الأحد، 23 ديسمبر 2018

أور المدينة المقدسة المنسية




د. باسم محمد حبيب

المسجد الأقصى الذي أسري إليه الرسول محمد ( ص ) هل هو في القدس أم في أور ؟
     الرواية المعتمدة لدى المسلمين لا ترى بديلا عن القدس في كونها المكان الذي يضم المسجد الأقصى الذي أسري الرسول محمد ( ص ) إليه ، وسبب ذلك لإن ذلك مما وصل إليهم

من العهود لإسلامية الأولى التي لا يجرأ أحد على نقد مأثورها ورواياتها ، فضلا عن إرتباط ذلك بالصراع الإسلامي المسيحي الذي أشتد في أواخر العصر العباسي فيما عرف بالحروب الصليبية ومحاولة كل طرف التشبث بالقدس وربطها بمقدساته ، ثم جاء الصراع الإسلامي اليهودي ليضع مناقشة هذه الرواية في خانة المحرمات حتى لا تخدم إدعاءات اليهود حول القدس ، الأمر الذي حرمنا من النظر في نظريات قد تطرح آراء أخرى حول مكان وجود المسجد الأقصى الذي أسري الرسول إليه .
    فلدينا نظرية ترى أن هناك أكثر من مسجد يمكن أن نصفه بالأقصى أحداها في مدينة القدس ، وبرهان ذلك أن لفظة الأقصى يقصد بها غالبا المسافة أو البعد وليس معلما ما ، ولكونه بعيد عن المدينة التي فيها الرسول أي يثرب ، فقد وصفه المسلمون بالأقصى بعد أن أتخذوه قبلة لهم في صلاتهم قبل أن يتحولوا بعد ذلك إلى الكعبة أو المسجد الحرام بنص الآية القرآنية : " فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره  " [1] ، أما سبب أختيار ذلك المكان - أي المسجد الأقصى - قبلة للمسلمين ، فلأنه بخلاف مكة كان آنذاك مكانا يعبد الله فيه بوجود ديانة توحيدية أو تهديدا لتجارة قريش المورد الأساس لإقتصادها ، ما جعلها أولى القبلتين وثالث الحرمين لدى المسلمين ، لقد أكد المأثور الإسلامي على كون المنطقة المقدسة في فلسطين هي موضع المسجد الأقصى المشار إليه في القرآن الكريم وذلك لإرتباطه بفترة التدوين الأولى في العهد الأموي ، أما بناؤها كمسجد فتم في عهد عبد الملك بن مروان الذي كان ينازع عبد الله بن الزبير على الخلافة التي كان كل منهم يدعي أحقيته بها ، ومن أجل كسب الأتباع ، أستغل بن الزبير موسم الحج لدعوة المسلمين إلى بيعته ، فرد عبد الملك ببناء مسجد في القدس التي كانت تسمى إيليا آنذاك لكونها أكثر المناطق قدسية في منطقة نفوذه ، داعيا رعاياه للحج إليه بدلا من  الكعبة [2]، وهذا ما جعل البعض يطرح تساؤلا حول المكان الذي أمر الرسول المسلمين بالحج إليه : هل هو في الجنوب حيث الكعبة أم في الشمال حيث المدينة المقدسة لدى الديانتين المسيحية واليهودية أم في مكان آخر ؟ لكن الغالبية لم تجادل على أن مكة هي من جرى إختيارها قبلة للمسلمين ومكانا لحجهم مع ترجيح أن ذلك إنما جرى في نهاية عهد الرسول محمد ( ص ) ، ولعل حصول ذلك قد تم بعد مفاوضات أجراها الرسول محمد ( ص ) مع أبو سفيان لم يفصح التاريخ عنها أو عن أي إتفاق نتج عنها ، إلا أننا نعلم أنه مقابل دخوله إلى الإسلام وقبوله تسليم مكة إلى المسلمين من دون حرب ، كسب بو سفيان جعل داره مكان أمان أثناء دخول المسلمين إلى مكة ، فضلا عن منع أي أعتداء قد يتعرض له سكان المدينة من المهاجمين والعفو عنهم ، وتنظيف مكة من الأصنام لتكون محجا للمسلمين كما كانت محجا للعرب قبل الإسلام ، وهذا مما يدعم وجود إتفاق بين الرسول وأبو سفيان لم تذكره الروايات التاريخية .
     ولم يستمر جعل القدس المدينة المقدسة الأولى في الإسلام أكثر من العهد الأموي ، إذ عمل العباسيون على تجريدها من هذه الصفة لصالح مكة التي أصبحت أكثر المدن قدسية في الإسلام ، تليها يثرب التي سميت بالمدينة المنورة ، إلى أن  بدأت الحروب الصليبية التي أدعى الملوك الأوربيون أنهم قاموا بها من أجل إعادة إيليا المدينة المسيحية المقدسة إلى أحضان المسيحية وإنقاذها من محتليها المسلمين ! ، فرد المسلمون بالتمسك بإيليا التي بات المسلمون يسمونها ( القدس ) بوصفها المدينة الإسلامية المقدسة الثالثة بعد مكة والمدينة ، فجرى نسيان ( أور ) التي كانت قبل ذلك إحدى المدن المقدسة في نظر الأديان السماوية كونها المكان الذي ولد فيه ابو الأنبياء إبراهيم الخليل والمكان الذي شعت منه أولى الديانات التوحيدية ، ورب سائل يسأل : كيف يكون ذلك و أور لم تكن موجودة أنذاك كمدينة بل كأطلال فقط ؟ نقول أن هذا الأمر لايمنع النظر إلى أرضها كمكان مقدس لاسيما وهي مذكورة في التوراة وفي الروايات المسيحية ، ولعل عدم حج المسيحيين إليها جاء بسبب وقوعها تحت سلطة خصومهم الفرثيين والساسانيين الذين ربما تعمدوا طمسها وإهمالها نكاية بأعدائهم البيزنطيين .
     لكن هل ينطبق هذا على المسلمين لعدم ذكرها في القرآن الكريم  ؟ أم أن الأمر ليس كذلك لوجود أدلة تدعم معرفة المسلمين بها وتقديرهم لمكانتها وتقديسهم لها ، من هذه الأدلة : ورود قصة إبراهيم في القرآن الكريم التي تشابه كثيرا قصته في التوراة ، وذكر الشمس والقمر اللذان حاول إبراهيم عبادتهما ، إذ هما من الآلهة المعبودة في أور : " فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ( 76 ) ولما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لن يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ( 77 ) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم أني بريء مما تشركون ( 78 ) " [3]، إذ يعد إله القمر الذي يسميه السومريين ( ننا ) ويسميه البابليين ( سين ) أكبر معبودات آور ، أما إله الشمس الذي يسميه السومريين والأكديين ( أوتو ) و ( شمش ) على التوالي فهو من آلهتها الرئيسة كونه أحد أبناء إله القمر [4] وهذا ما يصح على الإلهة إنانا ( عشتار ) التي يرجح أنها هي التي أشير لها بالكوكب الذي بدأ إبراهيم بعبادته في نص الآية القرآنية ، فضلا عن الروايات الدينية التي أشارت صراحة إلى أور كموطن لإبراهيم الخليل ، وإتخاذ الهلال رمز الإله ( ننا ) ( سين ) رمزا للإسلام ، إلى آخره من الأدلة .
أما الأدلة التي تشير إلى مكانة أور وقدسيتها لدى المسلمين كما لدى الديانات الأخرى فأهمها :
1-    أن تبليغ النبي إبراهيم بالرسالة جرى في مدينة أور ، ومن ثم فقد كانت هناك حاجة للتعبد لله فيها ، ما يجعلها أول مسجد عبد الله فيه ، أما ما يرد في الآية القرأنية حول أول مسجد وضع للناس " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين  " [5]فهو مما يدعم هذا الرأي ، لا سيما إذا ما فسرت بكة بكونها تعني مدينة البكاء وليس مدينة أخرى تحمل هذا الأسم ، سواء أكانت مكة أم غيرها ، وإذا ما صح ذلك فإن أور هي أكثر من تطابق ذلك ، كونها من المدن التي كان طقس العزاء يمارس فيها على الإله ( دموزي ) ( تموز ) [6]، وهو من أكثر الطقوس شهرة في حضارة بلاد الرافدين ، فضلا عن عن البكاء لما حل بها من قتل وتدمير بعد أن غزاها العيلاميون والآموريون في حدود عام 2006 ق.م ، وهو ما خلدته إحدى المرثيات بما نصه : " أيتها المدينة النواح عليك بات نواح مريرا ، النواح عليك يا مدينة بات نواحا مريرا ، من أجل مدينة طيبة قد دمرت يرتفع نواح مرير ، من أجل أور التي دمرت يرتفع نواح مرير ، فالحزن عليك يا مدينة أصبح حزنا مريرا  " [7].
2-    تشير الآية القرآنية " وقد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها " [8] إلى أن الرسول محمد ( ص ) كان يفاضل بين الأماكن المقدسة لإختيار أحدها قبلة للمسلمين ، ولعل أور من الأماكن التي جرى التفكير بها قبل إختيار ( إيليا ) ( القدس ) ، لإنها على غرار  مكة والقدس كانت أيضا مقرا لإحدى الدعوات التوحيدية ، أي الدعوة الإبراهيمية التي تفرعت منها الديانات السماوية الأخرى .
3-    وإذا ما عدت أور إحدى المدن المقدسة ومكانا لأول مسجد عبد فيه الله وهو المسجد الذي يصح تسميته بالمسجد الأقصى أيضا ، فليس هناك ما يمنع من أن تكون هي المكان الذي أسري الرسول محمد ( ص ) إليه ، لاسيما وإن الآية القرآنية لم تسمه بالأسم " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله " [9] ، ولعل صفة البركة التي يحملها ذلك المكان هو مما يدعم فرضيتنا ، لإن أور واقعة في أرض السواد أكثر المناطق خصوبة آنذاك والتي لا يمكن مقارنتها يبلاد الشام أو فلسطين .



[1] . سورة البقرة : آية 144 .
[2] . جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي ، النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، ج1، ( نشر إلكتروني ) ص 102 – 103 .
[3] . سورة الأنعام : الآيات 76 و 77 و 78 .
[4] . طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، الجزء الأول : الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين ، ( بيروت ، دار الوراق ، 2009 ، ص 371 .
[5] . سورة آل عمران : آية 96 .
[6] . سامي سعيد الأحمد ، المعتقدات الدينية في العراق القديم ( بيروت ، 2013 ) ، ص 55 .
[7] . بوهوسلاف هروشكا وآخرون ، الأساطير في حضارة بلاد الرافدين ( ترجمة عن الرقم الطينية ) ، ترجمة : عصام عبد اللطيف أحمد ، ( بغداد ، 2006 ) ، ص 58 – 59 .
[8] . سورة البقرة : آية 144 .
[9] . سورة الإسراء : آية 1 .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969