقدم كما هو مطلوب فعلا ، بل لتحقيق التماهي والتطابق مع حضارة الاسلاف وتاريخهم ، لكن هذا التناقض على خطورته لم يبلغ ابدا ما بلغه النموذج العراقي ، لوجود فرامل ثقافية وإجتماعية وسياسية تمنع الانسياق في معمعة التناقض ، لا سيما وان البلدان العربية الأخرى لا تحمل في داخلها الكثير من بؤر التناقض او الاشكالات مثلما هو موجود في العراق انطلاقا من خلفيته التاريخية المعقدة وخطوات مشروعه السياسي الغير واثقة ، وبالتالي وقع العراق فريسة لهذا التناقض الصارخ بين متطلبات واقعه المحلي والأجندة النابعة من مشروعه النهضوي ، إذ لمسنا ذلك في اكثر من نطاق ، اولها - النطاق السياسي ، فعلى الرغم من ان هذا النطاق لم يعدم التوجه العقلاني الذي تمثل بسياسات بعض رؤساء الحكومات العراقية ، فإن مسار السياسة العراقية قد غدا إجمالا اسيرا لهدي المشروع النهضوي المستورد ، إذ رأينا كثرة نشاط مجموعة المشروع العربي واقدامها المستمر على اشغال العراق في قضايا لا قدرة له عليها و ليس لها مساس مباشر بواقعه ، ما افقد السياسة العراقية طابع الاستقرار الذي كان يتطلبه البلد لكي ينمو ويتطور ، ما جعل العراق يدور في دوامة المغامرات التي يصنعها ربابنته من القوميين أو مدعي القومية ، ولولا وجود البريطانيين والملك في بداية تأسيس الدولة العراقية لربما انساق هؤلاء مع طيشهم ودفعوا البلاد الى الهاوية منذ وقت مبكر ، لكن كان لوجود ساسة بريطانيين واقعيين فضلا عن دور الملك فيصل الاول المتزن الأثر الكبير في الحفاظ على استقامة المسار السياسي وابقاء حراكه في المنطقة الآمنة ، إذ وجد هؤلاء في نوري السعيد و سواه من القادة المتفهمين الوسيلة المناسبة التي يمكن ان تسهم في الحفاظ على المسار الصحيح للقطار السياسي على اثر كل طيش يقوم به التيار الاخر ، فكان النجاح الاول لهؤلاء في لجم تحديات الاستقلال العراقي المبكر ومنع انجرار البلاد الى الفوضى بتأثير ما يحمله هذا الاستقلال من كوامن يمكن ان تفتح شهية التناقضات والصراعات ، إذ كان لهؤلاء دور كبير في التصدي لانقلابي 1936 ، 1941 مع اختلاف اجندة كل منهما ، اذ كان الانقلاب الاول ذو سمة وطنية ، فيما كان الثاني ذو سمة قومية ، ثم في ضم العراق لحلف بغداد 1955 بعد ان لمسوا حاجته لذلك، لكن التيار الاخر لم يكن ليستسلم ، لا سيما وهو مدعم بإطار المشروع العربي الذي يريد أن يخترق الساحة العراقية ، فقد كان دائم الحضور بالتوازي مع حراك المعتدلين والوطنيين ، ما جعل سياسة العراق تنحو نحو هذا الإتجاه شيئا فشيئا ، ما ادى وبالاقتران مع عوامل اخرى الى وقوع العراق تحت طائلة الحسابات الخارجية او انغماسه في قضايا بعيدة عن همه الداخلي ، الامر الذي ادى الى استفحال المشاكل والتناقضات الداخلية المهملة والمبعدة عن الإهتمام وخروجها عن السيطرة ، فكان أن وقع العراق فريسة الإنقلابات و الحركات و الثورات المتعاقبة التي كانت نتيجتها وبالا عليه وعلى الظروف المعاشية للمواطنين وعلاقتهم بالدولة ، واذا كانت حركة مايس 1941 قد فشلت في تحقيق مآربها بفعل التدخل البريطاني ، فإن حركة | ثورة 14 تموز 1958 كانت حاسمة الى الحد الذي قوضت كل شيء بضربة واحدة ، ومع ان هذه الحركة | الثورة لايمكن ان تحال من حيث النتائج الى خانة انشطة المشروع العربي ، الا انها تورطت به أو جرت إليه تدريجيا ، لأن الهدف الوطني الذي اعلنته اساسا لمشروعها ضاع في خضم الطموحات الفردية لقادتها و في ظل تعاقب الاحداث التي شهدتها البلاد وقتذاك ، ولذلك سقطت حركة | ثورة كان معولا عليها أن تعيد العافية لجسد البلاد المنهك بعد ان اعلنت خصومتها الخجولة للمشروع القومي غير المتجانس ، ذلك المشروع الذي أوصل البلاد الى حال بائس ، ليس لانه سيء بذاته ، وانما لانه لا يتوافق مع ظروف الواقع العراقي ، لكن هذه الحركة | الثورة لم يكتب لها النجاح بفعل عوامل ذاتية و موضوعية عدة ، ما أدى إلى أن أن تنكشف ساحة العراق ، ليموج من جديد بتيارات لم يكن من الممكن كبحها بسهولة ، فكان أن مضى سريعا في طريق التفكك والانحلال .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق