الجمعة، 13 يناير 2017

الموقع الحقيقي للحضارة الصينية بين الحضارات العالمية


باسم محمد حبيب 
على الرغم من التنقيبات الآثرية المتواصلة في المواقع الصينية القديمة إلا أن تاريخ الصين القديم مازال يلفه الغموض ، وذلك لوجود مواقع لم يجري التنقيب فيها حتى الآن ،
ومن تلك المواقع ما سمي بالأهرامات الصينية التي دفن بها جثامين اباطرة الصين ، إذ لم يتم نبش اغلبها على الرغم مما تحويه من آثار يرى كثير من الباحثين ان كشف النقاب عنها قد يكون له أثر في تغير نظرتنا إلى موقع الصين بين الحضارات العالمية ، ومع ذلك فإن ما كشف من آثار حتى الآن كاف لإعطاء هذه الحضارة منزلة مهمة بين الحضارات الأخرى ، يبقى الجدل حول موقعها بين الحضارات ومدى ما لحضارتها من أصالة ، إذ يرى المؤرخين الغربيين ان ظهور هذه الحضارة قد ارتبط بأسرة ( شانغ ) الحاكمة التي شهد عصرها ظهور اقدم اشكال الكتابة الصينية وهي مدونة على العظام وأصداف السلاحف في حدود 1600 ق.م ( جاكلين بيل و ريتشارد ليفي ، تاريخ الصين القديمة ، نهضة مصر ، 2013 ) ، ما يجعلها متأخرة في عمرها الزمني عن حضارات بلاد الرافدين ومصر والسند .
أما مصدر هذه الحضارة فقد انقسم الباحثون الغربيون بين من يرى ان مصدر هذه الحضارة خارجي وبين من يعدها نتاجا لتمازج بين الأصول الخارجية والمحلية ، ومن أصحاب الرأي الأول الباحث الفرنسي ( ألبرت دي لاكوبري ) ، الذي ابرز في كتابه " الجذور الغربية للحضارة الصينية الأولى من عام 2000 قبل الميلاد وحتى عام 200 بعد الميلاد " أن الحضارة الصينية ربما تكون قد انطلقت من بابل ، وهو الرأي الذي لاقى قبولا في الأوساط الصينية في بداية القرن العشرين ، ومن أبرز مروجي هذه الرأي من الباحثين الصينيين ( ليو شيبي ) أستاذ التاريخ في جامعة بكين ، وذلك في كتابه " تاريخ أمة الصين " الذي نشر في عام 1903 ، وقد راجت هذه النظرية على نطاق واسع حتى أنه جرى الإشارة للأمر في النشيد الوطني للجمهورية ، حيث وصفت الصين بأنها " السلالة الشهيرة لقمة جبل كونلون " الذي يمتد إلى آلاف الكيلومترات غربًا. وقد أشار مؤسس الجمهورية الصينية (سون يات سن ) في محاضرة له عام 1924 إلى أن " نمو الحضارة الصينية يمكن أن يعزى إلى أن المهاجرين نحو أرض الصين كانوا يمتلكون بالفعل حضارة متقدمة للغاية " ومن الأبحاث الصينية المتأخرة التي تؤيد هذا الرأي ، بحث قدمه ( سن ويدونج ) مؤخرا رأى فيه ان المهاجرين الذين نقلوا الحضارة إلى الصين جاءوا من مصر ، مستندا في ذلك إلى التشابه في صنع البرونز بين الحضارتين ،إلا أن رأيه لاقى رفضا واسعا في الأوساط الصينية  ( قناة العالم ) .
لكن الباحثين الغربيين مالوا أخيرا إلى ذلك الرأي الذي يرى ان هذه الحضارة هي نتاج تمازج لمؤثرات جاءت من الخارج مع عناصر حضارية محلية ، ومن هؤلاء الباحث ( روستوفتزيف ) الذي أورد في أحد كتبه انه " يتزايد بإضطراد إدراكنا بعظم تأثير الفن البابلي والفارسي على التطور الفني في بلاد الهند والصين كلما تعمقنا في البحث والإستقصاء " ( جورج رو ، العراق القديم ، ترجمة : حسين علوان حسين ، بغداد ، 1984) ، وهذا ما أكده أيضا ( غلين دانيال ) في كتابه " الحضارات الأولى : الأصول والأساطير " مبرزا الأثر العراقي القديم في نشوء الحضارة الصينية  ( ص 137 - 160 ) .
أما وجهة النظر العامة للباحثين الصينيين فأنها لم تعد كالسابق مرنة في قبول ما ينشره الغربيون عن حضارتهم إذ أنهم يرون ان في ابحاث الغربيين قصور أو تعسف ، فـ( تشياو دنغ يون) رئيس معهد بحوث الآثار لمدينة هاندان في مقاطعة خبي يرى ان "سعة التخزين بـ50 ألف كيلوغرام من الذرة والدخان قبل عشرة آلاف سنة ، تدل على المستوى العالي للتنمية الزراعية الصينية في ذلك الحين "، مضيفا " أن أعمال العلماء لتقييم عظام الكلاب والدجاج والخنازير وغيرها من الحيوانات في تلك الأنقاض، تدل على أن مواطني تسيشان بدأوا تربية الدواجن والمواشي قبل 8000 سنة، الأمر الذي يفند وجهة النظر التي تقول ان تدجين الدجاج ظهر في الهند منذ 4000 سنة " ، وبالتالي اصبح هناك كلام عن خمسة آلاف سنة من الحضارة الصينية ، لا بل ان بعض الباحثين يعود بهذه الحضارة إلى عشرة آلاف سنة انطلاقا من الأدلة التي يعتقدون ان كثيرا منها مازال مطمورا في باطن الأرض ( صحيفة الشعب اليومية ) .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969