الثلاثاء، 4 أبريل، 2017

حضارة وادي السند وشواهد على غياب النزعة العسكرية



م.د باسم محمد حبيب                              
المقدمة

     لم تكن ظاهرة اللاعنف ظاهرة جديد في المجتمع البشري، بل هي ظاهرة قديمة يمكن تلمس بعض اشكالها في العصور التي سبقت ظهور الحضارة البشرية، ثم اصبحت اكثر بروزا بعد نشوء الحضارات الاولى التي شهدت تطورات عدة في المناحي الدينية والاخلاقية. لكن المثير في الامر ان تتبع هذه الظاهرة في الحضارات البشرية قد كشف لنا ليس وجودها في مواقف معينة وحسب، بل وفي كونها من السمات التي اتسمت بها بعض الحضارات، اذ تنطلق فرضية البحث من ان احدى الحضارات وهي حضارة وادي السند ربما شهدت شيوع هذه الظاهرة، الامر الذي سنقوم بمناقشته في هذه الدراسة التي ارتأينا تقسيمها الى مبحثين: الاول نتناول فيه الاطار الجغرافي التاريخي لحضارة وادي السند، للتعرف على مكان نشأة هذه الحضارة والمدة الزمنية التي عاشتها، وما حققته من منجزات حضارية، والثاني نتناول فيه مظاهر اللاعنف كما تجلى في المظاهر الحضارية لوادي السند املين التوفيق...
المبحث الاول
الإطار الجغرافي والاطار التاريخي لحضارة وادي السند
     يقع وادي السند(1) في الاجزاء الغربية من دولة باكستان الحالية وصولا الى الاطراف الشمالية الغربية من الهند، وهو يمثل وحدة جغرافية مركزها نهر السند الذي ينبع من الاطراف الغربية لجبال الهملايا وصولا الى المحيط الهندي الذي يصب فيه هذا النهر، ونظرا لوجود هذه الظاهرة الجغرافية المهمة، فقد اصبحت المناطق المحيطة بالنهر من المناطق الزراعية، نظرا لخصوبتها ووفرة مياهها، الامر الذي ساعد على ازدهار الحضارة ونشوء المدن في وقت مبكر في هذه المنطقة من العالم(2).
    وتعد مدينتا هارابا (300 ميل شمال غرب دلهي) وموهنجيدارو (140 ميل شمال شرق كراجي)(3) اهم مدينتين في هذا الوادي، وربما كانتا عاصمتين لحضارة وادي السند(4)، او يحتمل ان تكون احداهما العاصمة الشمالية والاخرى العاصمة الجنوبية، لاسيما مع ما بينهما من بعد يصل الى (400) ميل، ما دعى بعض المؤرخين الى تسمية هذه الحضارة بـ (هارابا وموهنجيدارو)(5)، وقد اتسمت هاتين المدينتين بسعتهما، فضلا عن اتسامهما بمظاهر عمرانية مهمة من بينها: المنازل الجميلة المبنية من الطوب المحروق، والشوارع العريضة المخططة تخطيطا جيدا، والساحات العامة المعدة للاحتفالات، ووجود نظام متقن لتصريف المياه، فضلا عن انتشار الحمامات التي تشير الى ما للنظافة من اهمية في هذه الحضارة(6). وتتبع هاتين المدينتين مدن اخرى اقل اهمية منها (آمري) و (تشانهودارو) و (كون ديجي) وهي تبعد مسافة (25) ميلا الى الشرق من موهنجيرارو، فضلا عن مواقع اخرة من بينها (كاليبانغان) في رهبيتان ولوثال في كجراث، وتمثل المدينة الاخيرة احدى موانئ هذه الحضارة(7).
