باسم محمد حبيب
مثلما هناك ارهاصات للتأمل الفكري والتنظير الفلسفي ، هناك ايضا مقدمات او ارهاصات للوعي المنطقي ، ولعل التراث الغزير للحضارات القديمة خير شاهد على هذا النضوج الذي حققه الانسان ببلوغه مرحلة التفكير المنطقي ،ومن ثم لا يعد ( ارسطو ) مبتدعا للمنطق بل ممنهجا له ، كما لا يعد اسلوبه المنطقي حالة عرضية في الفكر انما هو جزء اصيل من مسيرة عقلية كان لابد للعقل البشري من ركبوها قبل ان يصل الى ما وصل اليه.
مثلما هناك ارهاصات للتأمل الفكري والتنظير الفلسفي ، هناك ايضا مقدمات او ارهاصات للوعي المنطقي ، ولعل التراث الغزير للحضارات القديمة خير شاهد على هذا النضوج الذي حققه الانسان ببلوغه مرحلة التفكير المنطقي ،ومن ثم لا يعد ( ارسطو ) مبتدعا للمنطق بل ممنهجا له ، كما لا يعد اسلوبه المنطقي حالة عرضية في الفكر انما هو جزء اصيل من مسيرة عقلية كان لابد للعقل البشري من ركبوها قبل ان يصل الى ما وصل اليه.
لكن رأياً كهذا قد لايوافق ما ذهب اليه البعض وبالذات المفكر المعاصر (برتلاند رسل) حينما اوضح” ان المنطق الارسطوي كان مسؤولا عن الميتافيزيقيا-الرديئة “ وهو بذلك يعتقد بأن العقل البشري قد اختار طريقاً سيئا كان بالامكان تلافيه بقليل من الفطنة والذكاء او ربما هو يعتقد بأن المسيرة الخاطئة للحضارة الانسانية قد انتجت مثل هذا الاشكال المعرفي متجاهلا ان الحضارة الانسانية لم تكن نتاجا لحضارة واحدة او تتويجا لثقافة معينة انما هي جزء من سجال حضاري عميق وطويل امتد الاف السنين كذلك لابد ان نعي حقيقة اساسية وهي ان الفكر الانساني السابق لمنطق ارسطو كان هو بالذات ذا اتجاه ارسطوي وان الفكر الذي اعقب ذلك لم يكن كذلك لاسيما بعد ان بلغنا عتبة الفلاسفة الكبار عقب عصر النهضة ولعل ماطرحه (ديكارت) من رأي بخصوص امتحان المعرفة الموروثة يعد بلا شك بداية ليس لمنهج الشك بالمعرفة وحسب انما والشك بالمنطق الذي نعتمده في فهمها وادراكها ايضا مع انه في الواقع قد اعتمد على نفس المنطق في شكه لما توصل له الذهن البشري لكن شكه هذا يخفي شكا اعمق من ذلك بكثير او هو على الاقل يفتح الباب لذلك واذا كان تأثير نظرية الشك لديكارت لم يكن بارزا في مجال مهم كمجال المنطق فانها بلاشك قد اثرت او اثرت (بفتح وسكون الثاء على التوالي) في المسار التجريبي الذي اخذ ينقص كل شيء لاتؤكده التجربة حيث ابان (جون لوك) عن عقم منهج الفلسفة السائد وركاكته استنتاجاتها وبالتالي فقد ابرز بان العديد من المشاكل الفلسفية ليست في الواقع سوى مشاكل زائفة مصدرها المنطق ذاته وبالتالي نحن نهدر وقتا طويلا وجهودا مكثفة لاجل حلها مع انها بحسب رأيه لاتخدمنا في شيء ومع اننا لانتفق معه في هذه النقطة بالذات استنادا لما نريد توضيحه في هذا البحث الا اننا ندرك اهمية اكتشاف لوك ليس لانه صحح لنا مسار المعرفة وحسب انما ولانه ادلنا على وجهة فلسفية جديدة وبالتالي لم يكن مسار المعرفة الذي انتج المنطق التالي هو نفسه المسار الذي انتج المنطق الارسطوي والا لما شهدنا تغييرا في المنطق اصلا لكن مع ذلك لم يات التغيير عرضيا او امراً غير متوقع على اساس ان منطق ارسطو كان مضللا او مانعا لاي ابداع او تنظير منطقي جديد ولعل خير دليل على ذلك ان التطورات التي شهدتها الفلسفة قد سارت على هدي المنطق السابق وتسببت في ظهور المنطق الجديد وليس العكس وبالتالي جاء المنطق الجديد استجابة لتلك التطورات التي مثلت انعطافة مهمة في مسار المعرفة والتي يمكن عدها ايضا تتويجاً لتراكم معرفي ناهيك عن تطور الية العقل ذاته ومع ان الفلسفة قد واجهت طرحا يدعو الى تأمل الفلسفة قبل الوثوق بها الا ان تلك الوقفة التي طرحها (كانت) ابرزت امرا اكثر اهمية وهو ان هناك تأثيرا متبادلا بين العقل كألية والمعرفة كمنتوج عقلي اذ بينما العقل يقوم باكتشاف او استنباط المعرفة يتطور هو ايضا نتيجة لذلك ويغدو اكثر صلاحية من ذي قبل ومع ان (كانت) لم يبين ما يمكن ان يسفر عنه ذلك في المدى البعيد الا انه وضعنا امام مسألة غاية في الاهمية وهي اننا قادرون على فهم ما يمكن فهمه وسواء طرح مفاهيم لايمكن للعقل فهمها ام لا فأن ما نتوخاه في جهودنا المعرفية هو ادراك حدود فهمنا سواء امنا بأن هناك حدوداً لا لأن بحثنا عن الحدود هو بحثنا عن المعرفة وليس العكس لذا جاءت طروحات (هيغل) متناسبة مع هذا الادراك لانه وان غير في مسار الفلسفة الا انه اعترف باهميتها لفلسفته قائلا” ان الفلسفة الاحدث زمانيا هي نتاج الفلسفات السابقة جميعا ولذا فهي يجب ان تحتويها بضمنها جميعا “ لقد استفاد (هيغل) من السجال بين العقلانيين والتجريبيين ومن فشل تسوية ( كانت ) لذلك السجال يبرز طرحا مختلفا اساسه الجدل الذي مثل مفتاحا لمنطق عقلي جديد لأن مفهوم الجدل الذي طرحه (هيغل) مبني على اساس النسبية فالنفي والتطابق ليسا مطلقين انما نسبيان يخضعان لسطوة الحركة الدائبة اي ليس بالامكان تصور الشيء على اساس انه امر نهائي انما هو في الواقع شكل يتغير تبعا للزمان المكان وهذا ما يجعلنا نعجز عن ادراك ما هيته اللهم الا اذا اردنا ان ندركها بشكل نسبي محض ان اهم نجاح حققته الفلسفة هو تخلصها من الرؤية القديمة التي نرى بان اللغة البشرية مكيفة لتناول الفلسفة والتطابق معها وبالتالي فان الوصف اللغوي للاشياء هو وصف يتطابق مع حقيقتها فعلا وان اية مناقشة لموضوع ما يضعنا امام مناقشة حية له اما الان وبعد ان تخطت الفلسفة مرحلة الحبو اصبح الامر اكثر وضوحا وبدلا من ان يناقش الفيلسوف امورا ضرورية يضعه التصور الخاطئ امام امورا ليست لها علاقة بالمعرفة الصحيحة مثال ذلك عندما تقول (الورقة بيضاء) كنا نعتقد اننا نتكلم عن شيء ثابت هو الورقة التي من خواصها البياض فيما اننا وفق الرؤية الجديدة نتكلم عن خواص لاغير وبالتالي سيكون ما وصفناه بالورقة مجرد مجموعة من خواص معينة كالحجم واللون والشكل ..الخ لان طبيعة الشيء كما يقول هيغل تعادل مجموع كل ظاهرة وليست بنية قائمة خلفها او منفصلة عنها او مضادة لها.
لكن الا يعني هذا اننا امام مشمولات متتابعة قد لا تؤول الى حد معين وهذا الامر قد يجعلنا في متاهة كبيرة لاسيما ونحن نواجه نفيا ليس لثبات الشيء وحسب انما لهويته ايضا وبالنتيجة سنكون امام رؤية تتجاوز مفهوم الشيء الى اللاشيء وفي هذه الحالة لا يمكن للمنطق القديم تناول ما لا يعد شيئا الهم الا اذا اردنا ان نعوم في متاهة اخرى لكن وايتهيد وقف ليطرح رؤية مفهوم الشيء لتستعيض عنه كمفهوم الحدث معتبرا ان العالم ما هو في الواقع الا سلسلة من احداث متصلة او متعاقبة عمر الكون هو حدث مثلما هو كذلك عمر الفرد او الذرة البسيطة وبالتالي ليست الاشياء قطعا من المادة انما مجرد احداث وحسب لكن اذا كان الامر كذلك كيف اذن نتوصل الى المعرفة؟ لاشك ان الجواب لن يكون سلبيا اذا تم الامر بطريقة اخرى اي باعتماد منطق يأخذ بالاعتبار سرابية الاشياء وبنيوية المفاهيم كالنقطة مثلا اذ بينما يعدها المنطق القديم تمثيلا لحد ما لا يمكن عدها كذلك في المنطق الجديد انها الطقم الكامل للاحجام او سلسلة من احجام نعتقد انها متناهية الى حد او نقطة لذا حاول بعض المفكرين لاسيما وبشكل خاص (برتراند رسل) وضع اساليب جديدة يمكن ان تكون اكثر ملاءمة لفهم الاشياء مستنبطا مفهوم الدالة الذي عد بمثابة فتح رياضي جديد معتبرا ان لكل قضية في الواقع دالة تقابلها حيث تختلف الدالة عن القضية اختلاف اللبنة عن قالبها وبالتالي يمكننا تلافي التناقض او الغموض عند تناولها لمعرفة ما من خلال مقايسة القضية الدالة لفحص صحتها وعلى هذا الاساس يمكن عد القوانين العلمية بمثابة دوال وانه يمكن حل مسالة الاستقراء من خلال صياغة موضوعات معينة من دالات موضوعية وفحص صحتها لاسيما وان افضل طريقة لفحص صحة الدالة الموضوعية هو تحويلها الى قضية ليكون لها فحوى ما وبالنتيجة فان الدالة التي لايمكن التعبير عنها بقضية من القضايا ليست بدالة لكن مثل هذا الامر قد يضعنا امام نتيجة مفادها ان اية محاولة لاستنتاج الحقائق من المبادئ المنطقية الصرف ومنها مفهوم الدالة قد لايكون في النهاية سوى عملية تكرارية اي كمن يحاول ان يحلل الشيء ليجده في النهاية الشيء ذاته ولعل السبب في ذلك نابع من قصور اللغة عن مجاراة المعاني الواقعية ولهذا السبب طرح فتكشتاين رؤيته حول هذا الموضوع مبينا ان ما يمكن اثباته بالطرق المنطقية الصرف لا يمكن ان يفيدنا باي شيء وبالتالي هو يرى ان علينا ان نختبر اساليب التعبير المختلفة لنرى هل تعطينا المعنى ذاته.
لكن بتقديرنا ليس هذا هو الحد النهائي لمسيرة المنطق لان بلوغ المعنى الحقيقي بهذه الطريقة تكتنفه الكثير من الصعوبات لان اعتماد اسلوب الاختيار هو في الواقع اسلوب ممل لذا سنبقى دائما نبحث عما هو اسهل او اكثر ايضاحا في فهم الحقائق لانه ليس بامكاننا التوقف عن حزر المعنى او البحث عن افضل طريقة لحزره.
ان محاولاتنا دائبة البحث عن سبيل منطقي لادراك الحقائق باكبر قدر من الدقة وهو في الواقع شيء مشروع ومفيد لمسيرة العلم لان هذا البحث قد اثبت لنا وبما لايقبل الشك خطأ الميتافيزقيا وصدق العلم وبالتالي ليس هناك مناص من نبذ كل منطق لايتوافق مع هذه الحقيقة لان كثيراً من المنطق لانقول جميعه كما قال(جويت) ليس علما او فنا بل مراوغة وبالتالي يجب علينا اعتماد سكينة (اوكام) في قطع كل منطق لا يؤمن بارجحية العلم المطلقة اي اننا ومن الان وصاعدا سنكون خاضعين لسلطة العلم الذي سيوفر لنا ولا شك السبيل الافضل لفهم الحقائق الامر الذي يجعل معرفتنا تزداد كلما تطور العلم.
لكن بتقديرنا ليس هذا هو الحد النهائي لمسيرة المنطق لان بلوغ المعنى الحقيقي بهذه الطريقة تكتنفه الكثير من الصعوبات لان اعتماد اسلوب الاختيار هو في الواقع اسلوب ممل لذا سنبقى دائما نبحث عما هو اسهل او اكثر ايضاحا في فهم الحقائق لانه ليس بامكاننا التوقف عن حزر المعنى او البحث عن افضل طريقة لحزره.
ان محاولاتنا دائبة البحث عن سبيل منطقي لادراك الحقائق باكبر قدر من الدقة وهو في الواقع شيء مشروع ومفيد لمسيرة العلم لان هذا البحث قد اثبت لنا وبما لايقبل الشك خطأ الميتافيزقيا وصدق العلم وبالتالي ليس هناك مناص من نبذ كل منطق لايتوافق مع هذه الحقيقة لان كثيراً من المنطق لانقول جميعه كما قال(جويت) ليس علما او فنا بل مراوغة وبالتالي يجب علينا اعتماد سكينة (اوكام) في قطع كل منطق لا يؤمن بارجحية العلم المطلقة اي اننا ومن الان وصاعدا سنكون خاضعين لسلطة العلم الذي سيوفر لنا ولا شك السبيل الافضل لفهم الحقائق الامر الذي يجعل معرفتنا تزداد كلما تطور العلم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق