باسم محمد حبيب
خطاب ما بعد الحداثة يبدو لنا وكأنه خطاب معرفي لكنه في حقيقة الأمر
خطاب ايديلوجي ، فهو ليس موجهاً لتحطيم المركزية الغربية كما يطرح البعض بل لفك ارتباط
الغرب بالحضارات الأخرى ، وإنشاء حضارات منغلقة على ذاتها يعيش
كل منها في عالمه الخاص ومجاله الحيوي ، لا تأثير ولا تأثر ، فلو عاينا مقدار الفائدة
أو الضرر الذي يمكن ان تحوزه هذه الحضارات من هذه الأيديلوجيا ، لوجدنا ان الضرر
الذي يصيب الغرب منها ليس بقدر ما يصيب الحضارات الأخرى بحكم حاجتها إلى إستلهام
قيم الغرب أو مساره في التطور ، فبإمكان الغرب
الإحتفاظ بتفوقه الحضاري والإبداعي حتى مع أنعزاله عن الحضارات الأخرى ، لكن ليس
بإمكان الحضارات الأخرى ان تنشد التطور من دون ان تستفيد من خبرات الغرب وما لديه
من تراكم معرفي كبير .
ومن ثم من المحتمل ان يكون من دوافع ظهور هذا الفكر ( أي فكر ما بعد
الحداثة ) الخشية من المخاطر التي يمكن ان تجلبها الحداثة للمشروع الغربي ، انطلاقا
من الاعتقاد بأن الحداثة وأن كرست المركزية الغربية و ساعدت على تمكين الغرب من
الوصول إلى المواد الأولية التي تتطلبها صناعته ، فضلا عن إيجاد الأسواق التي يمكن
تصريف المنتجات الغربية فيها ، إلا أنها في الوقت نفسه فتحت أبواب الغرب على كثير
من المخاطر ، منها خطر ذوبان الأعراق الغربية في الأعراق الأخرى ، وما يترتب على
ذلك من اختفاء الخصائص التي تجعل من هذه الأعراق مبدعة ومتفوقة ، فضلا عن الخشية
من فقدان الهيمنة الغربية بعد أن تأخذ الحضارات
بأسباب التطور التي يتيحها الأتصال بالغرب ، أما الأستراتيجية التي رأى هذا التيار
انها تمكنه من ابعاد هذه المخاطر ، فترتكز على أمرين : ( الأول ) إثارة خوف الغرب
من زيادة الإتصال بالحضارات الأخرى ، ودفعه إلى تقنين هذا الأتصال حفاظا على
التفوق الغربي والهيمنة الغربية ، و ( الثاني ) محاولة استنهاض همم الحضارات
الأخرى وبعث الروح في قيمها الحضارية ، لكي تستشعر ذاتها وتعتد بمنجزاتها ، فتعود
المناجزة الحضارية التي فقدها العالم منذ أمد بعيد ، وبالذات منذ ان هيمنت حضارة الغرب
المتفوقة على العالم .
أما الأساس في استراتيجية ما بعد الحداثة فهو نقد العقل الغربي
وبالذات نقد تعاطيه مع الآخر المختلف ، فإذا كان الآخر في نظر الحداثة هو مثيل أو امتداد
، فإنه في نظر ما بعد الحداثة ليس كذلك بل الغير والذي يختلف عنك في نواحي كثيرة
حضارية ونفسية وعقلية ، وهذا ما ينسحب على رؤية ما بعد الحداثة للفوارق بين الحضارات
فهي في نظرها فوارق صميمية لا يمكن تجاوزها بسهولة ، على الضد من الحداثة التي
تجدها فوارق شكلية يمكنها ان تختفي فيما إذا أخذت الشعوب المتخلفة بأسباب التطور
الحضاري مثل الشعوب المتقدمة ، وإنطلاقا من ذلك ليس بالمستبعد ان يكون وراء هذه
النظرة رؤية عنصرية ، هذه المرة بملمح حضاري بعد ان استغنى الغرب عن العنصرية
بأشكالها الأخرى .
ومن ثم ترى ما بعد الحداثة ان من غير المجدي نقد المنتجات الفكرية
لمجتمع معين بمقارنتها بمنتجات مجتمع آخر ، إنما لابد من اعتماد استراتيجية
التشريح والتقويض من الداخل ، أي بإعتماد الأدوات اللغوية والسيسولوجية .. ، وعلى الرغم
من ان هذا النقد يمكن ان يكون أكثر تأثيرا من النقد الآخر ، إلا أن ما يؤسسه هو
التمحور في إطار ثقافي ضيق ، إطار لا يمكنه ان يعبر من تخوم الثقافة المؤسسة إلى
آفاق معرفية رحبة ، لأنه سيبقى أسير الدوران في لعبة تفكيك نصوص الثقافة بحثا عن
النص المثالي الذي لا يمكن بلوغه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق