الثلاثاء، 13 سبتمبر، 2016

نبذة مبسطة عن الفكر الاقتصادي العراقي القديم



باسم محمد حبيب


المقدمة
يمثل الاقتصاد ركيزة مهمة من ركائز اي حضارة إنسانية وأي مجتمع بشري فهو العمود الفقري للهيكل العام للدولة وهو الأساس الذي تبنى عليه المؤسسات الاجتماعية والسياسية والدينية والعسكرية .
وينقسم الاقتصاد في العادة إلى قطاعات عديدة تشكل بمجملها النظام الاقتصادي العام وهي تختلف من حضارة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر ففي البيئات الصحراوية يرتكز الاقتصاد على حرفة الرعي أما في البيئات السهلية فيرتكز الاقتصاد على حرفة الزراعة وفي البيئات الجبلية تتم في الغالب المزاوجة بين حرفتي الزراعة والرعي .
وحضارة وادي الرافدين بوصفها حضارة سهلية فأن حرفة الزراعة تشكل عماد اقتصادها لكن هذا لا ينفي وجود الحرف الأخرى إلى مساهمتها في الاقتصاد لا يمكن مقارنتها بمساهمة القطاع الزراعي .
ولأن الفكر هو صنو الواقع فأن للعملية الاقتصادية صنوها الفكري والذي يتمثل في جوانب التخطيط والنظرة الدينية والثقافية والرؤية المستقبلية  ناهيك عن الارتباط مع الجوانب الأخرى التي يتضمنها الواقع العام .
ولكي نلم بجوانب هذا الموضوع فقد قسم البحث إلى مقدمة وثلاث مباحث تطرق الأول إلى علاقة الاقتصاد بالدين وكيفت تبلورت هذه العلاقة وما هي مضامينها وآفاقها   المبحث الثاني تناول العلاقة بين الاقتصاد والسياسة وما هي الضوابط التي تحكم هذه العلاقة أما المبحث الثالث فقد تناول العلاقة بين الاقتصاد والحرب وطبيعة الروابط التي تجمع بينهما ونتائجها العامة ثم اختتم البحث بإيضاح أهم الاستنتاجات التي قدمها البحث متمنين أن نكون قد وفقنا في تحقيق الهدف الذي المرجو منه وشكرا .
                                                            الباحث
                                       (1)
دراسة الاقتصاد العراقي القديم تفضي بالنتيجة أن تناول الجانب الفكري في الاقتصاد العراقي القديم  لكي نتعرف على العوامل المحركة للاقتصاد العراقي القديم وعلاقة العامل الاقتصادي بالعوامل الأخرى سواء ما يتعلق بنقاط الالتقاء أو بنقاط الافتراق ولكن في البداية علينا ان نعرف مفهوم الفكر الاقتصادي أي ماذا نعني بالفكر الاقتصادي ؟ وهل هناك فكر اقتصادي أم لا ؟ وإذا وجد مثل هذا الفكر فما هي سماته ؟
ونبدأ بتعريف الفكر الاقتصادي الذي يقسم إلى قسمين ما يسمى بالتحليل الاقتصادي أو النظرية الاقتصادية وما يسمى بالسياسة الاقتصادية وفيما يخص التحليل الاقتصادي أو النظرية الاقتصادية فيقصد به : القوانين والروابط التي تحكم العلاقات والظواهر الاقتصادية المختلفة أما السياسة الاقتصادية فيقصد بها غالبا : السبل والوسائل التي تتبعها السلطات العامة للوصول إلى هدف معين وغاية محددة أما القسم الثالث فهو المذهب الاقتصادي ويقصد به الطريقة المتبعة في تسيير القطاع الاقتصادي للبلد [1] .
لكن هل هناك فكر اقتصادي في العراق القديم ؟ للإجابة نقول أن وجود وجود الحضارة هو أهم دليل على وجود الفكر لأن الحضارة تحتاج إلى فكر لكي تنمو تتطور وما دام العراق قد شهد واحدة من الحضارات الأصيلة فهو بالتأكيد يمتلك القدرة على إنتاج الفكر وفي شتى المجالات السياسية والاقتصادية والدينية والعسكرية .
أما سمات الفكر الاقتصادي العراقي القديم فيمكن إدراكها من خلال النظر إلى القوانين والروابط التي تتحكم بالاقتصاد العراقي القديم وعلى الوسائل التي تتبعها السلطات المختلفة في تسيير شؤون الاقتصاد والطريقة التي يدار بها القطاع الاقتصادي   .
                                (2)
  علاقة الاقتصاد بالدين
عندما نتناول علاقة الاقتصاد بالدين فأننا نقصد بالأساس النظرية الدينية للاقتصاد أي كيف ينظر الدين للاقتصاد ؟ وللإجابة على ذلك لابد ان نحلل العلاقة التي تربط الإنسان بالكائنات الماورائية سيما الآلهة هل هذه العلاقة شبيهة بالعلاقة التي تطرحها الأديان السماوية لعلاقة الإنسان بربه أم هناك اختلاف بين نظرة كل من الديانتين ؟
ان نظرة الأديان التوحيدية إلى العلاقة بين الإنسان وربه شبيهة إلى حد ما بعلاقة العبد بسيده فيما ان العلاقة بين الإنسان وآلهته في حضارة وادي الرافدين هي علاقة الخادم بمخدومه فمثلما ينشد الخادم الحصول على الأجر المادي المباشر لقاء خدمته ينشد الإنسان الحصول على بركة الآلهة ليحيا حياته دون منغصات أما كيف بدأت هذه العلاقة ؟ فالأساطير العراقية القديمة توضح لنا ذلك بشكل جلي فقد كانت الآلهة تكسب قوتها بنفسها وكانت تمارس الأعمال الشاقة من اجل ذلك فقبل نشوء الزراعة البشرية كانت هناك زراعة إلهية يقوم بها الزراع من الآلهة وقبل نشوء المهن البشرية كانت الآلهة تمتهنها ويبدو أن هناك نوعين من الآلهة مجموعة الآلهة الكبار وهذه الآلهة لا تقوم بأي عمل ومجموعة الآلهة الصغار وهي الآلهة التي تتحمل مشاق العمل لحساب الآلهة الكبار .
 لقد انقسمت قصص الخلق العراقية القديمة بشأن طرقة خلق الكون ففي حين وضعت قصص الخلق السومرية خلق الطبيعة والإلهة في إطار عمل واحد ، اذ كانت الإلهة المخلوقة أو المولودة تمثل خلق ظاهرة طبيعية معينة، مثلا أن ولادة أنو مثلت خلق السماء وولادة الإله (انكيEn-ki) هو خلق الأرض وولادة (انليلEnlil) خلق الهواء وولادة (أنشارAnšar) و(كيشارKišar) عملية خلق لـ الطمي والغرين([2])، في حين إن قصص الخلق البابلية جعلت خلق الطبيعة مصاحبا لقتل الإله مردوخ للإلهة الأزلية (تيامةTiamat)  .
                              (3)
لكن ما طبيعة عمل الآلهة ؟ و لماذا تعمل الآلهة ؟ أن الميثولوجيا العراقية القديمة صورت الآلهة على شاكلة البشر فهي تجوع وتعطش وتمارس الجنس وتحب وتكره وتغدر و ترحم وتحقد وترأف وما إلى ذلك لذلك فهي بحاجة ماسة للعمل لتلبية احتياجاتها الخاصة تقول إحدى الأساطير :
                              حينما كان الالهة مثل البشر
يضطلعون بالعمل ويقاسون الكد والعناء
(أجل) كان عبء الالهة ثقيلا جسيما
كان العمل ثقيلا والمقاساة شديدة
أن الالهة (الانوناكي ) السبعة العظام
جعلوا ألهة الـ ( الايكيكي ) يقاسون من العمل [3]


                               (4)

بعد الثورة التي قام بها الآلهة ضد آنو و أنليل كبيري الآلهة قرر هذان الإلهان خلق كائن يمكنه أن يحل محل الآلهة في العمل ونتيجة لهذا القرار خلق الإنسان الذي أصبح أشبه بالخادم أو العبد مهمته الأولى رفع التعب والشقاء عن الآلهة والقيام بخدمتها وتوفير الطعام والشراب لها وتلبية حاجاتها المختلفة يقول أحد النصوص :
حين يسمع (مردوك) كلمات الالهة
يشير عليه قلبه بان يخلق أشياء فذة
ينقل فكرته الى (أيا)
ويبلغه بخطته التي ادركها في قلبه
سأخلق دما وأوجد عظاما
ثم أنشىء الـ(اللو) الانسان
ستفرض عليه خدمة الالهة ليخلدوا للراحة [4]
لقد أصبح حال الالهة سيئا بعد حصول الطوفان بسبب عدم وجود من يقدم لهم الطعام والشراب :
لقد ناحت (ننتو) بكل حرارة عاطفتها
وبكى الالهة معا من أجل البلاد
وحينما جلست جلسوا معها يبكون
وملأوا الحوض كأنهم الغنم
ويبست شفائهم من شدة الظمأ
وحل بهم الضعف والشلل من شدة الجوع [5]

ان الالهة كانت تطعم يومياً([6])، وهنا اتفقت النصوص البابلية والآشورية على تقديم وجبتي طعام اساسيتين للالهة، اذ يرد: (تزويد معبد نينوى بالطعام والوجبات الصباحية والمسائية للالهة في نينوى) اما في بابل فقد كانت قوائم الطعام اوضح اذ يرد: (ان الالهة يزودون بوجبتين اساسيتين ووجبتين خفيفتين كل يوم)([7])، الوجبة الاولى عند الصباح تسمى (شيروšēru) وتعني عند الفجر او (كاصاتوkasâtu) وتعني عند برودة النهار([8]) عندما يفتح المعبد، اما الثانية فكانت تقدم في الليل مباشرة قبل ان تغلق ابواب الحرم([9])، واطلق عليها (نبتانوnaptanu) وتعني اكبر وليمة([10])
وكانت تهيأ امام تمثال آنو ثمانية عشر اناءً ذهبياً ([11])،وتوضع منضدة امام تمثال الاله وسبعة على يمين التمثال وسبعة على اليسار وفيها جعة فضلاً عن حليب في اناء حجري واربع آنيات فيها شراب معصور ويطلق في النص عليها بالفطور الصغير، وتكرر الوجبة مساءً لكنها تخلو من الحليب([12])
ويبدو ان هذه الوجبات قد قسمت فيها انواع الطعام المقدمة اذ تقتصر الوجبة الصباحية مثلا على تقديم المواد النباتية في حين تحوي الوجبة المسائية على اللحوم فقط مع المشروبات او بالعكس، إذ يرد: (جوديا وضع الفطور في زوايا المعبد ونثره على الارض، هو استخدام الشراب لتحضير الطعام للالهة، وجميع الاشياء لم تمسها النار، الشرابو العصير والفواكه والتمر والعنب)([13])، في حين يرد في قوائم طعام اخرى اسماء للحوم فقط، (سيذبحون لكل وجبة واحداً وعشرين خروفا من النوع الجيد عمرها سنتان وقد علفت بالشعير، وخمسة للتقدمة الاعتيادية تربت على الحليب، خمسة وعشرون خروفا لم تعلف بالشعير، مع ثورين مع عجل رضيع)، وايضا انواعاً من التمر المخصص لسفر الالهة وخبز مدمس بالزيت وزيت نقي ([14])، ومع اللحوم كانت توضع لبعض الالهة لحوم بيضاء تكون حكراً على معبد اله معين، فالاسماك كانت تقدم في محراب الاله ايا في اريدو وعلى موائده، اذ عثر في موقع العبيد ( ق.م) على طبقة سميكة من عظام الاسماك، وكان يصاحب تقديمها نشيد خاص :
 حين ينهض انكي تنهض معه الاسماك وتقدسه …
وكـان يقف بمعجزتـه على البحـر (آبسو)
ويجـلب السـرور الى البحـر (ابخـور)
وكـانت تصحبه الرهبة ويحيط بـه الرعب
بينما تحرك رياح الجنوب اعماق الفرات ([15])

وكان الكهنة في المعبد يفصلون تمثال الاله مع مائدة الطعام عن سائر الانظار بواسطة ستائر بيضاء تسدل حولهما ([16]).
ان ما يلفت الانتباه في قوائم طعام الالهة، انها كانت تحوي كميات كبيرة من الطعام التي لا يعرف على وجه التحديد سببها، هل كان ذلك ناجما عن كون الاله يختلف عن الانسان العادي ويتميز عنه حتى في كمية الطعام التي يتناول ؟
ام كان ذلك نتيجة طبيعية لكثرة عدد العاملين في المعبد، فهل يا ترى كان لهم نصيب من تلك الموائد الضخمة ؟  اذ يرد في احد القوائم:

(((12) اناء من النبيذ 
(2) اناء من الحليب
(18) اناء من الجعة
(243) قطعة من الخبز
(29) مكيال من التمر
(21) كبش
(2) ثيران
(1) عجل
(8) حمل
(60) طير
(3) كركي
(7) بطات
(4) خنازير برية
(3) بيض نعام
(1) قدح كبد ( فقط للتأكد انك لا تزال مستيقظا ) ([17])
ويبدو ان تلك النذور كانت تسلم للمعبد عند اوقات الطعام المحددة للالهة بشكل منتظم، وكانت ايضا احدى هذه الحصص مخصصة لكمية كبيرة من الخمور (البيرة)، كتلك التي خصصت لمعبد الاله سين([18]).وهناك حصص ايضا كانت تقدم من الملوك كوجبات طعام للالهة، على شكل ولائم في المعابد، كتلك التي يقدمها الملوك الآشوريون مثل الملك شلمنصر الثالث (858-824 ق.م)، واسرحدون (680-669 ق.م)، اذ يذكر: (وضعت النذور من الثيران والخراف من افضل المراعي في بلاد آشور لاجل ان تقدم كاضاحي الى اسيادي ولاجل ملوكيتي) ([19])، وكانت تعزف الموسيقى وترتل التراتيل والصلوات ويراق الدم على المحراب ويمتزج دخان اللحم المشوي بلهب خشب الارز او البخور العبقة، وكان جوهر هذا الطقس هو خدمة الآلهة، وهذه الواجبات جميعها يقوم بها الكهنة ([20]).
فأنـه سيمنحــك كــل الكنــوز
وسوف تزدهـر ايامك بفضل الهـك
وبعقلك راعي اللوحة :
الخـوف يولـد الرفـق والعاطفـة
والاضحيـة تطيــل العمــــر
والصــــلاة تخلص الاثم ([21])

                                         (5)
عمل الانسان لنفسه هل يجري على هامش عمله لصالح الالهة ؟
أن حق الالهة بالتمتع بثمرات عمل الانسان ليس حقا تعسفيا وأنما هو مبني على نوع من الشراكة فمقابل البركة التي تقدمها الالهة للانسان تحصل على القرابين التي تحتاجها :
هو الذي ادار شؤون المحراث والفدان
الامير العظيم (أنكي) هو الذي جعل الـ ... الثور أن ...
الذي غنى طربا من أجل الغلة الطاهرة
وفي الحقل الوطيد الاركان هو الذي جعل الغلة تنمو
الرب هو جوهرة السهل وزينته
الـ .... الفلاح (انليل)
(انكميندو) الذي عينه لرعاية شؤون القنوات والجداول
الرب الذي نادى على الحقل الراسخ هو الذي جعله ينتج المزيد من الغلة
(أنكي) هو الذي جعل الغلة تدر بالباقلاء الصغيرة والباقلاء الكبيرة [22]

يقول كريمر " أن ( أنليل) اله الهواء مصمم على خلق الاشجار والقمح ليحقق الوفرة والرخاء على وجه الارض " وهذا الرخاء هو من أجل الالهة بالدرجة الاولى لكن الانسان يستفيد أيضا لانه ومن خلاله يتمكن من العيش أيضا فعندما خلق أنليل الكائنين (اينتين ) و(ايميش ) فأنه خلقهما لاجل أن يرفعا من حجم الرخاء ويساعدا على ديمومة النمو في الاشياء :
(اينتين) هو الذي جعل الشاة تلد الحمل والمعزاة تلد الجدى
هو الذي سبب وفرة البقر والعجولوهو الذي زاد في نتاج السمن واللبن
وفي السهل هو الذي أدخل المرح الى قلب المعزاة الوحشية والخروف والحمار
طيور السماء هو الذي مكنها من بناء أعشاشها في الارض الواسعة
سمك البحر هو الذي مكنها من أن تضع بيضها في الاهوار
في بستان النخيل ومزرعة العنب هو الذي جعل العسل والشراب وفيرا
والاشجار حيثما غرست هو الذي جعلها تحمل الثمر
والغلة ومحاصيل النبات هو الذي جعلها تنمو
مثل (اشنان) آلهة الغلة العذراء الرحيمة هو الذي جعلها تنمو
(ايميش) خلق الاشجار والحقول وهو الذي أكثر من الاصطبلات وزرائب الغنم [23]
(6 )
تقديم النذور والقرابين الدافع الاساسي لعمل الانسان
 أن أهم واجبات الإنسان في حياته هو تقديم النذور والقرابين للآلهة وهذه النذور والقرابين ليست على شاكلة واحدة فهناك نذور وقرابين الطعام والشراب والجنس وما إلى ذلك والإنسان الجيد عند الآلهة هو الذي يواظب على تقديم النذور والقرابين والسيء هو الذي يتقاعس عن ذلك وبالتالي سوف لن يحضى بدعم الآلهة وسوف يتعرض لغضبها .
لقد قسمت القرابين  على نوعين الاول هو القرابين اليومية التي يطلق عليها
(
سا-دو sa-du) تقابلها بالاكدية (ساتوكو Satukku)، والثاني هو القرابين الشهرية  تلفظ بالسومرية (كوك gug) وتقابلها بالاكدية لفظة (كوكو Guggu) ([24])، وكانت عملية تقديم القرابين تقع على عاتق جميع افراد الشعب الامر الذي ادى الى زيادة امكانات المعبد الاقتصادية، ولاسيما ان توقيت استلامها كان منتظما ([25]).
الانسان يرفع عن كاهل الالهة اعباء ممارسة الزواج المقدس
((بعد ان حدق ببصره من تلك النقطة،
بعد ان أطل انكي فوق الفرات،
وقف بكبرياء، كالثور الفحل،
وسّل قضيبه وراح يقذف،
فملأ دجلة بمياه حيوية،
والبقرة المتوحشة تخور لصغيرها في المراعي،
لقد خضع دجلة له كما لثور فحل،
والحبوب التي جلبها، حبوبه المتنوعة يأكلها الناس
لقد ملأ بيت الايكور بالممتلكات
مع انكي يبتهج انليل وتفرح نفر([26])
 عمد (انليل) الى غرس قضيبه
في المنطقة الجبلية الرحبة،
وقدم لقمة الجبل هديته،
حبلت قمة الجبل بالصيف والشتاء، ثروة البلاد
والمكان الذي غرس فيه انليل قضيبه
جعله مثل الثور، يخور لذة
على الجبل ودونما حركة، قضى نهارا بكامله
وركب القمة ايضا ليلة كاملة
وهكذا وكما يستخرج الزيت الناعم،
جعل قمة الجبل تتمخض بالصيف والشتاء،
وقد تركهما مثل عجلين ارخصين،
يقضمان عشب الجبال،
حتى انهما ازدادا سمنة، واصبحا قويين،
بغذاء المراعي الجبلية([27])
لكن النذور والقرابين لا تقتصر على الآلهة فللموتى نصيب منها وهذا لا يأتي من حرص الآلهة على رفاهية الموتى بل حتى لا يعود الموتى إلى عالم الأحياء ويقوموا بإيذاء الأحياء فيتوقفوا عن إطعام الآلهة يقول آشور بانيبال : "عندما اقمت قرابيني وسكائبي لاجل ارواح الملوك الذين عاشوا قبلي, والرجال, للميت وللحي, لماذا ذلك المرض, الحزن, الالم, التدمير يلتصق بي؟ العداوة في البلاد, والنزاع في القصر, لم يغادر من جانبي, الاضطرابات, كلمات الشر باستمرار رتبت ضدي"([28]).
لقد وضعت الآلهة الموت على البشر ودافعها في ذلك حتى تكفي مؤنة الأرض للأحياء فيكونوا قادرين على آداء أتجاه الآلهة لأن تكاثر البشر سوف يعرضهم للمجاعة وسوف يوقعهم بالمشاكل فتلهيهم عن أداء الدور الموكول لهم من الآلهة فالموت في حضارة العراق القديم هو سلطة اقتصادية بالدرجة الأولى .


الخاتمة  
نستنتج من البحث ما يلي :
(1)إن الاقتصاد العراقي القديم ليس فعالية جامدة فهو مؤطر بإطار فكري يتناسب مع مستوى وواقع الحضارة العراقية القديمة في إطارها الزمني الممتد من الألف الرابع قبل الميلاد إلى أواسط الألف الأول قبل الميلاد .
(2)هناك ثلاث انواع من العلاقة التي تربط ما بين الإنسان وآلهته أولاهما علاقة العبودية التي تشبه علاقة العبد بسيده وواجب الإنسان في الغالب هو ممارسة العبادة للخالق اما علاقة النوع الثاني فهي اشبه ما يكون بعلاقة النوع الأول مع اختلاف ان واجب الإنسان أتجاه آلهته يتمثل بالعمل نيابة عنها وتوفير احتياجاتها من الطعام والشراب والجنس وما إلى ذلك والخدمة وهناك علاقة اخرى لا تهمنا هي علاقة البنوة والشراكة التي تعرفها ديانات اخرى كالديانة المسيحية .
(3)إن النظرة الدينية لعمل الإنسان انه يؤدي مهمتين الأولى رئيسية وتتمثل بخدمته للآلهة أي إن الإنسان أشبه بأجير يعمل لصالح الآلهة في مزارعها ومؤسساتها الإنتاجية الأخرى وان عمله لنفسه يأتي بالدرجة الثانية وهدفه هو تمكينه من أداء واجباته اتجاه الآلهة .
(4)اما اجور الخدمة او العمل الذي يقوم به الإنسان لصالح الآلهة فهو حصوله على حياة سعيدة او على الاقل بأقل قدر من الصعوبات والمشاكل ثم تنتعي مهمة الإنسان بمجرد وفاته وإنتقاله إلى العالم الأسفل .
(5)في حضارة وادي الرافدين يؤدي الموت وظيفة اقتصادية فالموت يخلص الآلهة من البشر العجائز أي غير القادرين على تكملة مهامهم أتجاه الآلهة فتأخذ ارواح الموتى لتسجن في العالم الأسفل حتى لا تعود إلى عالم الأحياء تؤثر على علاقة البشر بآلهتهم .

