الخميس، 18 مايو 2017

الموسيقى والغناء نظرة إلى وظيفتهما في العراق القديم


د . باسم محمد حبيب

لم تكن الموسيقى والغناء في العراق القديم مفصولة عن الحياة والعمل ، إذ يحتاج العمال والصناع والمزارعين إلى الموسيقى التشجيعية والأغاني الحماسية لكي يؤدوا أعمالهم دون ملل أو كلل ، هذا فضلا عن مرافقة الطقوس التي يراد بها نشر الخير في البلاد و جلب الخصب إلى الأراضي الزراعية ، كطقوس أعياد رأس السنة والزواج المقدس التي تقام بداية كل عام ، لكن هذا لا يعني أن توظيفهما جرى في هذا فقط ، إنما ولتحقيق المتعة أيضا ، وهذا ما حصل بعد أن أخذ المجتمع بالتعقد والتطور ، وفيما يخص دعم العمل والإنتاج و نشر الرفاهية بين الناس ودعم المجهود الحربي ، فقد تكرس ذلك عبر أجيال عديدة حتى أصبح من صميم واجبات الدولة  ، وهذا ما تؤكده التنقيبات الأثرية التي جرت في مواقع عصر فجر السلالات ( 3000 – 2400 ق.م ) ، إذ عثر فيها على آلات موسيقية بعضها في القصور والمعابد [1] وبعضها الآخر في المقابر مثل مقبرة أور الملكية العائدة إلى ذلك العصر[2] ، من أجملها القيثارة السومرية الجميلة المزينة برأس ثور [3] ، إذ يشير تزيينها به إلى ما للموسيقى من أهمية في جلب الخصب إلى الأراضي الزراعية الذي يعد الثور أهم رموزه آنذاك ، وتشير إحدى المقاطع في ملحمة جلجامش إلى إقامة الاحتفالات اليومية في مدينة أوروك وذلك على لسان البغي وهي تخاطب انكيدو : " تعال يا انكيدو إلى أوروك المحصنة ، حيث يلبس الناس أبهى الحلل ، وفي كل يوم تقام الافراح كالعيد ، حيث ... غلمان ... الآسنو " [4] ، في إشارة إلى ما يتم إحياؤه من مناسبات اجتماعية : كالزواج وتخرج الأولاد من المدارس واكتمال تدريب الصناع وما إلى ذلك من المناسبات التي غالبا ما تقام على إيقاع الموسيقى والغناء .

هذا الأمر أعطى للموسيقى والغناء قيمة عالية في المجتمع وللموسيقيين والمغنين مكانة كبرى لدى الناس ، فقد كان معظم الموسيقيين والمغنين من علية المجتمع ، لاسيما الكهنة الذين يشكلون النسبة الكبرى منهم [5] فضلا عن بعض الملوك والحكام والأمراء ، ومن أبرز هؤلاء جلجامش حاكم الوركاء في عصر فجر السلالات ، التي أشارت إحدى القصائد إلى حزنه الشديد على فقدانه آلتين موسيقيتين تعودان له ، أشيرا لهما بلفظتي ( بوكي ) و ( ميكي ) ، إذ ورد على لسانه ما نصه : " يالو ( بوكي ) ويال ( موكي ) ، إن ( بوكي ) فتنته لا تقاوم وإيقاعه لا يقاوم " [6]، و الملك شولكي ( 2094 – 2048 ق.م ) ثاني ملوك سلالة أور الثالثة ، الذي عرف بإتقانه العزف على ثمان آلات موسيقية من بينها قيثارة وصفت بإنها ذات ثلاثين وترا وآلة موسيقية سميت بإسم أحد ملوك كيش القدامى وهو ( أور - زبابا ) ( طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ص 424 ) ، وحفيدة الملك الأكدي نارام سين التي كانت تعزف على آلة موسيقية في معبد كرسو التابعة لدولة لكش السومرية ، فضلا عن أبنة ملك ماري ( ياريم _ لم ) التي ألحقها الملك الأشوري الذي خلعه ( شمشي – أدد الأول ) بمدرسة الموسيقى العائدة لقصره [7]، ونظرا لما للمغنين من مكانة ومنزلة فقد أقيم لبعضهم التماثيل كما في تمثال المغنية ( أور – نانشي ) من مدينة ماري [8] .

وفي مجتمع يقدس الموسيقى والغناء أو يعدهما أمران ضروريان لمسيرة الحياة ، كان من المنطقي أن نجد إهتماما واسعا بهما ، وهذا ما تعرضه بعض الأمثال التي كانت متداولة آنذاك ، منها المثل الذي يقول : " لا تبعد المغني المبتدأ إذا كان يجيد الغناء " ، وهو في الدعوة إلى صقل مواهب المغنين وتمكينهم من تحقيق طموحهم في التحول إلى مغنين ناجحين ، والمثل الذي يقول : " إذا حفظ المغني أغنية واحدة لكنه يجيد أداءها فهو مغني بحق " ، أي أن المغني حتى ولو كانت لديه أغنية واحدة ولكنها جيدة فيعد من المغنين الجيدين ، وكذلك المثل الذي يقول : " المغني الموسيقي الجيد هو الذي يعرف كيف يوزن آلته ويدعها ترن عاليا وما عدا ذلك فهو مغني فاشل " [9] ، أي أن على المغني والموسيقي أن يكون عارفا بمكونات آلته الموسيقية ، قادرا على ضبطها وجعلها قادرة على عزف موسيقى جميلة ، لأنه بدون ذلك لن يكون قادرا على الغناء ، ما يعني حرص المغنين على أن يؤدوا أغنيهم تحت وقع المعزوفات الموسيقية لكي يكون الأداء جميلا والأغاني أكثر وقعا في النفوس ، وقد عد العلامة ( كريمر ) المغني أحد الشخصيات المؤثرة في نمو الأدب السومري وتطوره [10]، لأن كثيرا من المقطوعات الأدبية وخصوصا الشعرية منها كانت تؤلف من أجل أن تغنى ، إذ كان المغنين آنذاك يمثلون الواسطة في نقل ما ينظم من شعر أو يكتب من أدب إلى الناس .

لقد فسر بعض الباحثين النبرة الحزينة في الغناء الجنوبي بإنه نابع من الفواجع المتكررة التي واجهها المجتمع ، وهذا القول غير صحيح لإن وجود الغناء الحزين يعود إلى العصور القديمة ، إذ يشار له بلفظة (كالا)  الأكدية ، وهذا الأمر مرتبط بمبدأ التخصص الذي كان شائعا آنذاك إنطلاقا من التقدم الحضاري السائد ، ولإن الغناء هو أحد مجالات العمل فهو محكوم بهذا المبدأ أيضا ، فنجد من يتخصص بالغناء الحزين الذي يتم أداؤه في حالات الحزن والفواجع ، كما في حالات دفن موتى الحروب أو العمل أو غير ذلك ، ومن يتخصص بالغناء الفرح الذي يؤدى في المناسبات السعيدة ، مثل : إكمال تدريب أحد الصناع أو أنهاء أحد الأعمال أو إكمال الحصاد أو تخريج أحد التلاميذ وما إلى ذلك والذي يشار لمؤديه بلفظة ( نار ) ، أما المصطلح العام للغناء  والموسيقى فيشار له بلفظة ( زمارو ) الاكدية .   

وهذا ما جعل الدولة بحاجة دائمة لفرق موسيقية وغنائية ، من بينها فرق عائدة إلى القصر ، من أمثلتها الفرقة العائدة إلى الملك الآشوري شلمنصر الثالث ( 858 – 824 ق.م ) ، وهي مكونة من الرجال فقط [11]، تستخدم في المناسبات العسكرية والخاصة بالقصر ، وأخرى  تشرف عليها المعابد ، وهي المسؤولة عن إقامة المناسبات الدينية ذات الطابع الإقتصادي ، مثل : عيد رأس السنة ( الأكيتو ) الذي يجري إحياؤه في بداية نيسان من كل عام والذي يستمر لأثنا عشر يوما ، إذ تقام فيه مختلف الطقوس التي يراد بها الحصول على عام أكثر خصبا وازدهارا من العام السابق [12]، فضلا عن إحتفال طقس الزواج المقدس ، الذي تثبت الأدلة المتوفرة إشتماله على أداء معزوفات موسيقية وأغاني ، بعضها بأداء الزوجة المقدسة ذاتها ، ترد فيها إشارة إلى ما تقدمه الإلهة ( إنانا ) التي تمثلها الزوجة المقدسة من هدايا إلى الملك ، وهي هدايا غالبا ما تكون ذات صلة بالعمل والإنتاج ، تقول إحدى الأغاني :

" يا زوجي ، المخزن الكبير ، الأصطبل المبارك ،

أنا إنانا ، سوف أحافظ عليه من أجلك ،

سوف أحرس ( بت الحياة ) الذي لك " [13]

أما ما يؤكد إشتمال هذه المناسبات على أداء الأغاني وعزف المقطوعات الموسيقية والرقص ، مقطع ورد على لسان ( دموزي ) يحث فيه إنانا على إبلاغ أمها بإن سبب تأخرها ليس قضاء الوقت مع خطيبها الذي كان من غير المسموح به اللقاء به قبل الزواج ، إنما إصطحاب صديقتها  لها إلى الساحة العامة حيث كانت تقام الإحتفالات ، وذلك بما نصه :