     اما عن اصول هذه الحضارة، فقد اختلف الباحثون حولها، بين من يعدها نتاجا محليا صرفا، وهو من الاراء التي يتبناها المؤرخون الهنود، وبين من يرجح اصلها الاجنبي، اذ يرى (رالف لنتون) "انه ليس هناك دليل مباشر كاف على وجود جذور اصلية لهذه الحضارة في وادي السند نفسه، لان اعمق المستويات التي اجريت فيها حفريات كانت تحت مستوى الماء"(8). لذا ظهر رأيان: احدهما يعد هذه الحضارة من نتاج حضارة اجنبية سبقتها في الزمن كالحضارة السومرية كما يرجح (توييني)(9)، او انها نتاج لعوامل داخلية وخارجية، اذ يمكن ان يكون للعوامل الخارجية بعض الاثر في نشؤئها كما يرى (مورتيمر ويلر)(10) الذي يؤكد على ان هذه المؤثرات ربما جاءت من بلاد الرافدين، نظرا لوجود اتصالات تجارية واضحة بين هاتين الحضارتين، وهو ما يمكن الاستدلال عليه من اللقى الاثرية، خاصة الاختام السندية التي وجد عدد منها في مواقع حضارة بلاد الرافدين(11)، اما زوال هذه الحضارة، فإن بعض الشواهد المادية تشير الى تعرض مراكز هذه الحضارات لغزوات اجنبية، اذ يعتقد غالبا ان الاقوام الهندواوربية هي من تسببت بسقوط هذه الحضارة(12) ، اي ان هذه الحضارة قد دامت من 2500 الى 1700 ق. م.
المبحث الثاني
اهم المعطيات التي تدل على شيوع ظاهرة اللاعنف في حضارة وادي السند
     على الرغم من ندرة الادلة المادية، الا ان هناك جملة من المعطيات التي تشير الى ان سمة اللاعنف هي احدى السمات التي اتسمت بها هذه الحضارة خلال معظم المدة الزمنية التي ازدهرت فيها، ومن اهم هذه المعطيات:
1 – ندرة الاسلحة والتحصينات العسكرية:
      على الرغم من ان مواقع حضارة وادي السند شهدت الكثير من التنقيبات الاثرية(13)، الا ان المكتشفات التي عثر عليها خلال عمليات التنقيب هذه لم تظهر ادلة كافية يستقى منها وجود نزعة عسكرية لدى هذه الحضارة، وهو ما دفع البعض الى رسم صورة مجتمع مسالم مثالي كان يعيش بين ظهرانيها(14). وما يدعم هذا الرأي وجود اسطورة في الادب العراقي القديم تناولت ارضا اسمها (دلمون)، وصفت بانها آمنة ومسالمة، اذ ورد فيها ما نصه :
لم يكن هناك اسد ان يفترس
لم يكن هناك اي ذئب ينقض على الحملان
لم يكن الكلب البري مختطف الجديان معروفا
لم يكن معروفا الخنزير الوحشي ملتهم الحاصلات
لم يكن هناك طير من السماء يأتي لنقر (عملة)
تركته ارملة على سطح بيتها! (15)
    اذ رجح صموئيل كريمر ان تكون هذه الارض هي وادي السند نفسها، انطلاقا مما ورد في اسطورة الطوفان السومرية عن ان بطل الطوفان (زيو سدرا)، نفيّ الى  المكان الذي تشرق منه الشمس، ما يعني حسب رأيه ان دلمون تقع الى الشرق من بلاد الرافدين(16).
     لكن هذا الرأي تنتابه نقطة ضعف مهمة وهي ان ما دون في الاسطورة يشير الى ان هذه الارض (اي دلمون) خالية من المياه وان حفر الابار فيها هو من جنبها العطش، اي على الضد مما تتسم به بلاد السند من وفرة المياه، فضلا عن خصوبة الارض التي جعلتها من المناطق الزراعية المهمة.  
كما لوحظ ايضا عدم وجود اي مبنى يمكن ان يقال عنه انه معبد او قصر(17). الامر الذي يدفع للتساؤل عن طبيعة النظام الاداري السائد في مدن هذه الحضارة، وهل كان هذا النظام من النوع الشعبي الذي يميل لتغليب مصلحة المجموع على مصلحة الفرد ام ان نقص الشواهد المادية هو الذي وضعنا امام هذه الصورة المثالية؟ لاسيما وان هناك من يؤكد ان هذه الحضارة لم تكن تختلف عن الحضارات الاخرى في وجود نوع من العقائد الدينية، ربما لم تتضح صورته بعد، وفي وجود نظام سياسي لم يصل بعد الى مستوى يناظر الانظمة السياسية التي شاعت في الحضارات الاخرى، كما يؤكد البعض ان الادلة لم تشر الى غياب كامل للتحصينات او المعدات العسكرية، بل الى ندرتها وحسب، بدليل ان بعض المدن كانت مسورة وان احدها كان عبارة عن قلعة محصنة(18).
