د.
باسم محمد حبيب
مقال منشور في جريدة صباح الموصل
هل
يمكن أن يكون لما بعد الحداثة خطاب أيديلوجي ؟ هذا السؤال قد يثير إستغراب من يضع
ما بعد الحداثة في خانة الإبستمولوجيا إيمانا منه ببراءتها الإيديلوجية
وسمتها المعرفية المحضة ، لكن آن الأوان لإن يغير هؤلاء نظرتهم إليها بعد جملة المتغيرات التي شهدها العالم في المناحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية والإعلامية .. الخ ، فبات من المتعذر ربطها بها فحسب أو تجاهل طابعها الأيديلوجي ، لإن هذا الخطاب ليس نقدا غربيا ذاتيا أو موجهاً لتحطيم المركزية الغربية كما يطرح بعضهم ، بل هو خطاب مراده فك ارتباط الغرب بالحضارات الأخرى ، وإنشاء حضارات منغلقة على ذاتها يعيش كل منها في عالمه الخاص ومجاله الحيوي ، لا تأثير ولا تأثر بما يقع خارج محيطها ، فلو عاينا مقدار الفائدة أو الضرر الذي يمكن ان تحوزه الحضارات من هذه الأيديلوجيا ، لوجدنا ان الضرر الذي يصيب الغرب منها ليس بقدر ما يصيب الحضارات الأخرى بحكم حاجتها إلى إستيراد معارف الغرب أو إستلهام مساره في التطور ، فبإمكان الغرب الإحتفاظ بتفوقه الحضاري والإبداعي حتى مع أنعزاله شبه التام عن الحضارات الأخرى ، لكن ليس بإمكان الحضارات الأخرى ان تنشد التطور من دون ان تستفيد من خبرات الغرب وما لديه من تراكم معرفي كبير .
وسمتها المعرفية المحضة ، لكن آن الأوان لإن يغير هؤلاء نظرتهم إليها بعد جملة المتغيرات التي شهدها العالم في المناحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية والإعلامية .. الخ ، فبات من المتعذر ربطها بها فحسب أو تجاهل طابعها الأيديلوجي ، لإن هذا الخطاب ليس نقدا غربيا ذاتيا أو موجهاً لتحطيم المركزية الغربية كما يطرح بعضهم ، بل هو خطاب مراده فك ارتباط الغرب بالحضارات الأخرى ، وإنشاء حضارات منغلقة على ذاتها يعيش كل منها في عالمه الخاص ومجاله الحيوي ، لا تأثير ولا تأثر بما يقع خارج محيطها ، فلو عاينا مقدار الفائدة أو الضرر الذي يمكن ان تحوزه الحضارات من هذه الأيديلوجيا ، لوجدنا ان الضرر الذي يصيب الغرب منها ليس بقدر ما يصيب الحضارات الأخرى بحكم حاجتها إلى إستيراد معارف الغرب أو إستلهام مساره في التطور ، فبإمكان الغرب الإحتفاظ بتفوقه الحضاري والإبداعي حتى مع أنعزاله شبه التام عن الحضارات الأخرى ، لكن ليس بإمكان الحضارات الأخرى ان تنشد التطور من دون ان تستفيد من خبرات الغرب وما لديه من تراكم معرفي كبير .
ومن ثم من المحتمل ان يكون من دوافع
ظهور هذا الفكر ( أي فكر ما بعد الحداثة ) الخشية من المخاطر التي يمكن ان تجلبها
الحداثة للمشروع الغربي ، انطلاقا من الاعتقاد بأن الحداثة وأن كرست المركزية
الغربية و ساعدت على تمكين الغرب من الحصول على العمالة الرخيصة و الوصول إلى
المواد الأولية التي تتطلبها صناعته ، فضلا عن إيجاد الأسواق التي يمكن تصريف
المنتجات الغربية فيها ، إلا أنها في الوقت نفسه فتحت أبواب الغرب على كثير من
المخاطر ، منها خطر ذوبان الأعراق الغربية في الأعراق الأخرى ، وما يترتب على ذلك
من اختفاء الخصائص التي تجعل من هذه الأعراق مبدعة ومتفوقة ، فضلا عن الخشية من
فقدان الهيمنة الغربية بعد أن تأخذ الحضارات بأسباب التطور التي يتيحها الأتصال
بالغرب ، أما الأستراتيجية التي رأى هذا التيار انها تمكنه من ابعاد هذه المخاطر عنه
، فترتكز على أمرين : ( الأول ) إثارة خوف الغرب من زيادة الإتصال بالحضارات
الأخرى ، ودفعه إلى تقنين هذا الأتصال حفاظا على التفوق الغربي والهيمنة الغربية ،
و ( الثاني ) محاولة استنهاض همم الحضارات الأخرى وبعث الروح في قيمها الحضارية ،
لكي تستشعر ذاتها وتعتد بمنجزاتها ، فتعود المناجزة الحضارية التي فقدها العالم
منذ أمد بعيد ، وبالذات منذ ان هيمنت حضارة الغرب المتفوقة على العالم ، فيستعيد التاريخ هويته كمسار مفتوح بلا أي وقفات أو نهايات .
