الأربعاء، 7 يونيو، 2017

النبي يونس وأوديسيوس هل هما شخصية واحدة ؟



د. باسم محمد حبيب

 يتميز القرآن الكريم بكونه كتاب تعاليم وعبر ، إذ أن فيه أحداثا وقصصا كثيرة تخدم العقيدة التي يبشر بها ، وهي العقيدة التي أرادها أن تكون جامعة لما سبقها من ديانات ، لذا نجد فيه قصصا تنتمي لحضارات مختلفة ، منها : ملحمة الأوديسة اليونانية ، التي لا يمكن نكران شهرتها وذيوع صيتها حتى في ذلك الوقت ، لاسيما بالنسبة لمكة المعروفة بروابطها التجارية مع الشام الولاية البيزنطية آنذاك ، أما الموضع الذي ورد فيه ذكر هذه القصة ، فهو سورة الأنبياء ، الآيتين ( 87 - 88 ) ، وذلك بما نصه : " وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ " ، وعلى الرغم من أن القرآن الكريم لم يذكر أوديسيوس بطل الأوديسة بالأسم ، إلا أن سياق الآيتين يعرض أنه هو المشار له بذي النون ( النبي يونس ) ، وذلك للأسباب الآتية :
1- أن الإعتقاد بإن الإنسان يمكنه أن يتحدى الآلهة أو يسلم من غضبها غير موجود في الديانات الشرقية ، فهو- على الارجح - إعتقاد وافد من حضارات أخرى ، وليست هناك حضارة تعتقد بذلك آنذاك سوى الحضارة اليونانية التي ابرزت أبطالا تحدوا الآلهة كما في البطل ( هرقل ) ، لذا من المنطقي أن نعتقد بإن ذا النون أو النبي يونس من الشخصيات اليونانية التي أراد القرآن الكريم أن يعتمد قصته عبرة لمن يريد أن يتحدى الله أو يكون مغاضبا له .
2- أن إعتقاد ذا النون بإن الله لن يقدر عليه هو نظير لإعتقاد ( أوديسيوس ) بطل الأوديسة بإن الإله ( بوسيدون ) - إله البحر في الحضارة اليونانية - عاجز عن الإضرار به ، إذ ليس لدينا في الحضارات الشرق - أوسطية ما يشابه ذلك ، بإستثناء ملحمة جلجامش ، التي عرضت موقف جلجامش من الآلهة وتحديه لها ، وهو موقف لا نجد له نظير في قصص أخرى من الحضارة ذاتها ، ما يعني أما أنه لا أثر له في الإعتقادات السائدة آنذاك أو جرى طمسه بتأثير ما توالى من متغيرات على أصعدة عدة سياسية وأجتماعية ودينية ، لذا فإن أقرب شخصية يمكن ربطها بشخصية ذا النون هي شخصية أوديسوس بطل ملحمة الأوديسة اليونانية ، وهذا ما تؤكده أيضا تسمية ( يونان ) التي يشار بها إلى النبي يونس ، إذ يمكن أن تكون من الإشارات الدالة على أصوله وجذوره اليونانية .
3- أن كلا الشخصيتان أي ( ذا النون ) ( النبي يونس ) و أوديسيوس واجهتا مواقف صعبة ، ذا النون بغرقه بالبحر و إستقراره في بطن الحوت ، وأوديسيوس بضياعه في وسط البحر وتعرضه لمخاطر وتحديات عدة ، لم يكونا قادرين على مواجهتها بقدراتهما الخاصة التي كانت أعجز من أن تخلصهما مما واجهاه من مواقف ، فكانت هذه التجربة الصعبة دافعا إلى الإيمان بإن خلاصهما لا يمكن أن يتم إلا برضا الإله الذي يعبدان .
4- كلا الشخصيتان عبرتا عن أسفهما لما بدر منهما من مواقف تجاه ما يعبدان ، فأعلنا ندمهما منها ، ذا النون بإقراره بوحدانية الله وخطأ ظنه بما يمكن لله أن يفعل به ، و أوديسيوس بإعترافه بإن نجاته لا يمكن أن تتم إلا بإرادة إله البحر ( بوسيدون ) ، فكان هذا هو السبب الوحيد في خلاصهما مما هم فيه ، ما يعني إتفاق كل من القصة القرآنية والملحمة اليونانية على أن مصير الإنسان ليس محددا بيده بل بإرادة الإله الذي هو وحده من يستطيع أن يضمن للإنسان الحياة الرغيدة أو يعرضه للصعوبات و يوقعه في المخاطر ، وإن لا مناص للإنسان من الإخلاص للإله الذي يعبد إذا أراد أن يعيش بأمان وسعادة .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969