السبت، 22 يوليو، 2017

قبيلة قريش هل لها صلة بسكان العراق القدماء ؟

د. باسم محمد حبيب

من الأمور التي يتفق المؤرخون عليها ، أن  أفراد قبيلة قريش لم يكونوا في الأصل من قاطني مدينة مكة ، إنما قدموا إليها من مكان آخر ( حول بعض هذه الآراء ينظر : جواد علي ، تاريخ العرب في الإسلام ، ج2 ، بغداد ، 2004 ، ص 57 - 58 ) ، وذلك بعد أن أصبحت مدينة مكة ذات أهمية تجارية ، بعد إشتداد الحروب البيزنطية - الفارسية وتأثيرها على طريق التجارة المعروف بطريق الحرير ، إذ أن هناك أدلة كثيرة على ان المكان الذي جاءت منه هذه القبيلة هو بلاد الرافدين ، منها :
1-      أسم القبيلة ، إذ نجد أن أسم هذه القبيلة يختلف كثيرا عن أسماء القبائل العربية الأخرى التي ترتبط تسمياتها بالبيئة الصحراوية وما فيها من حيوانات ونباتات وغيرها ، كما هو الحال مع تسميات كلب وأسد وعبد قيس وتغلب وجديلة وغطفان وثقيف وغيرها ، أما تسمية قريش فمأخوذة على الأرجح من بيئة أخرى ، لأن من الصعب ربطها بحيوان القرش الذي يطرحه البعض كمصدر لتسميتها ، وذلك لأن أي قبيلة عربية لم تتسمى – على الأرجح - على أسم حيوان بحري ، ولم نجد في تراث العرب ما يمجد هذه الحيوانات أو يربطها ببيئته التي بقيت على الدوام بيئة برية صحراوية ، أما لفظة (تقرشت) بمعنى تجمعت التي قيل أنها سبب تسمية قريش (حول أصل لفظة قريش ينظر : جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ، ج1 ، ص 1854  ) ، فالمرجح أنها وضعت كتفسير لإطلاق هذه التسمية وليس كأصل حقيقي لها ، أي على غرار تسمية بابل التي قيل أنها مأخوذة من لفظة ( باب إيل ) ، أي باب الإله ، مع أن مصدرها في الحقيقة من جذر لغوي قديم ، أما المكان الذي يحتمل اقتباس الاسم منه ، فلعله بلاد الرافدين ، إذ أن هناك تسميات كثيرة يمكن ربطها بهذا الاسم ، مثل : تسمية ( كرسو ) التي تطلق على إحدى المدن الواقعة في نواحي لكش ، وتسمية ( كوسا ) أو ( كوثا ) التي تطلق على مدينة جنوبية أخرى ، فضلا عن أسم ( كاردونياش ) الذي شاع إطلاقه على بلاد الرافدين في المدة من منتصف الالف الثاني قبل الميلاد إلى منتصف الألف الأول قبل الميلاد  .
2-      شيوع التسمية بالكنى ، إذ تشيع في قبيلة قريش التسمية بالكنى كـ(أبو طالب ) و( أبو سفيان ) و ( أبو البختري ) و( أبو الحكم ) و ( أبو لهب ) .. الخ ، وهو أمر لا نجد مثيل له في القبائل العربية الأخرى التي تعتمد التسمية الشائعة ، أي فلان بن فلان ، ما يشير إلى أن مصدر ذلك خلفية اجتماعية مختلفة ، وليس هناك مكان تشيع فيه مثل هذه التسميات غير بلاد الرافدين ، ومن هذه الأسماء ( أبي – سين ) وهو آخر ملوك سلالة أور الثالثة ، و( أبي – أيشوخ ) أحد ملوك سلالة بابل الأولى   و ( أبي - رتاش ) أحد ملوك سلالة بابل الثالثة ( الكشية ) ، ومن الحكام المتأخرين ( أبو داكوس ) أحد ملوك ميسان في العصر الفرثي وغيرهم ، هذا فضلا عن صيغ الأسماء القرشية التي تدخل فيها أسماء الآلهة كـ(عبد العزى ) و ( عبد المطلب و ( عبد مناف ) ، إذ نجد ما يشابهها في بلاد الرافدين مثل ( ورد – سين ) و ( لبت عشتار ) و ( رتي مردوخ ) و ( نبو خذ نصر ) وغيرها ( حول أسماء ملوك بلاد الرافدين المشار إليهم أعلاه ينظر : طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، دار الوراق ، 2009 ، صفحات مختلفة ) .
3-      وجود شبه بين ديانة قريش وديانة بلاد الرافدين ، إذ يعبد القرشيون الإله ( هبل ) الذي يرجح صلته بالإله مردوخ الذي يطلق عليه ( بل ) ، أي السيد بالأكدية ، وإذا ما علمنا أن ( هـ ) تستخدم للتعريف كلفظة ( أل) في اللهجة العربية الشمالية ، فإننا نستنتج أن الإله الذي تعبده قريش هو نفسه ( بل ) ، أي مردوخ إله مدينة بابل في بلاد الرافدين ، ومما يدعم ذلك ما تشير إليه إحدى  الروايات من أن صنم هبل جاء به إلى مكة عمر بن لحي من مدينة ( هيت ) العراقية ( ابن هشام ، السيرة النبوية ، ج1 ، ص 79 ، هـ 3 ) ، علما أن رمز مردوخ هو تمثال رجل ملتح أي على غرار هبل ،  وأن قريش قد وضعت إلهها هبل فوق الآلهة الأخرى ، أي على غرار ما فعل البابليين مع إلههم مردوخ ، فضلا عن أن ديانة قريش ديانة مرنة يمكنها ضم أي إله إلى مجمع الآلهة الذي تؤمن به ( جواد علي ، تاريخ العرب في الإسلام ، ج2  ، ص 69 ) ، أي على غرار ديانة العراق القديم ،  وقد ربط البعض بين لفظة ( صبأ ) التي يشار بها لمن يخرج من دين قريش ( المصدر نفسه ، ص 230 ) وطائفة الصابئة العراقية ، ما يشير – بحسب هؤلاء - إلى معرفتهم أو صلتهم بها .
4-     التشابه في بعض الأوصاف والعادات والتقاليد ، فإستنادا إلى الروايات فإن الرسول أقرب إلى الطول منه إلى القصر وأنه يمتاز ببشرة أميل إلى البياض ، وهذا هو أيضا ما وصف به بعض أقرباء الرسول : كعميه أبو طالب والعباس فضلا عن أشخاص قرشيين آخرين كـ عمر بن الخطاب ومعاوية بن أبي سفيان وغيرهم ، إذ نجد أن هذه الأوصاف لا تتطابق مع ما وصف به سكان البادية من قصر القامة والبشرة السمراء ، ما يؤكد تباين الجذور العرقية لكل منهما ، فيما نجد أن هذه الأوصاف تكاد تتطابق مع ما وصف به النبط سكان العراق في عصر الفتوحات الإسلامية ، إذ وصفوا بالطول وبالبشرة السمراء المائلة للحمرة ، هذا فضلا عن التباين في نمط المعيشة وبعض العادات والتقاليد ، ومن أمثلة ذلك أن المهنة التي تمتهنها قريش وهي التجارة غير مستساغة من أفراد القبائل العربية فيما أنها مهنة مهمة و محترمة في العراق ، وهذا ما أكده بعض زعماء القبائل العربية عند لقائهم معاوية الذي عاتبهم على تنكرهم لقريش ، فأجابوه : " كم تكثر علينا بالأمرة وبقريش فما زالت العرب تأكل من قوائم سيوفها وقريش تجار " (أبو بكر بن العربي ، العواصم من القواصم ، ص 120  ) .
5-      كما يوجد تشابه بين طراز بناء الكعبة وطراز بناء معابد بلاد الرافدين التي يغلب على بعضها البناء المربع ( ماجد عبد الله الشمس ، الحضر العاصمة العربية ، بغداد ، 1988 ، ص 432 ) ، فضلا عن وجود الآبار بالقرب من المعابد ، الذي يمكن ربطه بوجود بئر زمزم قرب الكعبة ، فضلا عن تقديس الماء عند بلاد الرافدين الذي نجد ما يشابهه في تقديس القرشيين للماء وبالأخص ماء زمزم  .
6-      كما نجد شبها بين فكر بلاد الرافدين وما لدى القرشيين من فكر ، إذ نجد أن القرشيين مثل العراقيين القدماء لا يؤمنون بخلود الجسد ، أو بحياة ما بعد الموت ، كما تشير إلى ذلك الآية القرآنية : " وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم " ( يس 78 ) ، كما لا يؤمنون بالجزاء الأخروي ، أي بالحساب والعقاب ، بحسب ما تشير إلى ذلك الآية القرآنية : " إن هي حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثون " ( المؤمنون 37)  ، فيما أمنوا بسطوة الأرواح الشريرة وتأثيرها على حياتهم التي تشبه نظرة العراقيين القدماء إليها ، فضلا عن أنهم اعتمدوا نظرة واقعية لا مثالية للحياة على غرار نظرة بلاد الرافدين الواقعية .
7-      هذه الصلات يمكن دعمها بما ورد في النصوص الدينية والمأثورات التراثية ، من أن نسب قريش مرتبط بالنبي إبراهيم ، الذي تؤكد التوراة أصله العراقي ( تكوين : 11 / 31 - 33 ) ، وهذا ما أكده الأمام علي بن أبي طالب أيضا ، عندما أجاب من سأله عن أصله : ( أيها السائل عن أصلنا نحن من نبط كوثى ) أي من نبط العراق ( معجم البلدان ، ج4 ، ص 488 ) .
8-     لكن هناك تساؤل حول السبب الذي يدفع سكانا كانوا يعيشون في منطقة سهلية زراعية للسكن في منطقة صحراوية قاحلة ،  فهذا مما لا يتطابق مع الوقائع المألوفة أو يتقبله المنطق ، لكن الأدلة تشير إلى وجود مثل هذه الحالات رغم أنها من الندرة بحيث لا يمكن عدها أمرا شائعا أو مألوفا ، ومن هذه الأمثلة إحتلال  آخر ملوك سلالة بابل الحادية عشر ( الكلدانية ) المسمى ( نابونائيد ) لبعض المدن في منطقة الحجاز من بينها يثرب وتيماء ، وإتخاذ الأخيرة مقرا له لعشر سنوات ( حول ذلك ينظر : طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ص 609 - 611 ) ، ما يعني وجود أعداد كبيرة من المرافقين والجنود والموظفين مع عوائلهم ، إذ يرجح أن كثير من هؤلاء بقوا في هذه المناطق بعد سماعهم بغزو الفرس لبابل ، ومن ثم فقد أنحدر من هؤلاء كثير من الحجازيين لاسيما سكان المدن ، ومن الأمثلة الأخرى على مثل هذه الهجرات : هجرة أعداد كبيرة من يهود  فلسطين إلى يثرب في أعقاب الغزو الروماني للقدس ( حول ذلك ينظر : سامي سعيد الأحمد ، تاريخ فلسطين القديم ، بغداد ، 1979 ، ص 349 - 350 ) ، فضلا عن هجرات قامت بها أفراد أو عوائل صغيرة من أمثلتها هجرة سلمان الفارسي وصهيب الرومي وغيرهما .

هناك تعليقان (2):

Samira alaoui Griche يقول...

موضوعك جاء في الوقت المناسب جزاك الله خيرا

باسم محمد حبيب يقول...

شكرا جزيلا أختي الفاضلة سميرة

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969