السبت، 11 مارس 2017

الحداثة من وجهة نظر هابرماز



باسم محمد حبيب
رغم ان ( يورغن هابرماز ) من المفكرين الأوربيين الذين نقدوا مشروع الحداثة والتنوير الاوربي ، إلا انه لم يفعل ذلك بدافع التشكيك بنهج الحداثة بل بمسارها فقط ،
داعيا إلى تقويم الحداثة كونها خير وصفة لتقدم الإنسان وتطور حضارته وقيمه ، ومن ثم فهو يتقاطع مع آخرين حكموا على مشروع الحداثة بالفشل والإفلاس ، من أمثال : جاك دريدا وبودريارد وفوكو وغيرهم ، الذين اتجهت طروحهم إلى نقد أسس الحداثة ومفاهيمها كالذات والوعي الذاتي والتقدم والحرية وفكرة الاتصال التاريخي التي راجت لدى الحداثويين .أما أبرز ما اتسم به طرحه حول الحداثة فهو ما يأتي :
1- ان نقد الحداثة لا يعني نقدا لأصلها بل لمظاهرها التي يمكن ان تكون نتاج فهم خاطيء لنهجها ورؤاها ، ومن ثم فهو بمثابة محاولة إصلاحية للحداثة التي تبقى في تجدد مستمر وسيرورة لا متناهية.
2- ان مصطلح ما بعد الحداثة لا يجب ان يوحي بنهاية الحداثة بل بتعديل لمسارها ، وذلك بإعادة التوازن الداخلي إلى الحداثة وإخراجها من دائرة الأزمة ، وإلا فهو سيكون مشروعا للهدم والتحطيم لا اكثر .
3- إن نقد تيار ما بعد الحداثة للحداثة الغربية هو في نظر هابرماز ليس الأول من نوعه ، بل سبقته اشكال عديدة من النقد ترجع كلها إلى هيغل ، أول مؤسسي هذا التيار بنظر هابرماز، بما في ذلك ذلك النقد الذي وجهته ما بعد الحداثة لمفاهيم الذات والوعي والعقل ولقيم عصر التنوير مثل العدالة والحرية والمساواة .
4- إن من السابق لأوانه الحكم على الحداثة بالفشل ، فبنظر هابرماز فإن مشروع الحداثة مازال لم يكتمل ابدا بعد ، مبينا انه حتى هؤلاء المشكين بنجاح مشروع الحداثة ، هم في حقيقة الأمر حائرون بين ان يختبروها إلى النهاية وبين ان يبحثوا عن بديل يحجم ما فيها من قصور فكري .
5 - إن النقد الجذري الذي وجهه بعض منتقدي مشروع الحداثة يفتقر إلى الانسجام ، سواء أكان ذلك في نقد الميتافيزيقا أم في نقد نظرية السلطة ، إلا أنه يؤشر أيضا الحاجة إلى وجوب الخروج من فلسفة الذات من خلال مخرج آخر ، ويتمثل هذا المخرج - على وفق رأيه - في الانتقال من عقل متمركز حول الذات إلى عقل تواصلي .
ومن ثم نجد ان مشروع هابرماز الفكري لا ينطلق من تقويض الحداثة بل من تدعيمها ، وذلك بالكشف عن مسار آخر يستند إلى آلية تواصلية ، كما رأينا فيما حققه التواصل بين الشعوب من نمو الرؤى الاجتماعية في مجال الأخلاق والقانون ، وفي ظهور مسارات ديمقراطية في امكنة لم تكن منتجة لها كما في اليابان وكوريا الجنوبية وغيرها ، وهكذا فإن هذه الإنجازات تعبر - في نظر هابرماز - عن تطور حقيقي يمكن ان يكون موازيا للتطور في قوى الإنتاج ، فضلا عن انها تكشف عن نوع آخر من العقلنة ليس وظيفيا أداتيا بل تواصليا اجتماعيا ، ومن ثم فقد عد هابرماز من ابرز المدافعين عن الحداثة ونهجها في التطور .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969