الجمعة، 31 مارس، 2017

استراتيجية التفكيك لجاك دريدا


باسم محمد حبيب 
يرى المفكر الفرنسي الجزائري المولد جاك دريدا ( 1930 - 2004 ) ، ان مركزية الكلمة في التراث الغربي ناتجة من الإعتقاد بمركزية الكلام وأسبقية الملفوظ على المكتوب ،
الذي هو في نظره نتاج تاريخ طويل من التراكم المعرفي والفكري امتد من العصور الاغريقية إلى العصر الحديث ، فبنظر التيارات الفكرية التي انتجها العقل الغربي خلال مسيرته الطويلة تلك ، لا يمكن للكتابة ان تعرض المعنى كما يعرضه الصوت او الكلام المباشر ، ذلك لأن الأصوات ترمز إلى المفاهيم التي من المفترض أنها تشكلت في العقل بمعزل عن اللغة وأن رموز اللغة ما هي إلا تجسيد لتطابق الدال والمدلول في العقل ، وهذا ما أدى بالمنطق إلى ان يغدو الركيزة الاساسية للفلسفة .
ولكي ينقض جاك دريدا ذلك ، عمد إلى القول بأسبقية الكتابة على الصوت وعدها الاساس في ظهور المفاهيم والأفكار وليس العكس ، إلا انه بخلاف الفكر القديم لم يعد الكتابة معبرة تعبيرا مباشرا عن المعنى كما هو الحال مع الكلام ، انما عن الاختلاف والبحث العميق عن المعنى ، مرتكزا قي ذلك على ما توصل إليه ( دي سوسير ) في بحوثه اللغوية ، لذا استند إلى اللغة في نقده للتراث الغربي الذي رأى فيه نوعا من الميتافيزقيا المتمركزة حول الكلمة أو العقل ، أما ركيزة استراتيجيته فهي النصية أو التناص والتي ترتكز بدورها على أمرين : (الأول ) فصل النص عن المؤلف ، بحيث يتم إهمال قصد المؤلف عند البحث في معاني النصوص ، أما (الثاني ) فيرتكز على تخليص النص من إطار اللغة .
ويعتمد جاك دريدا في هذا العمل على ما يسميه الإختلاف الذي يقود إلى الإحالة أو الإرجاء ، فالدال ، أي اللفظ ، لا يحمل في ذاته دلالة ما أو تعريف محدد ، فيما ان مدلول كل لفظة يتحدد من خلال عدم حضور المدلولات الأخرى ، فمعنى كلمة كلب مثلا لا تحمل في ذاتها أي دلالة أو معنى ، إنما تتحدد بالقول أن الكلب ليس ذئبا أو ثعلبا أو أو .. مثلما يتحدد معنى الاسد من كونه ليس إنسانا أو فيلا أو قردا إلى آخره ، ما يعني ان معنى كلب أو اسد متوزع بين سلسلة لامتناهية من الدوال الأخرى التي يعبر كل منها عن معاني لا متناهية .
هذا الامر بنظره يحرر القاريء من التقيد بقراءة معينة ويجعله يمارس تأويلات لاحصر لها ، فلو أخذنا مثلا جملة : ( البعير على التل ) ، فإن معناها الصريح يتحدد بإن هناك بعيرا واقفا على التل ، لكن تفكيكية دريدا تجعل هذا المعنى واحدا من احتمالات كثيرة لا نهائية ، إلى درجة قد ينفي احدها وجود الجمل او التل ويعده ( كمثال ) مجرد تعبير عن الدكتاتورية او التسلط ، وهو تفسير يتساوى في ما يملكه من حجة - بحسب فكر دريدا - مع التفسيرات الاخرى جميعا بما في ذلك المعنى الحرفي له ، هذا الامر شجع كثير من المفكرين العرب والمسلمين إلى تبني الخطاب التفكيكي لدريدا في تفسير القرأن الكريم ، إذ يمنحهم هذا الخطاب نوعا من المرورنة في إستحضار أي تأويلات يسعها النص ، كما في طروحات محمد اركون ونصر حامد ابو زيد وهاشم ضالح وغيرهم .
لكن عدم قدرتنا التامة على الامساك بالمعنى الحقيقي يعني ان جميع القراءات هي في حقيقة الامر إساءة قراءات مثلما كل التفسيرات هي إساءة تفسيرات .
لقد لاقت اشكالية الكتابة التي طرحها جاك دريدا نقدا واسعا من كثير من الفلاسفة أبرزهم : بول ريكور ويورغن هابرماز و هانز جورج غادامير، ففي مؤتمر عقد في كندا في منتصف السبعينات خاطب ريكور دريدا قائلا : " هناك غلو في التركيز على إشكاليات الكتابة، مصدره أنك تتعرض لقضايا لا تعالجها كما ينبغي، في ميدانها العلمي الصحيح، من حيث كونها قضايا تتعلق بتحليل الخطاب، لقد وقفت عند الحدود السيميولوجية، ولم تقترب قط من التخوم السيمانطيقية " أما هابرماز فقد اعتبر تفكيكية جاك دريدا مجرد شكل آيديولوجي مناوئ للعقلانية .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969