المسجد الأقصى الذي أسري إليه الرسول محمد ( ص ) هل هو في القدس أم في
أور ؟
الرواية
المعتمدة لدى المسلمين لا ترى بديلا عن القدس في كونها المكان الذي يضم المسجد
الأقصى الذي أسري الرسول محمد ( ص ) إليه ، وسبب ذلك لإن ذلك مما وصل إليهم
من
العهود لإسلامية الأولى التي لا يجرأ أحد على نقد مأثورها ورواياتها ، فضلا عن
إرتباط ذلك بالصراع الإسلامي المسيحي الذي أشتد في أواخر العصر العباسي فيما عرف
بالحروب الصليبية ومحاولة كل طرف التشبث بالقدس وربطها بمقدساته ، ثم جاء الصراع
الإسلامي اليهودي ليضع مناقشة هذه الرواية في خانة المحرمات حتى لا تخدم إدعاءات اليهود
حول القدس ، الأمر الذي حرمنا من النظر في نظريات قد تطرح آراء أخرى حول مكان وجود
المسجد الأقصى الذي أسري الرسول إليه .
فلدينا نظرية ترى أن هناك أكثر من مسجد يمكن
أن نصفه بالأقصى أحداها في مدينة القدس ، وبرهان ذلك أن لفظة الأقصى يقصد
بها غالبا المسافة أو البعد وليس معلما ما ، ولكونه بعيد عن المدينة التي فيها الرسول أي يثرب ، فقد وصفه المسلمون بالأقصى بعد أن أتخذوه قبلة لهم في صلاتهم قبل
أن يتحولوا بعد ذلك إلى الكعبة أو المسجد
الحرام بنص الآية القرآنية : " فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " [1] ،
أما سبب أختيار ذلك المكان - أي المسجد الأقصى - قبلة للمسلمين ، فلأنه بخلاف مكة
كان آنذاك مكانا يعبد الله فيه بوجود ديانة توحيدية أو تهديدا لتجارة قريش المورد الأساس لإقتصادها ، ما جعلها أولى القبلتين وثالث
الحرمين لدى المسلمين ، لقد أكد المأثور الإسلامي على كون المنطقة المقدسة في فلسطين هي موضع المسجد الأقصى المشار إليه في القرآن الكريم وذلك لإرتباطه بفترة التدوين الأولى في العهد الأموي ، أما بناؤها كمسجد فتم في عهد عبد الملك بن مروان الذي كان
ينازع عبد الله بن الزبير على الخلافة التي كان كل منهم يدعي أحقيته بها ، ومن أجل
كسب الأتباع ، أستغل بن الزبير موسم الحج لدعوة المسلمين إلى بيعته ، فرد عبد
الملك ببناء مسجد في القدس التي كانت تسمى إيليا آنذاك لكونها أكثر المناطق قدسية
في منطقة نفوذه ، داعيا رعاياه للحج إليه بدلا من
الكعبة [2]، وهذا
ما جعل البعض يطرح تساؤلا حول المكان الذي أمر الرسول المسلمين بالحج إليه : هل هو
في الجنوب حيث الكعبة أم في الشمال حيث المدينة المقدسة لدى الديانتين المسيحية واليهودية
أم في مكان آخر ؟ لكن الغالبية لم تجادل على أن مكة هي من جرى إختيارها قبلة للمسلمين ومكانا لحجهم مع ترجيح أن ذلك إنما
جرى في نهاية عهد الرسول محمد ( ص ) ، ولعل حصول ذلك قد تم بعد مفاوضات أجراها الرسول
محمد ( ص ) مع أبو سفيان لم يفصح التاريخ عنها أو عن أي إتفاق نتج عنها ، إلا أننا
نعلم أنه مقابل دخوله إلى الإسلام وقبوله تسليم مكة إلى المسلمين من دون حرب ، كسب
بو سفيان جعل داره مكان أمان أثناء دخول المسلمين إلى مكة ، فضلا عن منع أي أعتداء
قد يتعرض له سكان المدينة من المهاجمين والعفو عنهم ، وتنظيف مكة من الأصنام لتكون
محجا للمسلمين كما كانت محجا للعرب قبل الإسلام ، وهذا مما يدعم وجود إتفاق بين
الرسول وأبو سفيان لم تذكره الروايات التاريخية .
ولم يستمر جعل القدس المدينة المقدسة الأولى في
الإسلام أكثر من العهد الأموي ، إذ عمل العباسيون على تجريدها من هذه الصفة لصالح
مكة التي أصبحت أكثر المدن قدسية في الإسلام ، تليها يثرب التي سميت بالمدينة
المنورة ، إلى أن بدأت الحروب الصليبية
التي أدعى الملوك الأوربيون أنهم قاموا بها من أجل إعادة إيليا المدينة المسيحية
المقدسة إلى أحضان المسيحية وإنقاذها من محتليها المسلمين ! ، فرد المسلمون
بالتمسك بإيليا التي بات المسلمون يسمونها ( القدس ) بوصفها المدينة الإسلامية
المقدسة الثالثة بعد مكة والمدينة ، فجرى نسيان ( أور ) التي كانت قبل ذلك إحدى المدن
المقدسة في نظر الأديان السماوية كونها المكان الذي ولد فيه ابو الأنبياء إبراهيم الخليل
والمكان الذي شعت منه أولى الديانات التوحيدية ، ورب سائل يسأل : كيف يكون ذلك و
أور لم تكن موجودة أنذاك كمدينة بل كأطلال فقط ؟ نقول أن هذا الأمر لايمنع النظر
إلى أرضها كمكان مقدس لاسيما وهي مذكورة في التوراة وفي الروايات المسيحية ، ولعل
عدم حج المسيحيين إليها جاء بسبب وقوعها تحت سلطة خصومهم الفرثيين والساسانيين الذين
ربما تعمدوا طمسها وإهمالها نكاية بأعدائهم البيزنطيين .
لكن هل ينطبق هذا على المسلمين لعدم ذكرها في
القرآن الكريم ؟ أم أن الأمر ليس كذلك
لوجود أدلة تدعم معرفة المسلمين بها وتقديرهم لمكانتها وتقديسهم لها ، من هذه
الأدلة : ورود قصة إبراهيم في القرآن الكريم التي تشابه كثيرا قصته في التوراة ، وذكر
الشمس والقمر اللذان حاول إبراهيم عبادتهما ، إذ هما من الآلهة المعبودة في أور :
" فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (
76 ) ولما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لن يهدني ربي لأكونن من
القوم الضالين ( 77 ) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا
قوم أني بريء مما تشركون ( 78 ) " [3]،
إذ يعد إله القمر الذي يسميه السومريين ( ننا ) ويسميه البابليين ( سين ) أكبر
معبودات آور ، أما إله الشمس الذي يسميه السومريين والأكديين ( أوتو ) و ( شمش )
على التوالي فهو من آلهتها الرئيسة كونه أحد أبناء إله القمر [4]
وهذا ما يصح على الإلهة إنانا ( عشتار ) التي يرجح أنها هي التي أشير لها بالكوكب الذي بدأ إبراهيم بعبادته في نص الآية القرآنية ، فضلا عن الروايات الدينية التي أشارت صراحة إلى أور كموطن لإبراهيم الخليل ، وإتخاذ
الهلال رمز الإله ( ننا ) ( سين ) رمزا للإسلام ، إلى آخره من الأدلة .
أما الأدلة التي تشير إلى مكانة أور وقدسيتها لدى المسلمين كما لدى
الديانات الأخرى فأهمها :
1- أن تبليغ النبي
إبراهيم بالرسالة جرى في مدينة أور ، ومن ثم فقد كانت هناك حاجة للتعبد لله فيها ،
ما يجعلها أول مسجد عبد الله فيه ، أما ما يرد في الآية القرأنية حول أول مسجد وضع
للناس " إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين " [5]فهو
مما يدعم هذا الرأي ، لا سيما إذا ما فسرت بكة بكونها تعني مدينة البكاء وليس
مدينة أخرى تحمل هذا الأسم ، سواء أكانت مكة أم غيرها ، وإذا ما صح ذلك فإن أور هي
أكثر من تطابق ذلك ، كونها من المدن التي كان طقس العزاء يمارس فيها على الإله (
دموزي ) ( تموز ) [6]، وهو
من أكثر الطقوس شهرة في حضارة بلاد الرافدين ، فضلا عن عن البكاء لما حل بها من
قتل وتدمير بعد أن غزاها العيلاميون والآموريون في حدود عام 2006 ق.م ، وهو ما
خلدته إحدى المرثيات بما نصه : " أيتها المدينة النواح عليك بات نواح مريرا ،
النواح عليك يا مدينة بات نواحا مريرا ، من أجل مدينة طيبة قد دمرت يرتفع نواح
مرير ، من أجل أور التي دمرت يرتفع نواح مرير ، فالحزن عليك يا مدينة أصبح حزنا
مريرا " [7].
2- تشير الآية القرآنية "
وقد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها " [8]
إلى أن الرسول محمد ( ص ) كان يفاضل بين الأماكن المقدسة لإختيار أحدها قبلة
للمسلمين ، ولعل أور من الأماكن التي جرى التفكير بها قبل إختيار ( إيليا ) (
القدس ) ، لإنها على غرار مكة والقدس كانت
أيضا مقرا لإحدى الدعوات التوحيدية ، أي الدعوة الإبراهيمية التي تفرعت منها
الديانات السماوية الأخرى .
3-
وإذا ما عدت أور إحدى المدن المقدسة ومكانا لأول مسجد عبد فيه الله وهو المسجد الذي يصح تسميته بالمسجد الأقصى أيضا ، فليس هناك ما يمنع من أن تكون
هي المكان الذي أسري الرسول محمد ( ص ) إليه ، لاسيما وإن الآية القرآنية لم تسمه
بالأسم " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
الذي باركنا حوله " [9]
، ولعل صفة البركة التي يحملها ذلك المكان هو مما يدعم فرضيتنا ، لإن أور واقعة في
أرض السواد أكثر المناطق خصوبة آنذاك والتي لا يمكن مقارنتها يبلاد الشام أو
فلسطين .
[2] . جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي ، النجوم
الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة ، ج1، ( نشر إلكتروني ) ص 102 – 103 .
[4] . طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، الجزء
الأول : الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين ، ( بيروت ، دار الوراق ، 2009 ، ص
371 .
[7] . بوهوسلاف هروشكا وآخرون ، الأساطير في حضارة بلاد
الرافدين ( ترجمة عن الرقم الطينية ) ، ترجمة : عصام عبد اللطيف أحمد ، ( بغداد ،
2006 ) ، ص 58 – 59 .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق