الأحد، 14 مايو 2017

قراءة للإستاذ المتمرس الدكتور إبراهيم العلاف لإطروحتي الفكر الإقتصادي العراقي القديم في ضوء بعض النصوص الأقتصادية 3000 - 539 ق.م



قراءة في الاطروحة الموسومة : (الفكر الاقتصادي العراقي القديم في ضوء بعض النصوص الأدبية ( 3000 – 539 ق.م ) للدكتور باسم محمد حبيب 
ا.د. ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث المتمرس –جامعة الموصل
(الفكر الاقتصادي العراقي القديم في ضوء بعض النصوص الأدبية
( 3000 – 539 ق.م ) ، هذا عنوان  أطروحة الدكتوراه التي قدمها الصديق الدكتور باسم محمد حبيب الى مجلس كلية التربية –جامعة واسط سنة 2016 للحصول على الدكتوراه في فلسفة التاريخ القديم بإشراف الأستاذ الدكتور سعد عبود سمار. 
 وانا ، ومنذ اكثر من اربعين سنة ، مهتم بالتاريخ الاقتصادي ، وكتبتُ فيه بحوثا ، وشجعتُ طلابي على ولوج هذا الميدان ، واشرفت على رسائل وماجستير في التاريخ الاقتصادي ، كما ناقشت العديد منها . وكنتُ قد وضعت مادة في الدراسات العليا في جامعة الموصل عن (التاريخ الاقتصادي العربي الحديث في المشرق العربي ومغربه ) ، واريد من كل ذلك ان اقول ان ثمة ضرورة للاهتمام بهذا الضرب من التاريخ ، لاننا لانستطيع ان نفهم مجتمعاتنا المحلية ، والعربية ، وحتى العالمية من دون الوقوف عند البنى التحية لها ، وتطور وسائل واساليب الانتاج ، وطبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة .
 قلتُ مرة عندما سألني أحد الاساتذة عن التاريخ الاقتصادي التاريخ الاقتصادي وأهميته


يخطئ من يظن ان التاريخ هو العلم الذي يهتم بالتحولات السياسية وسير الحكام والسلاطين والملوك .إن هذه النظرة القديمة هذه الى التاريخ قد انتهت مع الحركة الانسانية التي شهدتها اوربا في اعقاب انتهاء العصور الوسطى . وبدأ الاهتمام بالانسان بأعتباره محور الحركة التاريخية .وحركة الانسان في الزمان والمكان لاتقف عند حدود اقامته لأنظمة الحكم وتشريعه القوانين التي تنظم الحياة فحسب ، وانما تتسع لتشمل سعيه وراء معاشه وبناء المدن وتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وعلى هذا الاساس تطورت الدراسات التاريخية لتأخذ فضلا عن الابعاد السياسية البعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .وهكذا بدأ المؤرخون يهتمون بالتاريخ الاقتصادي والتاريخ الاجتماعي والتاريخ الثقافي .
 وبقدر تعلق الامر بالتاريخ الاقتصادي ؛ فأن البعض يربطون بين الاهتمام بالتاريخ الاقتصادي والنظرية المادية التاريخية التي جاءت بها الماركسية ، وهذا ليس صحيحا فالمؤرخون في الغرب يهتمون بالتاريخ الاقتصادي ويضعون بعد انجاز دراساتهم في هذا الميدان القواعد والقوانين التي تفسر التطورات التاريخية وهنا يختلفون مع الذين يذهبون مذهب الماركسية ؛ فالماركسيون يفسرون التاريخ وفق نظرية مسبقة prejudgment ويقولون بأن البشرية مرت بخمسة مراحل هي المشاعية البدائية ، والرق ، والعبودية ، والاقطاع ، والرأسمالية ولابد وان يأتي اليوم الذي يقيم فيه الانسان مجتمعه الشيوعي . وبذلك فهم يضعون النظرية ويغوصون في أعماق التاريخ ليأتوا بالاحداث التي تدعم نظريتهم .
 في حين ان المؤرخين الموضوعيين الذين يهتمون بالتاريخ الاقتصادي يبدأون بدراسة الاحداث التاريخية من دون ان تكون لهم نظرية معينة او تفسير محدد . والدراسة العلمية المنهجية المعتمدة على جمع المادة وتحليلها وتفكيكها ومن ثم اعادة تشكيلها من جديد هي التي تهديهم الى ما يساعدهم على تفسير الاحداث تفسيرا علميا يأخذ بتعددية العوامل ويرفض اي تفسير احادي الجانب .
من حسن الحظ ، فأن رائدي التاريخ الاقتصادي العربي هم من المؤرخين العراقيين واقصد الاستاذ الدكتور صالح احمد العلي والاستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري فكليهما اهتم بالتاريخ الاقتصادي والاجتماعي حتى ان احد النقاد اجاب على سؤال يتعلق بأهم ما أنجزه العرب على صعيد التريخ الانساني في القرن العشرين فقال ان ما قدمه المؤرخان العراقيان العلي والدوري هو من اهم ما قدم للبشرية من منجز علمي .
ان دراسات الاستاذين الدكتورين الدوري والعلي في مجال التاريخ الاقتصادي والاجتماعي تعد في طليعة الدراسات الاقتصادية لجديتها وتفردها بمعلومات ونتائج قيمة اذ تعد تلك الدراسات رائدة –بحق- فبدايات الاستاذ الدكتور العلي كانت في اواخر الاربعينات من القرن الماضي مع دراسة " التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الاول الهجري .. في حين كانت بدايات الاستاذ الدكتور الدوري مع" تاريخ العراق العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي " .ومن الطبيعي ان تنمو الدراسات الاقتصادية في الوطن العربي بعد منجزي العلي والدوري وتتسع وتتزايد فلدينا اليوم كم هائل من الدراسات الاقتصادية العربية التي وجدت في دراستي الدوري والعلي حافزا للعناية بدراسة التاريخ الاقتصادي للمجتمعات العربية سواء على صعيد التاريخ الاسلامي او التريخ الحديث .
ان مما تهتم به الدراسات التاريخية الاقتصادية القديمة ، والاسلامية ، والحديثة تقديم اطار عام يشتمل على حقول الاقتصاد والمفردات الاقتصادية من عوامل انتاج وتضخم وانكماش ونقود وضرائب وتنظيمات مالية ومؤسسات اقتصادية ومصرفية واحكام اراض وزراعة واصلاح زراعي وصناعة وتجارة وصناعة وأصناف وتنظيمات حرفية فضلا عن دراسة ظروف الازدهار الاقتصادي أو التدهور الاقتصادي والازمات المالية والنشاط الاقتصادي الخاص ووضع القوى الاقتصادية من طبقات وسطى ومن عمال او فلاحين او كسبة او رأسماليين وطنيين اسميهم انا بالاقتصاديين الوطنيين الذي ناضاوا الاستعمار ليس بالادوات السياسية ، بل بالفعاليات والمشروعات الاقتصادية امثال طلعت حرب في مصر وعبد الحميد شومان في فلسطين والاردن ونوري فتاح ومصطفى الصابونجي وعبد الهادي الجلبي وال الخضيري في العراق واميل البستاني في لبنان وغيرهم .
ان الانسان عندما وجد على ظهر الارض ، وانشأ الحضارات القديمة ومنها حضارة وادي الرافدين ، وحضارة اليمن القديمة ، وحضارة وادي النيل فأنما عرف بذلك الزراعة ، والصناعة ، والتجارة وتنظيم المجتمع والدولة وعرف العلوم ودون اعماله على الطين والحجر والاجر فمن هو الباحث الجدير بمتابعة كل تلك الانجازات سواء التي قام بها اجدادنا او التي نقوم نحن بها اليوم أليس هو المؤرخ ؟ ومن يمتلك ادوات البحث ومناهجه للولوج في هكذا ميدان غير المؤرخ .وما هي غاية التاريخ ؟ اليست غايته الكشف عن ما فعله ويفعله الانسان وما الذي يفعله الانسان ؟ اليست النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ..لماذا نهتم بالنشاطات السياسية ولانهتم بالنشاطات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ؟ .
لقد مضى الزمن الذي نقف فيه عند نشاطات الحكام ، والخلفاء ، والسلاطين ؛ فالتاريخ هو تاريخ الانسان .. تاريخ العامل ، والتاجر، والحرفي ، والصانع ، والفلاح ، والمثقف ..نعم انه تاريخ الانسان وتاريخ مؤسساته ونظمه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية .
واذا كان كارل ماركس قد عد القوة المنتجة اساسا للمجتمع ، وقاعدة سفلى له وما اقامه الانسان من نظم وابدع فيه من افكار قاعدة عليا فان التاريخ الاقتصادي يرى بأن الانسان هو المحور ..هو الاساس وللانسان حاجات نفسية وبيولوجية وهو بقدر ما يحتاج الى الطعام واللباس والمسكن والنظام الاجتماعي فأنه بحاجة الى الافكار والرؤى والفن ويقينا ان قوة الدولة الاقتصادية من قوة الافراد الاقتصادية والطرفين يستندان الى ما هو متوفر من موارد طبيعية وموارد بشرية للقيام بالاعمال التي تغير من واقع المجتمع .نعم التاريخ لايمكن ان يكون وراءه عامل واحد بل عوامل متعددة لسبب بسيط هو ان الحياة معقدة ومتفاعلة والعامل الاقتصادي هو احد القوى المحركة للتاريخ ويظهر اثره في وقائع اكثر مما يظهر اثره في وقائع اخرى وكما هو معروف فأننا اذا اردنا ان ندرس على سبيل المثال الثورة الصناعية فأننا سوف نهتم \بالانتاج والاسواق والسلع والبضائع والدخل والضرائب والاستهلاك ورؤوس الاموال وانتقالها واستثمارها والبنوك .
 التفسير الاقتصادي للتاريخ ، ودراسات التاريخ الاقتصادي تؤكد على المؤسسات المهنية والحرفية والمالية والمصرفية والتجارية والصناعية والتجارية وهو في كل الاحوال جزءا لايتجزأ من التاريخ العام .
وكما هو معروف فأن المؤرخ الاقتصادي ينبغي ان يتسلح بأسلحة خاصة في مقدمتها تأتي المعرفة بعلمي الاقتصاد والاحصاء ولااقول المعرفة الدقيقة ، وانما لابد ان يكون المؤرخ على معرفة ولو يسيرة بمكنونات هذين العلمين المهمين وهذا طبيعي في الدراسات التاريخية فالقاصي والداني يعرف ان المؤرخ لابد وان يستعين في دراساته وبحوثه في ما يسمى "العلوم المساعدة " أو "العلوم الموصلة " ومنها " الجغرافية "و " الاقتصاد " و"علم النفس " و" الاحصاء " و" الادب " و"اللغة " وغيرها وحسب نوع وصنف الدراسة التاريخية التي يقوم بها .
قلتُ ذلك عن التاريخ الاقتصادي العربي والاسلامي والحديث ، ولكن  ضرورة الاهتمام بالتاريخ الاقتصادي في العصور القديمة إن كان ذلك في العراق أو مصر أو في بقية بقاع الارض تبدو اليوم اكثر ؛ لأن أُسس تلك المجتمعات تكمن في العصور القديمة . ومع اقراري بصعوبة الدخول الى هذا الميدان ، الا ان هناك من دخله وبحث فيه وحتى اليوم اتذكر مجهودات الاستاذ طه باقر من خلال دراسته للحضارات العراقية القديمة ومجهودات الدكتور عبد الرضا الطعان في كتابه عن الفكر السياسي في العراق القديم .ولاانسى الدكتور فيصل الوائلي وهو من كان يدرسنا مادة التاريخ القديم قبل نصف قرن في قسم التاريخ بكلية التربية –جامعة بغداد . كان يقتنص النصوص الادبية التي تشير الى الحياة الاقتصادية ومواسم الزرع ، ومواسم الفيضان وفيما يجب ان يفعله الفلاح عندما يواجه خطر الفيضان وأمراض النبات. وقد نشرتُ انا بعض هذه النصوص فيما بعد كل ذلك كا يوحي بأهمية تناول الموضوع 
 واطروحة الاخ الدكتور باسم محمد حبيب هذه والموسومة :" (الفكر الاقتصادي العراقي القديم في ضوء بعض النصوص الأدبية
( 3000 – 539 ق.م ) تقع في هذا الاطار ،  فهي بحق إضافة نوعية لدراسات تاريخ العراق الاقتصادي القديم ولعل ما يميزها انها ربطت بين الاقتصاد والادب فدرست الفكر الاقتصادي من خلال نصوص أدبية عراقية قديمة وخلال فترة امتدت من 3000 قبل الميلاد الى 539 قبل الميلاد وهي فترة غنية ، ومزدحمة بالاحداث ، ولم يتم التطرق اليها بمثل هكذا توجه سابقا .
تقع الأطروحة في  أربعة فصول مسبوقة بمقدمة ومنتهية بخلاصات واستنتاجات ، عرض كل فصل جانبًا من الجوانب التي لها علاقة بالفكر الاقتصادي العراقي القديم ، كان عنوان الفصل الأول : ( الهيكل العام للاقتصاد العراقي القديم ) وفيه عرض لركائز الهيكل الاقتصادي التي تتمثل بالمُلكية ومبدأ الحرية الاقتصادية . فضلا عن مفهوم العدالة الاقتصادية ، كما اهتم بعرض عناصر الفعالية الاقتصادية التي تتمثل بالإنتاج ، والتوزيع ، والتبادل والاستهلاك . اما الفصل الثاني فحمل عنوان : ( نمط وعناصر الإنتاج في العراق القديم ) ، وقد قسم على مبحثين : عرض المبحث الأول آراء الباحثين فيما يخص نمط الإنتاج الذي كان يسود اقتصاد العراق القديم ، أهو نمط الإنتاج الحر ، أم التعاوني، أم الإقطاعي ، أم الآسيوي ؟ فيما أختص المبحث الثاني بعرض عناصر الإنتاج وهي : الأرض، والماء ، والمال، والخبرة والعمل . وكرس الفصل الثالث الذي عنوانه : (اقتصاد الأزمة والحرب في العراق القديم ) لمناقشة اقتصاد الأزمات ، التي تشمل الأزمات الاقتصادية الناتجة من الكوارث الطبيعية : الأوبئة ، القحط ، الطوفان ، والأزمات الناتجة من الإهمال البشري ، فضلا عن التقلبات التي يشهدها الاقتصاد من حين إلى آخر .كما تطرق الى اقتصاد الحرب من خلال تناول أهم التأثيرات التي تُحدثها الحرب في النشاط الاقتصادي والعملية الإنتاجية . وكان الفصل الاخير الموسوم : ( النظم الاقتصادية و مسؤولية الدولة في اقتصاد العراق القديم ) قد قُسَّمَ الى مبحثين اولهما عرض النظم الاقتصادية والضرائب والربا والوحدات الشبيهة بالنقود والإيداع ونظام الأوزان والمكاييل والمقاييس والسوق والأسعار و السخرة فضلا عن التخطيط الاقتصادي في حين تناول الثاني مسؤولية الدولة 
 لقد اثبتَ الدكتور باسم محمد حبيب ، جملة من الحقائق المتعلقة بجذور الفكر الاقتصادي العالمي من خلال وقوفه على فكر العراقيين القدماء الذي نجم عن ظرفهم الاقتصادي ، كبيئة زراعية ، نهرية احتاجت لتنظيم عمليات الري ، وترتيب امورها بين الناس الى معالجات إدارية - قضائية -اقتصادية رأيناها في كثير من النصوص التي ظهرت في الاطروحة ، والتي اكدت امتلاك العراقيين لفكر اقتصادي إرتبط بالغيبيات والاساطير وهذا شيء طبيعي وجدناه في مسار الانسان نحو الوصول الى التوحيد .
 وحتى تتم عملية إلزام الناس بالحدود الدنيا على الاقل من الضوابط الاقتصادية ، كان لابد للمؤسسة الدينية أن تشيع كثيرا من المفاهيم الاقتصادية ، وهذا مما سهل للباحثين ، ومنهم الدكتور باسم محمد حبيب الوقوف عند كثير من مفردات ، ومفاهيم الفكر الاقتصادي عن العراقيين القدماء .
وفي هذا الاطار ، ولطبيعة الزراعة ، وارتباطها بالامطار ، وبتطلع الفلاح الى السماء  ؛ فأن الدين ومن يمثله من الكهنة وغيرهم حاولوا لا بل سعوا الى ربط ملكية الارض بهم، وبالطقوس الدينية ، وبالرزق ، وبالقسمة .. وبعبارة اخرى استفاد المعبد من هذا في ان يكون هو أحد المؤسسات المتحكمة بملكية الاراضي الزراعية وهذا استمر في حياة العراقيين حتى يومنا هذا من حيث تركز الملكية الزراعية ، والاستحواذ على الاراضي .وقد كانت مشكلة الاراضي ، ولاتزال معضلة يواجهها العراق حتى ساعة كتابة هذه السطور .
 وقد وضع الكاتب يده - وهو محق - على قضية مهمة جدا وهي ان العراقيين القدماء في فكرهم الاقتصادي لم يكونوا (اشتراكيين ) بل كانوا (رأسماليين ) ، من حيث إيمانهم بالملكية الخاصة، والتشبث الفردي في الاقتصاد . وهم كما استمر ذلك بعد الفتح الاسلامي وحتى 1959 عندما اعلن قانون الاصلاح الزراعي مؤمنين بملكية الارض الخاصة وبالحرية الاقتصادية (دعه يعمل دعه يمر ) وهذا ما انعش الزراعة في العراق وزاد الانتاج وتلك مسألة لم ينتبه اليها احد من قبل .
 التصق العراقيون القدماء التصاقا شديدا بالارض ؛ فالفلاح في بعض النصوص الادبية التي حللها الباحث تدل على أنه يعد الارض وعلاقته بها كالزواج لاانفكاك عنه الا بصعوبة شديدة .
 وحتى يعطي الفلاح مشروعية لأنتاجه وهو يعرف ان الانتاج من حقه ، ربط الفكر الاقتصادي العراقي القديم كما رأينا في بعض النصوص الادبية الانتاج بالالهة ؛ فهي من اعطت وهي من توزع وهي من تهب ولكل حسب عمله وحاجته وهذا يتم بعد ان يقتطع المعبد حصته التي يوزعها بطرقه الخاصة التي تضمن اداء المعبد لدوره وتعزيز قيمته في المجتمع .
 وكان من الطبيعي أن يرتبط النشاط الاقتصادي كله في العراق القديم بالدين زراعة وتجارة وصناعة وظهر هذا واضحا في النصوص الادبية التي استقرأها الباحث مشكورا ووصل الى نتيجة مهمة هي ان العراقي انسان جاد ، وعملي ، ومخلص في عمله وفي الوقت نفسه ( قنوع ) يرى ان ثمة حياة اخرى تنتظره لابد من السعي من أجلها بأكثر مما يفعل من اجل الحياة الاولى ، وهذا الاعتقاد لايزال متأصلا في العراقيين ويظهر في امثالهم وحكمهم .
 والانسان العراقي القديم ، كان يرى ان الالهة هي من تملك الارض ،وهي من توزع الخير وهي من تستحق الثناء لذلك انعكس الامر في سلوكهم اليومي وفي نظرتهم الى الالهى وتقدسيهم لها وقد تغيرت هذه النظرة بعد ان صاروا مسلكين فالله هو الذي يعطي وهو الذي يأخذ هو من يؤتي الملك وهو من ينزعه وهو من يهب الخير لمن يشاء وهكذا .من هنا رأي العراقيون ان العمل عبادة وهكذا الامر اليوم .
 وحسنا فعل الباحث عندما درس النصوص الادبية ، فهي من تدلنا على سلوكية الانسان العراقي الى ما يواجهه من أزمات وكوارث ، أنها من نتائج فعل الانسان وما يمكن ان ان يواجهه من عقاب من الالهة ، وعليه ان يستسلم لما تقرره حتى وان استولت على كل ما يملك او فرضت ما تريد من ضرائب او وسائل ربوية .
 كثيرة هي الخلاصات والاستنتاجات التي خرجت بها هذه الاطروحة الرائعة في مجالات اقتصاد الحرب ، والنقود ، والمبادلات التجارية ، والعقود ، والايداع ، والمعاملات التجارية ، والاوزان ، والمقاييس ، والضمانات الاقتصادية، والاسعار ، وانماط البيع والشراء ، والتخطيط وكل ذلك يدل على ان العراقيين القدماء كانوا – بحق وحقيق- أساتذة العالم في الفكر الاقتصادي مما يستدعي الاستمرار في سبر غور تاريختا القديم ، والوقوف على ما قدمه اهل العراق للعالم كله .
 أُشيد بالجهد العلمي المتميز الذي قدمه هذا الشاب المتميز الدكتور باسم محمد حبيب من مجهود فكري كبير ، لا أراه إلا في القليل مما أقرأه اليوم من رسائل واطروحات ، تتناول هكذا موضوعات صعبة ، ومعقدة لا تحتاج الى جهد علمي ، واكاديمي فحسب بل تحتاج الى ثقافة شاملة ، وهذا للاسف لانجده اليوم الا في القلة من باحثينا .
 *صورة لجنة المناقشة والدكتور باسم محمد حبيب الثاني من يسار الصورة

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969