د. باسم محمد حبيب
الزواج أو العلاقات الجنسية بين الآلهة والبشر من الأمور التي يعتقد المؤرخين أنها مما تميز المعتقدات الأسطورية في الحضارة اليونانية عن غيرها من الحضارات الأخرى ، لكن هذا الأمر الذي قد يصح على حضارات عدة لا يصح على حضارة بلاد الرافدين التي آمنت هي الأخرى بوجود مثل هذه العلاقات ، ولدينا إشارات عدة لذلك منها :
1- زواج والد جلجامش البشري من الإلهة ننسون التي وصفتها ملحمة جلجامش بالبقرة الجليلة ، فكان ثمرة هذا الزواج جلجامش الذي ثلثاه إله وثله بشر ( حول والد ووالدة جلجامش ينظر : طه باقر ، ملحمة جلجامش ، بغداد ، 1986 ، ص 49 - 50 ).
2- اغتصاب الفلاح البشري ( شوكاليتودا ) للإلهة إنانا ( عشتار ) عند غفوتها في بستانه ( قاسم الشواف ، ديوان الأساطير ( الكتاب الأول ) ، بيروت ، 1996 ، ص 90 ) ، الأمر الذي يؤكد قدرة البشر على ممارسة الجنس مع الآلهة حتى من دون رضاها .
3- طلب إنانا ( عشتار ) من جلجامش إقامة علاقة جنسية معها أو الزواج منها ، وهو ما رفضه جلجامش لعلمه بما يجره ذلك من أذى له ، لأنه يعلم أن إنانا ( عشتار ) بصفتها ربة الشهوة لا تستقر على حبيب ، وإن مصيره سيكون كمصير عشاقها السابقين الذين عانوا ما عانوه بسببها ، وهنا يقدم لنا النص الذي ورد فيه هذا الحوار بين إنانا ( عشتار ) وجلجامش ، وهو مقطع من ملحمة جلجامش ، دليلا آخر على العلاقات الجنسية بين الآلهة والبشر عندما اورد على لسان جلجامش أسماء من أغوتهم هذه الإلهة من البشر ( ينظر : طه باقر ، ملحمة جلجامش ، ص 108 - 112) .
لذا فإن حضارة بلاد الرافدين من الحضارات التي أعتقدت بوجود مثل هذه العلاقات التي تبين اعتقادهم بإن الآلهة وإن تفوقهم بالقدرات والإمكانات إلا أنها لا تختلف عنهم في الهيأة والشكل ، وأنهم بالتالي يمكن أن يكونون كفؤا لها في بعض العلاقات لا سيما العلاقات الجنسية الأكثر تأكيدا لمبدأ التكافؤ .
لذا فإن حضارة بلاد الرافدين ليست فقط شبيهة بالحضارة اليونانية فيما يخص تعاطيها مع هذا الأمر وحسب ، وإنما سباقة لها أيضا ، وربما كانت المؤثر الذي أخذت منه الحضارة اليونانية رؤيتها هذه ، التي عدها المؤرخون مما يميزها عن الحضارات الأخرى .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق