الجمعة، 16 يونيو، 2017

من هو ذي القرنين الوارد ذكره في القرآن الكريم ؟


د . باسم محمد حبيب
ورد في القرآن الكريم ذكر ذو القرنين كأحد الحكام المؤمنين والعادلين ، وذلك في الآيات ( 82 -98 ) من سورة الكهف ، وهي الآيات التي تضمنت إجابة للأسئلة التي طرحها جماعة من اليهود على الرسول محمد ( ص ) ، إذ أختلف الباحثون حول حقيقة هذه الشخصية ومن يمكن ان يتطابق معها من الشخصيات التاريخية ، إذ توزعت آراؤهم على شخصيات عدة أهمها :
1- الأسكندر المقدوني ، إذ جاء هذا الرأي إنطلاقا مما حققه هذا الملك من فتوحات شملت إضافة إلى اليونان معظم بلدان الشرق الأدنى القديم ، مؤسسا إمبراطورية واحدة عاصمتها بابل ( حول هذا الرأي ينظر : طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ص 655 ) .
2- كورش الأخميني ، وأول من طرح هذا الرأي : المؤرخ الإيراني (أبو الكلام آزاد) ، الذي فند أن يكون المقصود بذي القرنين ، الإسكندر المقدوني ، على أساس أنه لم يعرف عنه فتوحات في الغرب ، ولا أنه بنى سدودا كما ذكر القرآن الكريم ، كما استند إلى منطلقات عقدية من كون الإسكندر وثنيا وليس كما يبين القرآن أنه مؤمن. أما أصل تسمية (ذي القرنين) - بحسب نظرية آزاد - فمن (لوقرانائيم) وهو أسم ورد ذكره في التوراة أطلقه اليهود على كورش الذي رأوه مخلصهم بعد عقود من النفي على يد البابليين . وهذا ما يؤكده سفر (أشعياء ) الإصحاح الخامس والأربعين بما نصه : "هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذي أمسكت بيمينه لأدوس أمامه أمما وأحقاء ملوك أحل لأفتح أمامه المصراعين والأبواب لا تغلق. أنا أسير قدامك والهضاب أمهد أكسر مصراعي النحاس ومغاليق الحديد أقصف. وأعطيك ذخائر الظلمة وكنوز المخابي. لكي تعرف أني أنا الرب الذي يدعوك باسمك. لقبتك وأنت لست تعرفني" ، أما لقب ذو القرنين ، فجاء لأن هذا الملك ممن له تماثيل مقرنة ، ويدلل على رأيه بتمثال شهير له يمثله وعلى رأسه قرنان ( حول هذا الرأي ينظر : عبد المنعم النمر ، مجلة العربي الكويتية ، ص 184 ) .
3- أنه أحد ملوك اليمن ، وقد جاء بهذا الرأي عدد من المؤرخين العرب القدامى ، إستنادا إلى شواهد عدة : من بينها لقب ( ذو ) أو ( ذي ) الوارد في أسم ذو القرنين ، وهي صيغة تتقدم أسماء الزعماء والملوك في اليمن مثل : ( ذو نواس الحميري ) و ( سيف بن ذي يزن ) ، ومما يعتمده أصحاب هذا الرأي كشاهد أيضا ، مادة قطر الحديد التي استخدمها ذو القرنين في بناء سد يأجوج وماجوج ، إذ يرى هؤلاء ، أنه لم يكن يستخدمها في بناء السدود غير أهل اليمن القدماء ، فبناء سد مأرب القديم يظهر أستخدامهم لقضبان إسطوانية من النحاس والرصاص في بناء السد ( حول ذلك ينظر : ويكوبيديا ، مادة ذو القرنين ) .
3- وهناك آراء أخرى من بينها تلك التي تقرن ذو القرنين بالملك الأكدي نارام - سين ( منتصف الألف الثالث قبل الميلاد ) ، بدلالة العثور على مسلة تظهر لبسه الخوذة المقرنة فضلا عن فتوحاته التي شملت أجزاء من الشرق الأدنى القديم ، ما أتاح له أن يتلقب بلقب ( ملك الجهات الأربعة ) ، الذي يدل نفوذه الكبير وعلى سعة المساحة التي أخضعها ، كما أن هناك من يقرنه بالفرعون المصري ( أخناتون) أول ملك موحد عرفه العالم القديم .
لكن نقطة الضعف في هذه الآراء ، أن هذه الشخصيات لم يعرف عنها إنشاؤها سورا لمنع أحد الشعوب من غزو شعب آخر ، وهو ما أشارت له الآيات ( 94 - 97 ) من سورة الكهف : " حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا () قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا () قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا () آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا () فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا () " ، لذا لايمكن إقران هذه الشخصيات بشخصية ذو القرنين ، أما ما نعتقده عن هذه الشخصية ، فهي أنها شخصية الأمبراطور الصيني (بينج شنج ) (221 - 206 ق.م ) ، وهو الأمبراطور الذي أتخذ لقب ( تشن شي هوانجدي) ، أي الأمبراطور الأول ، كونه أول أمبراطور تمكن من توحيد الصين في دولة واحدة ، وهو أول من تمكن من مد سيطرة البلاد إلى مساحات تقع إلى الشرق وإلى الغرب من منطقة النهر الأصفر التي تأسست حولها الحضارة الصينية ( جاكلين بيل و ريتشارد ليفي ، تاريخ الصين القديمة ، ص 30 ) ، ولعل أهم أنجاز لهذا الملك ، هو بناءه سور الصين العظيم ، الذي أراد به حماية الصين من هجمات البدو في منغوليا وآسيا الوسطى ( جاكلين بيل و ريتشارد ليفي ، تاريخ الصين القديمة ، ص 30 ) ، إذ نرجح أنه هو السور المشار إليه في القرآن الكريم ، أما قوم ( يأجوج ومأجوج ) فلعل المراد بهم ( المغول ) وغيرهم من أقوام البادية ، الذين كانوا على الدوام يهاجمون الأراضي الصينية ، فأصبح لهذا السور أهمية دفاعية ، ما أعطاه شهرة كبيرة ، وقد عرف عن ملوك الصين لبسهم الخوذ المقرنة ، إذ عثر على تماثيل تؤكد ذلك (جاكلين بيل و ريتشارد ليفي ، تاريخ الصين القديمة ، ص 11 ) .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969