د.باسم محمد حبيب
يعتز اليابانيون كثيرا بكتاب كوجيكي (Kojiki ) أي وقائع الأشياء القديمة الذي يعد الكتاب
المقدس للديانة الشنتوية اليابانية ، كونه يحوي كثيرا
من المعلومات عن تأريخ
اليابان المبكر ، وأبرز الأساطير التي أنتجتها العقلية اليابانية عبر العصور ،
فضلا عن ما يحمله من معلومات عن الواقعين الإجتماعي والسياسي .
دون هذا الكتاب بحسب أرجح الآراء في المدة الممتدة من عام 250 إلى 800
م ، وهي المدة التي شهدت ظهور النظام الإمبراطوري في اليابان بعد توحيد الإمارات
التي كانت تحكم الجزر اليابانية آنذاك والتي شكلت أساس الإمبراطورية التي تكونت
بعد ذلك .
وقد مثلت ( أسرة نارا ) باكورة الإتجاه الذي نحى نحو توحيد البلاد ، ما أدى إلى خلق بيئة داعمة لنمو الحضارة
اليابانية التي أخذت تنحو نحو الإستقلال عن الهيمنة الثقافية الصينية ، و يعزو بعضهم
تدوين كتاب الكوجيكي لرغبة هذه الأسرة في تدعيم هيمنتها وضمان سلطتها على البلاد ،
إذ كانت بحاجة للكثير من الجهود حتى ترسخ حكمها وتضمن سلطتها في مختلف الأقاليم ، ومن
ذلك وضع أساس ديني يؤمن لها الغطاء الشرعي لحكم البلاد ، أما الوسيلة التي أختارتها
لذلك ؟ فتمثلت بتكليف مجموعة من المتعلمين والمثقفين بجمع الأساطير والأناشيد
والأغاني والأشعار والقصص والحكم والأمثال التي يتداولها رجال الدين والمنشدين
الجوالين والشعراء والقصاصيين والحكماء ثم ربطها مع بعض في كتاب واحد ، إذ دون
أنذاك باللغة الصينية القديمة التي كانت تعد اللغة الثقافية في اليابان القديمة .
الآلهة في أساطير الكوجيكي
تقسم اساطير الكوجيكي الآلهة إلى نوعين رئيسيين وأنواع فرعية :
أولا : الآلهة العازبة ( التي ليس لها ازواج ) وهذه بدورها تقسم إلى :
1- الآلهة السماويون وهي
آلهة عازبة ومحجوبة عن الأنظار وتشمل :
أ. الإله المولى – مركز
السماء – المهيب
ب. إله – الإنتاج الأعلى –
المهيب
ت. إله – الولادات – الإلهية
ث. الإله – الأمير الرضي –
زمعة البوص
ج. الإله – المقيم ابدا –
في السماء
2- الآلهة الأرضيون وهي
عازبة ومحجوبة عن الأنظار وتشمل :
أ. الإله – المقيم ابدا
– في الأرض
ب. الإله – حقل الغيوم –
الوافرة
ثانيا : الآلهة الأزواج
1- آلهة الرعيل الأول (
الآباء ) وتشمل :
أ- إله الطين وزوجته
إلهة السيف
ب- إله الوتد الصلب وزوجته إلهة الوتد الهائج
ت- إله الكبير وزوجته انثى الهيكل الكبير
ث- إله الهيأة الناضجة وزوجته إله الكمال الممشوق
ج- الإله إيزاناكي – نو
كامي وزوجته إيزانامي – نو كامي ومعنى أسميهما اللذان يتبادلان الغواية بينهما
2- آلهة الرعيل الثاني ( الأبناء
) وتشمل :
أ. إلهان هامشيان هما :
هيركو ( علقة ) و أوا ( هزيل )
ب. ألهة الجزر اليابانية
ت. آلهة الأقاليم والتضاريس
والمناخ
ث. آلهة التطهرات
ج. الآلهة النبلاء
أن تفسير هذه المجموعات من الآلهة أن المخيال الياباني الأسطوري تدرج
في توصيف العالم من السماء إلى الأرض إلى الجزر اليابانية إلى الأقاليم اليابانية
ثم إلى العائلة الأمبراطورية .
الخلق في أساطير الكوجيكي
تناولت أساطير الكوجيكي عدة أاشكال من الخلق اهمها :
1- الأنبثاق من العدم
وقد حصل هذا في بداية الكون عندما انبثقت آلهة السماء والأرض بشكل
تلقائي
2- الولادة
جرى أنجاب الآلهة بأتحاد الإلهين إيزاناكي وإيزاناكي ، فهذين الإلهين كانا
بمثابة آدم وحواء في الديانات المشرقية التوحيدية ، وكما أفترق آدم وحواء أفترق
هذان الإلهان أيضا ، ولكنهما لم يجتمعا معا كما هو الحال مع آدم وحواء ، أما الخلاف
بين ( سسانو ) وأخته ( أماتيراس ) فهو يشبه الخلاف بين ابني آدم قابيل وهابيل .
3- من تطهر إيزاناكي
بعد إنجابها لعدد كبير من الآلهة توفيت إيزانامي على أثر أنجابها لإله
النار الذي أحرق جسدها ، ما دفع ايزاناكي
إلى قتله ، وبعد موتها وذهابها إلى عالم الأموات ، أشتاق لها زوجها ، لذا سافر
لإستعادتها ، وقد وافق آلهة العالم الأسفل على إعادتها إليه بشرط أن لا يلتفت
لرؤيتها وهو في العالم الأسفل ، ولكنه لم ينفذ هذا الشرط ، فقد دفعه الفضول للنظر
إليها قبل أن يصل إلى عالم الأحياء ، وعندما نظر إليها هاله منظرها البشع ، فأسلم
ساقيه للريح هربا منها ، وهو ما أثار غضبها ، فقررت القبض عليه ومعاقبته ، فأرسلت
إليه قوى شيطانية لم تتمكن منه ، ثم طاردته بنفسها إلا أنه تمكن من عبور العالم
الأسفل والوصول إلى عالم الأحياء ، ثم سد الثغرة التي تفصل ما بين العالمين بصخرة
كبيرة ، عندها حصل الأنفصال النهائي بين العالمين ، وعند عودته قام إيزاناكي
بالتطهر ليتخلص من آثار العالم الأسفل ، وأثاء تطهره أنجب عدد من الآلهة .
4- من خلاف ( أماتيراس ) و (
سسانو )
جرى إنجاب عدد من الآلهة من خلال نفخ كل من ( أماتيراس ) لقطع سيف (
سسانو ) بعد مضغها و ( سسانو ) لقطع حلي ( أماتيراس ) بعد مضغها من قبله .
5- من مخلفات الآلهة أميرة
القوت
بعد نزول ( سسانو ) إلى الأرض طلب طعاما من الآلهة ( أميرة القوت ) ، فقامت
بأخراج الطعام من جسدها له ، لكنه أعتبر عملها سخرية منه فأقدم على قتلها ، لكنه
أدرك بعد ذلك إنها لم تكن تسخر منه بل أرادت مساعدته ، فندم على ذلك ولكن بعد فوات
الآوان ، ومن مخلفات جسدها خلقت بعض الكائنات الحية .
الظواهر الفلكية والجغرافية في أساطير الكوجيكي
من خلال دراسة أساطير الكوجيكي نلاحظ نوعين من السماء : السماء
بعمومها وقد مثلها الآلهة العازبون ، وآلهة السماء التي تقابل أرض اليابان وأبرزها
( الشمس / أماتيراس ) و( جلالة حاسب الأقمار ) ، وهنا نلاحظ أن اليابانيين عدوا
الشمس أنثى والقمر ذكرا ، ولكن الأساطير اليابانية أهملت إله القمر وركزت على إلهة
الشمس ، وهو ما يطرح تساؤلا حول سبب التركيز على الشمس دون القمر ؟ قد يكون الجواب
لأن الشمس ترمز للنهار وقت العمل ووقت الأمان حيث تختفي منها القوى الشريرة ، وهي
جرم محبوب من المزارعين الذين يحتاجون إليها في تحديد مواقيت الزراعة ، ثم أن
الشمس اليابانية لا تمتاز بحرارة عالية وذلك بسبب موقع اليابان الجغرافي و تأثير
البحار عليه ، أما لماذا أهمل دور القمر مع أنه يشارك الشمس في سيطرته الظاهرية
على السماء ؟ فهذا قد يكون نابعا من عدم وجود ضرورة لذكره ، كون كتاب الكوجيكي ليس
كتاب أساطير بقدر ما هو كتاب سياسي هدفه خدمة النظام الإمبراطوري الياباني ، لذلك
ربما أهملت الكثير من الأساطير الخاصة بالقمر والتي كانت متداولة أثناء تدوين
الكوجيكي .
كذلك ورد في أساطير الكوجيكي ذكر مغارة أختفت بها الآلهة ( أماتيراس )
غضبا من أخيها ( سسانو ) ، وهذه المغارة هي جزء من جبل سماوي ، كذلك ورد ذكر نهر
كان يجلس قربه عجوزان عند نفي سسانو إلى الأرض من قبل إخته أماتيراس ، وبلقاء
هؤلاء تمكن سسانو من بناء عائلة بعد أن تزوج من أبنتهما بعد أن قتل البواء الذي
كان يهددها .
الثنائيات الكونية في أساطير الكوجيكي
هناك الكثير من الثنائيات في الأساطير اليابانية منها :
1- ثنائية السماء / الأرض
وآلهة السماء وآلهة الأرض
2- ثنائية الآلهة الأزواج أي
الإله زوجه
3- ثنائية الشمس / أماتيراس
– سسانو وهي ثنائية يرمز لها البعض بالخير
/ الشر أو الهدوء والوداعة / المشاكسة والعنف
4- ثنائية سسانو / البواء
وهو الصراع بين سسانو المنفي من عالم السماء إلى عالم الأرض والبواء وهو وحش خرافي
له ثمان رؤوس وقيامه بقتل البواء ربما للتكفير عن ذنبه ضد الآلهة
جدلية الدين والدولة في كتاب الكوجيكي
هل كتاب (الكوجيكي) كتاب ديني أم هو كتاب سياسي أم الاثنين معا ؟
للإجابة على ذالك لابد أن نناقش أمور عدة منها : تأليف الكتاب في المدة التي تلت توحيد اليابان و نشوء نظامها
السياسي الإمبراطوري ، و إغفال الكتاب لجرم القمر وتركيزه على جرم الشمس ، و إهتمامه بـوضع مخطط للخلق يبدأ من
خلق السماء الأولى ثم خلق السماء اليابانية ثم الجزر والجبال والسهول وصولا إلى تشكيل
النظام الإمبراطوري الياباني ، فهذه الأمور تعرض لنا أن هذا الكتاب ليس مجرد كتاب
ديني أو سياسي بل كتاب يجمع ما بين الدين والسياسة ، إذ أن الهدف من تدوينه هو تدعيم أسس الملكية اليابانية وحمايتها من الفناء ، وذلك بإسباغ قدر من
القدسية على العائلة الامبراطوريه لتكون بمنئى من التطاول ، وهذا ما يبدو أن
الكتاب قد نجح في تحقيقه ، فعلى مدى (2000) سنة وهو تأريخ الملكية اليابانية ، لم
يحصل إنقطاع حقيقي في السلسلة الإمبراطورية ، حتى في ذروة سيطرة العسكر على البلاد في
القرون الأربعة الأخيرة قبل منتصف القرن التاسع عشر ، الأمر الذي يؤكد هيبة العرش
الإمبراطوري وإرتباطه بإرث قدسي طويل .
الحكايات ذات الطابع التربوي في كتاب الكوجيكي
معظم حكايات الكوجيكي ذات طابع تربوي ، ومن ثم يمكن الإستفادة منها في
الجوانب التربوية : فبكاء سسانو بعد تقسيم
الأب إيزاناكي لأرث الأم المتوفاة ، دليل على أن المال ليس كل شيء في هذا العالم ،
بل ان الإنسان يحتاج إلى ما هو أسمى من ذلك ، إلى الحنان والعاطفة ، وقد بين سسانو
لأبيه أنه يرغب بزيارة أمه ، وهو تأكيد على ما للأم من مكانة في نفوس الأبناء .
كما أبرزت الأسطورة غضب الأب من بكاء سسانو ومعاقبته بالنفي ، فالأب
لا يريد للأبن أن يكون ضعيفا ، بل يريده أن يكون قويا قادرا على أن يعيش حياته بعز
وكرامة .
كما أبرزت الأسطورة ما بين الأخوة من تنافس ، كما هو الحال بين
أماتيراس وسسانو ، كما أبرزت غيرة أماتيراس التي أحتجبت في إحدى المغارات غضبا على
أخيها سسانو ، ما أدى إلى أن يعم الظلام العالم
، وهو ما دفع الآلهة إلى تدبير خطة لإخراجها من المغارة ، وذلك بإقامة حفلة
قرب المغارة ، تخللتها قيام أحدى الإلهات بالرقص وبطريقة أثارت ضجة الآلهة ، ما
أثار إستغراب أماتيراس التي سألتهم عن سبب ضحكهم وهم في ظلام دامس ، فأبلغوها
بأنهم وجدوا إلهة تبزها جمالا ستحل محلها ، فشعت الغيرة في نفسها ، وفتحت باب
المغارة لرؤية الإلهة البديلة ، وهنا وضع الآلهة مرآة لترى نفسها فتتوهم أنها فتاة
أخرى ، كما رموا حبلا خلفها لكي يمنعوها من الأختفاء مجددا ، وهكذا عادت أماتيراس
إلى عالمها .
وأبرزت أسطورة قتل سسانو لإلهة القوت ، أن العجلة تجلب الندامة ، فقد أعتقد
سسانو إن إلهة القوت تسعى لإيذاءه أو أنها
تسخر منه بعد أن أخرجت الطعام من جسدها ، فأقدم على قتلها جاهلا بأنها تسعى
لمساعدته ، كما أبرزت الأساطير قيمة الشجاعة بأزاء الشر عندما تصدى سسانو للبواء
وخلص العالم من شره .
أما أسطورة ( اوكني – نشي ) حفيد سسانو ، فحملت ايضا قيمة تربوية لأن
لأنها أبرزت ضرورة إلتماس النصيحة عند كبار السن ، وهو ما حصل بسفر أوكني إلى جده
سسانو طلبا للنصيحة ، وأيضا أبرزت أن مآل الأبنة لزوجها لا لوالديها ، لذا على
الأباء التسليم بذلك لإنه سنة الحياة ، إذ يتضح ذلك عندما أقدمت أبنة سسانو على
الهرب مع الشاب ، وتحرزا من ممانعة الأب ساعدت عشيقها على توثيقه ، ولم يستطع
سسانو اللحاق بهما بعد أن انشغل بفك وثاقه ، لكنه أسمعهم كلماته من بعيد ، مقدما
لهم النصح و متمنيا لهم حياة سعيدة .
الأهمية التأريخية والدينية لكتاب الكوجيكي
لكتاب الكوجيكي أهمية كبيرة سواء من الناحية التأريخية أو الدينية ،
إذ تكمن أهميته في :
1- إنه يشكل المصدر الرئيس
للأساطير اليابانية القديمة ، فبدونه ربما ضاعت وإلى الأبد هذه الأساطير التي تعد
اليوم من المفاخر التي يعتز بها اليابانيون .
2- إنه يعد أول كتاب يتناول
تأريخ اليابان لا سيما القرون التي تشكلت فيها اليابان سياسيا وإجتماعيا ، فبدونه
ربما ضاعت علينا الكثير من المعلومات عن العهود المبكرة من تأريخ اليابان .
3- قدم لنا الكتاب لمحة عن
الديانة اليابانية والعوامل التي ساعدت على تبلورها بالشكل الذي أصبحت عليه فيما
بعد .
4- يساعد الكتاب على فك
شفرات الشخصية اليابانية لأن الأساطير التي يضمها الكتاب ناهيك عن الحكم والأقوال
والنصائح تشكل مصدرا مهما لفهم الشخصية اليابانية .
5- يساعد الكتاب على تقديم
فهم واسع للبنيان الأجتماعي للبلاد لأن الكثير من الأساطير هي عبارة عن إيحاءات
رمزية لقضايا اجتماعية أو أحداث سياسية أو تطورات إقتصادية أو نزعات دينية وغيرها
.
المصادر
1- الكوجيكي "وقائع
الأشياء القديمة " الكتاب الياباني المقدس ، ترجمة : محمد عظيمة ، ط1 ، بيروت
، 1999 .
2- الموقع الألكتروني : ar.wikipedia.org/wiki/كوجيكي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق