الخميس، 8 يونيو، 2017

مكانة المعلم في العراق القديم


 د. باسم محمد حبيب

هناك أدلة كثيرة إلى ما كان يتمتع به المعلم في العراق القديم من منزلة ومكانة كبيرة منها : 
1- الألقاب التي يلقب بها ، إذ تشير النصوص المسمارية إلى أن العراقيون القدماء كانوا يطلقون على مدير المدرسة لقب ( أبو المدرسة ) ، وعلى الأستاذ لقب ( الأخ الأكبر ) ، وهي ألقاب تدل على ما للمعلم من مكانة ومنزلة كبيرة ، فيما يشار إلى المتعلم بلقب ( أبن المدرسة ) دلالة على صلته القوية بها و بالقائمين على التعليم ، وهي صلة لا تنتهي بإنتهاء دراسته فيها بل تستمر حتى بعد تخرجه منها ، كما يشير إلى ذلك اللقب الذي يلقب به وهو (أبن المدرسة في الأيام الماضية ) ( حول هذه الألقاب ينظر : صوموئيل كريمر ، السومريون : أحوالهم - عاداتهم - تقاليدهم ، ص 332 ) .
2- حالته المادية، فمعظم المعلمين - بحسب المصادر المتوافرة - من الطبقة الغنية ، ليس لإنحدار كثير منهم من عوائل غنية وحسب بل ولحصولهم على أجور عالية مقارنة بسواهم ، ففيما يخص إنحدارهم من عوائل غنية ، أشار عالم المسماريات ( نيقولاس شنايدر) إلى أن معظم المتعلمين وبالتالي المعلمين ينحدرون من عوائل غنية ، وذلك بعد أن أستقصى االخلفية الأجتماعية لـ(500) من المتعلمين ، إذ وجد أن آباءهم كانوا إما من الحكام أو الكهنة أو الضباط أو الموظفين الكبار كموظفي القصور و موظفي الضرائب والموكلين بالسجلات الحكومية والمشرفين ورؤساء العمال والمراقبين والمحاسبين وغيرهم (المصدر السابق ، ص 332 ) ، أما ما يتقاضوه من راتب ، فإن المصادر المتوافرة أشارت أن ما يتقاضاه المعلم من راتب ربما يفوق ما يتقاضاه بعض موظفي الدولة بما فيهم بعض العاملين في القصر ، فبحسب أحد المصادر أن نعجة واحدة هي مكافأة المعلم مقابل كل فرد يقوم بتعليمه ، فلو أشرف المعلم على تعليم 50 طالبا ، لكن مقدار ما يتقاضاه في موسم دراسي واحد ، هو 50 نعجة عدى ما يحصل عليه من هديا ومكافآت .
3- زيادة الطلب على الكتبة ، فما تتمتع به البلاد من إزدهار إقتصادي كان له الأثر في زيادة الطلب على الكتبة ، الذين أخذت الحاجة إليهم تزداد بمرور الزمن ، سواء أكان بفعل توسع المعاملات الاقتصادية أم بفعل إتساع المهام المرتبطة بالمعابد و القصور وإشتمالها على تخصصات كثيرة ومتنوعة ، ما أدى إلى زيادة أعداد المتعلمين ، حتى بلغت أعدادهم الألاف في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد (المصدر السابق ، 330 )، ما نتج عنه تطور المدارس وإنتشارها في كافة أنحاء البلاد ، فأصبحت هناك إضافة إلى مدارس القطاع الخاص مدارس ملحقة بالقصور وأخرى بالمعابد لغرض تخريج الموظفين المتخصصين بإدارة هاتين المؤسستين ، وبالتالي زيادة الطلب على المعلمين وإرتفاع مكانتهم ومنزلتهم . 
4- تفاخر الملوك والحكام بتعليمهم ، إذ أن تفاخر الملوك والحكام بتعليمهم هو أبلغ دلالة على ما للمعلم من مكانة ومنزلة عالية ، فهو يشير إلى أن الملوك والحكام يعدون تعليمهم ميزة يتميزون بها عن غيرهم ، ما يعني تبجيلهم للعلم والمعرفة وتقديرهم للمعلم ، إذ أشير إلى الملك ( شولكي ) ( 2096 - 2048 ق.م ) ثاني ملوك سلالة أور الثالثة بإنه كان يتقن الكتابة والأدب وأن الكثير من المدائح والتراتيل التي وضعت لتقديسه يرجح أنها من نظمه ( طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ص 422 ) ، وما يشير إلى ذلك أيضا نص يعود للملك الآشوري (آشور بانيبال ) ( 668 - 627 ق.م ) ، تضمن تفاخره بما لديه من معرفة ، وذلك بما نصه " درست كلمة نابو وأستوعبت فن الكتابة بكامله وكذلك معارف المتخصصين جميعهم " ( عامر سليمان ، العراق في التاريخ القديم ، موجز التاريخ الحضاري ، ص 267 ) .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969