الاثنين، 7 يناير 2019

الطابع الأيديلوجي لما بعد الحداثة



د. باسم محمد حبيب 
مقال منشور في جريدة صباح الموصل 

هل يمكن أن يكون لما بعد الحداثة خطاب أيديلوجي ؟ هذا السؤال قد يثير إستغراب من يضع ما بعد الحداثة في خانة الإبستمولوجيا إيمانا منه ببراءتها الإيديلوجية
وسمتها المعرفية المحضة ، لكن آن الأوان لإن يغير هؤلاء نظرتهم إليها بعد جملة المتغيرات التي شهدها العالم في المناحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية والإعلامية .. الخ ، فبات من المتعذر ربطها بها فحسب أو تجاهل طابعها الأيديلوجي ، لإن هذا الخطاب ليس نقدا غربيا ذاتيا أو موجهاً لتحطيم المركزية الغربية كما يطرح بعضهم ، بل هو خطاب مراده فك ارتباط الغرب بالحضارات الأخرى ، وإنشاء حضارات منغلقة على ذاتها يعيش كل منها في عالمه الخاص ومجاله الحيوي ، لا تأثير ولا تأثر بما يقع خارج محيطها ، فلو عاينا مقدار الفائدة أو الضرر الذي يمكن ان تحوزه الحضارات من هذه الأيديلوجيا ، لوجدنا ان الضرر الذي يصيب الغرب منها ليس بقدر ما يصيب الحضارات الأخرى بحكم حاجتها إلى إستيراد معارف الغرب أو إستلهام مساره في التطور ، فبإمكان الغرب الإحتفاظ بتفوقه الحضاري والإبداعي حتى مع أنعزاله شبه التام عن الحضارات الأخرى ، لكن ليس بإمكان الحضارات الأخرى ان تنشد التطور من دون ان تستفيد من خبرات الغرب وما لديه من تراكم معرفي كبير .
ومن ثم من المحتمل ان يكون من دوافع ظهور هذا الفكر ( أي فكر ما بعد الحداثة ) الخشية من المخاطر التي يمكن ان تجلبها الحداثة للمشروع الغربي ، انطلاقا من الاعتقاد بأن الحداثة وأن كرست المركزية الغربية و ساعدت على تمكين الغرب من الحصول على العمالة الرخيصة و الوصول إلى المواد الأولية التي تتطلبها صناعته ، فضلا عن إيجاد الأسواق التي يمكن تصريف المنتجات الغربية فيها ، إلا أنها في الوقت نفسه فتحت أبواب الغرب على كثير من المخاطر ، منها خطر ذوبان الأعراق الغربية في الأعراق الأخرى ، وما يترتب على ذلك من اختفاء الخصائص التي تجعل من هذه الأعراق مبدعة ومتفوقة ، فضلا عن الخشية من فقدان الهيمنة الغربية بعد أن تأخذ الحضارات بأسباب التطور التي يتيحها الأتصال بالغرب ، أما الأستراتيجية التي رأى هذا التيار انها تمكنه من ابعاد هذه المخاطر عنه ، فترتكز على أمرين : ( الأول ) إثارة خوف الغرب من زيادة الإتصال بالحضارات الأخرى ، ودفعه إلى تقنين هذا الأتصال حفاظا على التفوق الغربي والهيمنة الغربية ، و ( الثاني ) محاولة استنهاض همم الحضارات الأخرى وبعث الروح في قيمها الحضارية ، لكي تستشعر ذاتها وتعتد بمنجزاتها ، فتعود المناجزة الحضارية التي فقدها العالم منذ أمد بعيد ، وبالذات منذ ان هيمنت حضارة الغرب المتفوقة على العالم  ، فيستعيد التاريخ هويته كمسار مفتوح  بلا أي وقفات أو نهايات   .
أما الأساس في استراتيجية ما بعد الحداثة فهو نقد العقل الغربي وبالذات نقد تعاطيه مع الآخر المختلف ، فإذا كان الآخر في نظر الحداثة هو مثيل أو امتداد ، فإنه في نظر ما بعد الحداثة ليس كذلك بل الغير الذي يختلف عنك في نواحي كثيرة حضارية ونفسية وعقلية ، وهذا ما ينسحب على رؤية ما بعد الحداثة للفوارق بين الحضارات فهي في نظرها فوارق صميمية لا يمكن تجاوزها بسهولة ، على الضد من الحداثة التي تجدها فوارق شكلية يمكنها ان تختفي فيما إذا أخذت الشعوب المتخلفة بأسباب التطور الحضاري مثل الشعوب المتقدمة ، وإنطلاقا من ذلك ليس بالمستبعد ان يكون وراء هذه النظرة رؤية عنصرية ، هذه المرة بملمح حضاري بعد ان استغنى الغرب عن العنصرية بأشكالها الأخرى .

ففشل الحداثة في إنتاج ثقافة متماسكة تجمع تحت لوائها كل مجتمعات العالم ، لا يمكن عده فشل شكلي أو مرحلي في نظر ما بعد الحداثيون ، إنما هو فشل صميمي ونهائي ، فمهما وضع من فكر أو مورس من جهد لا سبيل إلى تجاوز الإختلافات الثقافية و الحضارية ، إن لم تكن هناك إمكانية لتزايد هذه الإختلافات مع بلوغ هذه الحضارات مستويات أعلى من التطور ، فحتى الإمبراطوريات القوية لم يتح لها تحقيق ذلك على الرغم مما أمتلكته من أدوات سياسية وعسكرية وإقتصادية ، فقد كانت هناك دائما عوائق تمنع ذلك سواء أكانت دينية أم عرقية أم قومية أم غيرها ، وما دام الفشل في إنتاج حضارة واحدة كان رائد البشرية طوال العصور السابقة ، فليس من المحتمل تحقيق ذلك في عصور لاحقة . 
 وبالتالي يرى ما بعد الحداثيون أن لا مناص من القبول بالإختلاف مادام إنهائه أمرا مستحيلا ، ما يعني إن علينا التعاطي معه مهما تصاعدت حدته أو بلغت مدياته وصولا إلى حالة الإنعزال التام ، أما إذا لم يكن هناك مناص من وجود الصلات والروابط فمن الضروري أن تكون في أدنى حالتها ، حتى لا يحصل تماس حضاري يصعب السيطرة عليه أو إيقاف آثاره وتداعياته .
  ومن ثم ترى ما بعد الحداثة ان من غير المجدي نقد المنتجات الفكرية لمجتمع معين بمقارنتها بمنتجات مجتمع آخر ، إنما لابد من اعتماد استراتيجية التشريح والتقويض من الداخل ، أي بإعتماد الأدوات اللغوية والسيسولوجية .. ، وعلى الرغم من ان هذا النقد يمكن ان يكون أكثر تأثيرا من النقد الآخر ، إلا أن ما يؤسسه هو التمحور في إطار ثقافي ضيق ، إطار لا يمكنه ان يعبر من تخوم الثقافة المؤسسة إلى آفاق معرفية رحبة ، لأنه سيبقى أسير الدوران في لعبة تفكيك نصوص الثقافة بحثا عن النص المثالي الذي لا يمكن بلوغه .
  

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969