السبت، 11 مارس، 2017

الفكر الجذري وموت الواقع عند جان بودريار



باسم محمد خبيب

يعد حان بودريار ( 1929 - 2007 ) من ابرز ممثلي ما بعد الحداثة أو ما بعد البنيوية الفرنسيين ،
إذ تخصصت كتاباته بتفكيك الخطاب الأعلامي ، العمود الفقري للحضارة الحديثة ، مؤسسا ما أسماه بالفكر الجذري الذي يستهدف بالتحليل معاني الاشياء المخفية أو الحقائق الظاهرة ، مبشرا بقطيعة واسعة ما بين الأعلام والواقع ، أو ما بين الفرد والعالم الذي يعيش فيه ، الذي سيكون بنظره عالم من الزيف والخيال والأوهام .
ان اهمية اطروحة ( موت الواقع ) ، أنها جاءت في وقت كان العالم فيه يعيش سطوة الأعلام وبهرجته ، إذ لم يعد الإعلام مجرد ناقل للخبر ، بل ومروج لمختلف أشكال الدعايات التجارية والفنية وغيرها ، حتى بات الفرد عاجز عن تجاوز ما يقدمه الأعلام من أفكار وآراء ومعلومات وأخبار ، قد لا تكون مطابقة للواقع المرتبط بها بقدر الفائدة والمنفعة التي ترجى منها ، وشيئا فشيئا غدى الواقع خارج تماس الفرد أو رصده ، فالإعلام هو ما بات ينقل الحقيقة لا كما هي بل كما يريد ، لا فرق بين ما يقدمه من حقائق و ما يزرعه من أوهام ، لكنه لم يوفق عندما ضرب مثالا بحرب الخليج عام 1991 ، التي أشار إلى انها لم تقع فعلا ، ما أدى إلى السخرية منه عندما قال البعض عنه : انه هو من اصبح خارج الواقع لا الحرب ذاتها ، مع انه ربما أراد بقوله ذاك انها - أي الحرب - لم تقع بالطريقة التي صورها الأعلام
و لم تكن نهاية الواقع التي بشر بها بودريار منفصلة عن نهاية التاريخ أو نهاية الصراع البشري القائم على الشعارات ، فهذا الصراع بنظره قد انتهى ليحل محله صراعا آخر ، محركه هذه المرة رأس المال نفسه ، أي متجردا مما يستره من شعارات ، ولكي يبرز ما للأعلام من دور في هذا الصراع ، عرض ما صنعه الأعلام حول مدينة ديزني المختصة بأفلام الرسوم المتحركة ، إذ صورها الأعلام الأمريكي بإنها المدينة التي لا نظير لها في هذا النوع من الأفلام ، والشيء نفسه فيما يخص (فضيحة ووتر غيت ) ، إذ صورها الأعلام الأمريكي كجريمة اخلاقية فيما أنها في الواقع من نتاج الجشع الرأسمالي .
لكن أخطر ما طرحه في هذا الصدد ، هو نفيه ان تكون علاقة الفرد بالشاشة مجرد علاقة تفاعلية ، بل علاقة مؤسسة لتداخل جذري يجعل الإنسان المتفاعل مع الحاسوب مجرد طبقة خارجية للشاشة ، وهذا ما يؤدي إلى إنعزال الفرد عن العالم الواقعي بقدر ما يؤدي إلى تغيير جذري في تصور الفرد  لنفسه وللعالم.
وهكذا وضع بودريار رؤيته للأعلام ، الذي رأى أنه بات اكثر إرتباطا بالربح والفائدة منهما بالحقيقة التي يفترض انها تمثل هدف الأعلام كما تطرحه الحداثة ، وفي واقع كهذا لا يمكن للفرد ان يدرك الحقيقة أو يحدد وجوده على ضوءها . 

 

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969