                                                                           
            
                        

([1]) . محمد لبيب شقير ، تأريخ الفكر الاقتصادي ، ( نهضة مص ، 1988 ) ، ص 6 – 7 .
(1)   M.A,Langdon, The Babylonian Epic Creation, Oxford,1923,p.12.
  ([3]) . طه باقر ، ملحمة جلجامش ، ط5 ، ( بغداد ، 1986 ) ، ص 219 .
(3)   . الكسندر هايدل ، سفر التكوين البابلي (قصة الخليقة ملحمة حينما في الاعالي ) ، ترجمة : سعيد الغانمي ، ط1 ( بغداد ، 2007 ) ، ص 72 .
 ([5] ) . طه باقر ، ملحمة جلجامش ، ص 239 .
(5)  G.Vandriel, The Cult of Aššur,(Assen, 1969), p.159.
([7])  هاري ساكس، عظمة آشور، ترجمة : خالد اسعد عيسى و احمد غسان سبانو ، ( دمشق ، 2008 ) ص294 ؛  .
(7) J.Quaegebeur, Ritual and sacrifice in the Ancient Near East, Orientalia lovaniensia Analecta 55, (Belgium: 1993), p.194.    
(8) Karen Rhea Nemet-Nejat, Daily Life in Ancient Mesopotamia , ( New York 2002) , p. 186.
(9)J.Quaegebeur, Ritual and sacrifice, p. 194.  
([11])  The Assyrian Dictionary of the Oriental Institute of the University of Chicago , N1,(Chicago 1980), C.A.D, p.321-322.                                    
([12])  شيبان ثابت الراوي ، الطقوس الدينية في بلاد الرافدين حتى نهاية العصر البابلي الحديث ، اطروحة دكتوراه غير منشورة ، جامعة بغداد ، كلية الآداب ، 2001 ، ص43-44.
([13])  حنان شاكر حمدان، جوديا امير سلالة لجش الثانية، (جامعة بغداد: كلية الآداب – رسالة ماجستير غير منشورة 2003م)، ص90.
([14])  شيبان ثابت، الطقوس الدينية، ص44.
([15])  محمد كمال الدين ومحمد منصور احمد، الشرق الاوسط في موكب الحضارة، (القاهرة: دار النهضة العربية للنشر ج2)، ص9-10.
(15)  Karen Rhea, Daily Life in Ancient Mesopotamia, p.186-187.
([17])  google/www.Religion  Mesopotamia/Ancient civilization , p.2-3.
([18])  H.H. Figulla, Accounts concerning allocation of probisions for offerings in the Ningal-Temple at Ur, IRAQ, vol.1 , 1953 .
(18)           CAD , N1 , p.320
(19 )  ليث مجيد حسين ، الكاهن في العصر البابلي القديم ، ( رسالة ماجستير غير منشورة ) ، كلية الآداب ، جامعة بغداد ، 1991 ، ص142.
(20)  اميرة عيدان الذهب، الكاهنات في العهد البابلي القديم، رسالة ماجستير غير منشورة، (جامعة بغداد: كلية الاداب –قسم الآثار، 1999م) ، ص12-13.
([22]) . صموئيل نوح كريمر ، الاساطير السومرية ، ترجمة : يوسف داوود عبد القادر ، ( بغداد ، 1971 ) ، ص 103 .
 (22) . كريمر ، أساطير سومرية ، ص 78 .
(23 مريم عمران، الفكر الديني عند السومريين في ضوء المصادر المسمارية ، اطروحة دكتوراه غير منشورة ، كلية الآداب ، جامعة بغداد ، 1996 ، ص256.
(24)  رشيد الناضوري، المدخل في التحليل الموضوعي المقارن للتأريخ الحضاري والسياسي لجنوب غرب آسيا وشمال أفريقا ، ( دار النهضة ، 1989 ) ، ص62.
(25)  صموئيل نوح كريمر، السومريون ، ترجمة : فيصل الوائلي ، ( الكويت ، 1973 ) ، ص198.
(26)  قاسم الشواف ، ديوان الاساطير ، ( بيروت ، 1999 ) ، ج2 ، ص41-42
[28] . S.C Brown ,The collapse of The Neo – Assyrian  Empire , CSMS .B, (Bulletin: 1999), vol.34 ,p.70 .                                        
(28) منذر علي عبد المالك, نصوص مسمارية غير منشورة من العصر الآشوري الحديث من المتحف العراقي ,رسالة دكتوراة غير منشورة, (جامعة بغداد: كلية الآداب- قسم الآثار ,2004م), ص9.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969