أما
الأساس في استراتيجية ما بعد الحداثة فهو نقد العقل الغربي وبالذات نقد تعاطيه مع
الآخر المختلف ، فإذا كان الآخر في نظر الحداثة هو مثيل أو امتداد ، فإنه في نظر
ما بعد الحداثة ليس كذلك بل الغير الذي يختلف عنك في نواحي كثيرة حضارية ونفسية
وعقلية ، وهذا ما ينسحب على رؤية ما بعد الحداثة للفوارق بين الحضارات فهي في
نظرها فوارق صميمية لا يمكن تجاوزها بسهولة ، على الضد من الحداثة التي تجدها
فوارق شكلية يمكنها ان تختفي فيما إذا أخذت الشعوب المتخلفة بأسباب التطور الحضاري
مثل الشعوب المتقدمة ، وإنطلاقا من ذلك ليس بالمستبعد ان يكون وراء هذه النظرة
رؤية عنصرية ، هذه المرة بملمح حضاري بعد ان استغنى الغرب عن العنصرية بأشكالها
الأخرى .
ففشل الحداثة في إنتاج ثقافة متماسكة تجمع تحت لوائها كل مجتمعات
العالم ، لا يمكن عده فشل شكلي أو مرحلي في نظر ما بعد الحداثيون ، إنما هو فشل
صميمي ونهائي ، فمهما وضع من فكر أو مورس من جهد لا سبيل إلى تجاوز الإختلافات الثقافية
و الحضارية ، إن لم تكن هناك إمكانية لتزايد هذه الإختلافات مع بلوغ هذه الحضارات مستويات
أعلى من التطور ، فحتى الإمبراطوريات القوية لم يتح لها تحقيق ذلك على الرغم مما
أمتلكته من أدوات سياسية وعسكرية وإقتصادية ، فقد كانت هناك دائما عوائق تمنع ذلك
سواء أكانت دينية أم عرقية أم قومية أم غيرها ، وما دام الفشل في إنتاج حضارة
واحدة كان رائد البشرية طوال العصور السابقة ، فليس من المحتمل تحقيق ذلك في عصور
لاحقة .
وبالتالي يرى ما بعد
الحداثيون أن لا مناص من القبول بالإختلاف مادام إنهائه أمرا مستحيلا ، ما يعني إن
علينا التعاطي معه مهما تصاعدت حدته أو بلغت مدياته وصولا إلى حالة الإنعزال التام
، أما إذا لم يكن هناك مناص من وجود الصلات والروابط فمن الضروري أن تكون في أدنى
حالتها ، حتى لا يحصل تماس حضاري يصعب السيطرة عليه أو إيقاف آثاره وتداعياته .
ومن ثم ترى ما بعد الحداثة ان من غير
المجدي نقد المنتجات الفكرية لمجتمع معين بمقارنتها بمنتجات مجتمع آخر ، إنما لابد
من اعتماد استراتيجية التشريح والتقويض من الداخل ، أي بإعتماد الأدوات اللغوية
والسيسولوجية .. ، وعلى الرغم من ان هذا النقد يمكن ان يكون أكثر تأثيرا من النقد
الآخر ، إلا أن ما يؤسسه هو التمحور في إطار ثقافي ضيق ، إطار لا يمكنه ان يعبر من
تخوم الثقافة المؤسسة إلى آفاق معرفية رحبة ، لأنه سيبقى أسير الدوران في لعبة
تفكيك نصوص الثقافة بحثا عن النص المثالي الذي لا يمكن بلوغه .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق