الجمعة، 8 سبتمبر 2017

الزواج بين الآلهة والبشر في العراق القديم

د. باسم محمد حبيب


الزواج أو العلاقات الجنسية بين الآلهة والبشر من الأمور التي يعتقد المؤرخين أنها مما تميز المعتقدات الأسطورية في الحضارة اليونانية عن غيرها من الحضارات الأخرى ، لكن هذا الأمر الذي قد يصح على حضارات عدة لا يصح على حضارة بلاد الرافدين التي آمنت هي الأخرى بوجود مثل هذه العلاقات ، ولدينا إشارات عدة لذلك منها :

1- زواج والد جلجامش البشري من الإلهة ننسون التي وصفتها ملحمة جلجامش بالبقرة الجليلة ، فكان ثمرة هذا الزواج جلجامش الذي ثلثاه إله وثله بشر ( حول والد ووالدة جلجامش ينظر : طه باقر ، ملحمة جلجامش ، بغداد ، 1986 ، ص 49 - 50 ).
2- اغتصاب الفلاح البشري ( شوكاليتودا ) للإلهة إنانا ( عشتار ) عند غفوتها في بستانه ( قاسم الشواف ، ديوان الأساطير ( الكتاب الأول ) ، بيروت ، 1996 ، ص 90 ) ، الأمر الذي يؤكد قدرة البشر على ممارسة الجنس مع الآلهة حتى من دون رضاها .
3- طلب إنانا ( عشتار ) من جلجامش إقامة علاقة جنسية معها أو الزواج منها ، وهو ما رفضه جلجامش لعلمه بما يجره ذلك من أذى له ، لأنه يعلم أن إنانا ( عشتار ) بصفتها ربة الشهوة لا تستقر على حبيب ، وإن مصيره سيكون كمصير عشاقها السابقين الذين عانوا ما عانوه بسببها ، وهنا يقدم لنا النص الذي ورد فيه هذا الحوار بين إنانا ( عشتار ) وجلجامش ، وهو مقطع من ملحمة جلجامش ، دليلا آخر على العلاقات الجنسية بين الآلهة والبشر عندما اورد على لسان جلجامش أسماء من أغوتهم هذه الإلهة من البشر ( ينظر : طه باقر ، ملحمة جلجامش ، ص 108 - 112) .
لذا فإن حضارة بلاد الرافدين من الحضارات التي أعتقدت بوجود مثل هذه العلاقات التي تبين اعتقادهم بإن الآلهة وإن تفوقهم بالقدرات والإمكانات إلا أنها لا تختلف عنهم في الهيأة والشكل ، وأنهم بالتالي يمكن أن يكونون كفؤا لها في بعض العلاقات لا سيما العلاقات الجنسية الأكثر تأكيدا لمبدأ التكافؤ .
لذا فإن حضارة بلاد الرافدين ليست فقط شبيهة بالحضارة اليونانية فيما يخص تعاطيها مع هذا الأمر وحسب ، وإنما سباقة لها أيضا ، وربما كانت المؤثر الذي أخذت منه الحضارة اليونانية رؤيتها هذه ، التي عدها المؤرخون مما يميزها عن الحضارات الأخرى .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969