" فلأخبرك ، فلأخبرك ،

أي إنانا يا أكثر النساء خداعا ، فلأخبرك

قولي أن صديقتي أصطحبتني معها إلى الساحة العامة

حيث سلتني بالموسيقى والرقص ،

وغنت لي أغنياتها الحلوة ،

في الإبتهاج الحلو قتلت الوقت هناك " [14]

ومما يؤكده  لنا هذا المقطع أيضا ، أن الآلهة هي نفسها كانت تمارس الغناء والرقص ، وتعزف على الموسيقى حالها حال البشر ، على وفق مبدأ التشبيه الذي أتسمت به الديانة العراقية ، لذا لا غرابة في أن يشيع هذا النوع من الفن في الأوساط الاجتماعية ، ويغدو جزءا من نمط الحياة السائد آنذاك .



 [1] . صوموئيل كريمر ، طقوس الجنس المقدس عند السومريين ، ترجمة : نهاد خياطة ، ( دمشق ، 2007 ) ، ص 29 .
 [2] . عامر سليمان ، العراق في التاريخ القديم ( موجز التاريخ الحضاري ) ، ( الموصل ، 1993 ) ، ص 356 .
 [3] . فرج بصمجي ، كنوز المتحف العراقي ، مطوعات مديرية الآثار العامة ، ص 217 ، شكل 82 .
 [4] . طه باقر ، ملحمة جلجامش ، ( بغداد ، 1986 ) ، ص 84 – 85 .
 [5] . عامر سليمان ، المصدر السابق ، ص 356 .
 [6]. صوموئيل كريمر ، السومريون .. ، ترجمة : فيصل الوائلي ، ( الكويت ، 1973 ) ، ص 386 .
 [7] . صبحي أنور رشيد ، الموسيقى ، حضارة العراق ، ( بغداد ، 1985 ) ، ص 418 .
 [8] . أنطون مورتكارت ، الفن في العراق القديم ، ترجمة : عيسى سلمان وسليم طه التكريتي ، ص 113 – 114 .
 [9] . صبحي أنور رشيد ، المصدر السابق ، ص 411 .
 [10] . صوموئيل كريمر ، السومريون ، ص 231 .
 [11] . صبحي أنور رشيد ، المصدر السابق ، ص 409 .
 [12] . عامر سليمان ، المصدر السابق ، ص 135 .
 [13] . صوموئيل كريمر ، طقوس الجنس المقدس عند السومريين ، ص 86 .
 [14] . المصدر نفسه ، ص 107 .

هناك تعليقان (2):

الدكتور ابراهيم خليل العلاف يقول...

الموسيقى غذاء الروح ولايمكن لأي إنسان ان يعيش حياة سعيدة بدونها فهو من تجعل مشاعر الانسان رقيقة وهي من تجعل لحياته معنى وهدف وكل الشعوب في العالم لها موسيقى خاصة بها والعراقيون القدماء اجدادنا كان لهم قصب السبق في تأطير الموسيقى بأطر مقدسة وكثيرا ما ربطوها بالانتاج والخصب والحياة والفرح ومقال الاخ الدكتور باسم محمد حبيب يثبت ذلك ويثبت ايضا ان العراقيين سكان بلاد وادي الرافدين ابدعوا في الموسيقى وصنعوا لها الاتها وربطوها بالحياة اليومية واستفادوا منها في اقامة مجتمعاتهم على اسس الحب والتعاون والبهجة وحتى الحزن كانت الموسيقى في العراق حياة قائمة بذاتها لها مقاماتها واشكالها وطقوسها واحتل المغن مكانة مرموقة في المجتمع .ليقرأ هذا من حرم الموسيقى وهو يعلم انه اذا اراد ان يقتل شعبا ويبلد احساسه فعليه ان يمنع عنه الغناء والنوح والموسيقى والرقص .شكرا لك اخي الدكتور باسم محمد حبيب على ابداعاتك الجميلة الراقية والى مزيد من الابداع والتألق .

باسم محمد حبيب يقول...

شكرا جزيلا أستاذنا الفاضل الدكتور إبراهيم العلاف على كلماتكم بحق ما كتبته في هذا المقال حول الموسيقى والغناء في العراق القديم والذي نتمنى أن يضع البعض ممن يرى في هذا اللون من الفن مخالفة للدين مع أنه يمنح الإنسان السعادة التي سعت الأديان لمنحها للإنسان .. شكرا جزيلا مرة أخرى .

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969