    اما نحن فلا نرى في هذا الرأي ما يناقض فرضيتنا عن غياب النزعة العسكرية، لان وجود تحصينات معينة لا يعدو ان يكون الغرض منه ضمان الناحية الدفاعية، وربما حصل هذا الامر في المراحل المتأخرة من عمر هذه الحضارة عندما بدأت المخاطر والتحديات تداهمها، بعد ان ذاع في الافاق صيت غناها وازدهارها.
2 – الازدهار الاقتصادي والحضاري:
     رغم ان الازدهار الاقتصادي والحضاري لا يعد شاهدا مباشرا على شيوع سمة اللاعنف في حضارة وادي السند، الا انه يشير الى ان هذه الحضارة شهدت درجة عالية في الاستقرار السياسي والاجتماعي، الامر الذي اتاح لسكان هذه الحضارة تطوير المجالات الاقتصادية وتوسيع المبادلات التجارية مع المناطق الاخرى، فضلا عن الاهتمام بالعمران والمنشآت الخدمية التي بات تطورها من السمات المميزة لهذه الحضارة.
      فقد اثبتت الاختام القديمة المنقوشة التي عثر عليها في بعض المواقع العراقية خاصة في مدينة (اور) ان هناك اتصالات تجارية واسعة مع العراق القديم(19)، وان الكثير من السلع والبضائع كان يجري تبادلها من خلال هذه الاتصالات التي ربما يتم بعضها عبر البر وبعضها الاخر عبر البحر، اذ تبين ان السومريين قد قاموا برحلات بحرية عديدة خلال الالف الثالث قبل الميلاد ليس بالمستبعد ان تكون منطقة وادي السند احدى المناطق التي وصلتها رحلاتهم، وذلك عبر الخليج العربي وخليج عمان وصولا الى المحيط الهندي، اذ يرجح ان هذه الرحلات كانت تتخذ الطريق الساحلي مسارا لها.
     اما النواحي العمرانية فتبرز في شكل المنازل التي يتألف اغلبها من طابقين مبنيين من الطوب المحروق، فيما تطلى الجدران بطبقة من الملاط وترش بالجير دون الاهتمام بالزخرفة(20)، فيما ابانت التنقيبات الاثرية عن شبكة من الشوارع المستقيمة المتصلة بشوارع فرعية تصل الى احياء المدينة، فضلا عن وجود انابيب لتصريف المياه توضع داخل جدران المنزل وتنتهي بمجارٍ مبطنة بالآجر تنتشر عبر الشوارع وهي مغطاة بالحجارة حتى تصل الى خارج المدينة، حيث تلقي ما بها من فضلات لحفر معدة لهذا الغرض، كما عثر على حوض للسباحة قربه حجرات مخصصة لخلع الملابس(21).
     واذا ما نظرنا الى هذه المنجزات الحضارية، فانها تؤكد لنا الشعور العالي بالامان لدى سكان هذه الحضارة والذي تكرس لعدة قرون قبل ان يفاجأوا بغزوات اجنبية ادت على ما يبدو الى سقوط هذه الحضارة بعد عدة قرون من نشوئها.
3 – غياب النصوص الملكية والحربية:
   رغم ان حضارة وادي السند انتجت واحدة من اقدم انظمة الكتابة التي عرفها العالم، الا ان معلوماتنا عنها قليلة جدا، وذلك بسبب عدم حل رموز هذه الكتابة التي تشير الى نوع من الكتابة هو اقرب ما يكون الى الكتابة الصورية(22)، لكن بالامكان على ضوء بعض المحاولات التي بذلت لفك رموزها، فضلا عن المعاينة المباشرة للنصوص استنتاج عدم وجود نص يمكن وصفه بانه نص ملكي او حربي، وذلك انطلاقا مما يلي:
·       قصر هذه النصوص التي لا تتعدى كلمات قليلة الى سطر واحد في اغلب الاحيان(23).
·       احتواء غالبية النصوص على رموز لحيوانات او نباتات او سلع هو مما يؤكد الطابع الاقتصادي لغالبية هذه النصوص(24).
هذه الادلة ربما تشير الى ان هذه الحضارة لم تعرف شكل النظام الملكي للحكم، وانها ربما كانت تحكم من خلال مؤسسات شعبية على غرار ما هو موجود في السلالات السومرية المبكرة، فيما يؤكد غياب النصوص الحربية ندرة التحديات البشرية التي كانت تواجهها هذه الحضارة، الامر الذي ادى الى عدم شيوع هذا النوع من المدونات.   
الخاتمة
1.   ان ظاهرة اللاعنف ليست ظاهرة جديدة في المجتمع البشري، انما هي ظاهرة قديمة يمكن تلمس بعض اشكالها في العصور التي سبقت ظهور الحضارة البشرية.
2.   لا تخلو المفاهيم الدينية والاخلاقية لكثير من الحضارات من وجود مظاهر لهذه النزعة، فضلا عما تتسم به ادبياتها من التقييم الايجابي لها.
3.   ان سمة اللاعنف من السمات التي ميزت حضارة وادي السند في الشطر الاكبر من تاريخها على الرغم من وجود اشارات الى نزعة دفاعية ظهرت في مراحلها المتأخرة. 


(1) بدأت التنقيبات الاثرية للكشف عن اثار حضارة السند منذ الحرب العالمية الاولى 1914-1918 واستمر البحث والتنقيب عنها حتى تم الكشف عن الكثير من المواقع في هذه الحضارة . ينظر : غلين دانيال، الحضارات الاولى (الاصول والاساطير)، ترجمة سعيد الغانمي، 2009 ص127.
(2) ف. ديكالوف و س. كوخاليف، الحضارات القديمة، ج1، ترجمة نسيم وكريم البارجي، دمشق، 2006، ص210.
(3) طه باقر، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة (حضارة وادي النيل وحضارات اخرى)، ج2، ص376.
(4) غطت هذه الحضارة ما يزيد على الف مستعمرة من حضارة وادي السند بمساحة لا تقل عن (800) الف كم2 ، مما بات يعرف الان بباكستان وشمال غرب الهند ، وقد كانت حضارة وادي السند من اكثر الحضارات الحصرية امتدادا في عهدها، حيث بلغ عدد سكانها حوالي مليون نسمة. ينظر: اندرو روبنسون، Nature  (الطبعة العربية)، ديسمبر 2015، ص41.
(5) تقي الدباغ ووليد الجادر، عصور قبل التاريخ، بغداد، 1983، ص323.
(6) رالف لنتون، شجرة الحضارة، ترجمة: احمد فخري، ج3، 2010، ص150-151.
(7) غلين دانيال، المصدر السابق، ص128.
(8) رالف لنتون، شجر والحضارة، ج3، ص145.
(9) ارنولد توييني، بحث في التاريخ، ترجمة: طه باقر، بغداد، 2014، ص126-127.
(10) وهو المدير العام للاثار في الهند في المدة التي اعقبت الحرب العالمية الثانية. غلين دانيال، المصدر  السابق، ص132.
(11) طه باقر، مقدمة، ج2، ص376-377.
(12) رالف لنتون، المصدر، ص151.
(13) حول التنقيبات ينظر: غلين دانيال، الحضارات الاولى، ص126-127.
(14) رالف لنتون، شجر والحضارة، ج3، ص150.
(15) قاسم الشواف، ديوان الاساطير، الكتاب الاول، بيروت، 1996، ص27.
(16) ) صموئيل كريمر، السومريون، ترجمة: فيصل الوائلي، (الكويت 1973)، ص405.
(17) تقي الدباغ ووليد الجادر، عصور قبل التاريخ، ص328.
(18) رالف لنتون، شجر والحضارة، ص150.
(19) تقي الدباغ، ص325.
(20) رالف لنتون، ص150.
(21) تقي الدباغ، ص323.
(22) نشر العلماء على ما يربو على (100) محاولة لفك رموز الكتابة السندية منذ عشرينات القرن العشرين ون ان يحالفهم النجاح في فك رموزها. ينظر: اندرو روبنسون، المصدر السابق، ص42.
(23) المصدر نفسه، ص41.
(24) ارنست دوبلهوفر، رموز ومعجزات ، ترجمة: عماد حاتم، (دمشق،2007)، ص346.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969