الاثنين، 11 أبريل 2016

الوجه الآخر لما بعد الحداثة


باسم محمد حبيب
 
خطاب ما بعد الحداثة يبدو لنا وكأنه خطاب معرفي لكنه في حقيقة الأمر خطاب ايديلوجي ، فهو ليس موجهاً لتحطيم المركزية الغربية كما يطرح البعض بل لفك ارتباط
الغرب بالحضارات الأخرى ، وإنشاء حضارات منغلقة على ذاتها يعيش كل منها في عالمه الخاص ومجاله الحيوي ، لا تأثير ولا تأثر ، فلو عاينا مقدار الفائدة أو الضرر الذي يمكن ان تحوزه هذه الحضارات من هذه الأيديلوجيا ، لوجدنا ان الضرر الذي يصيب الغرب منها ليس بقدر ما يصيب الحضارات الأخرى بحكم حاجتها إلى إستلهام قيم الغرب أو مساره في التطور ، فبإمكان الغرب الإحتفاظ بتفوقه الحضاري والإبداعي حتى مع أنعزاله عن الحضارات الأخرى ، لكن ليس بإمكان الحضارات الأخرى ان تنشد التطور من دون ان تستفيد من خبرات الغرب وما لديه من تراكم معرفي كبير .
ومن ثم من المحتمل ان يكون من دوافع ظهور هذا الفكر ( أي فكر ما بعد الحداثة ) الخشية من المخاطر التي يمكن ان تجلبها الحداثة للمشروع الغربي ، انطلاقا من الاعتقاد بأن الحداثة وأن كرست المركزية الغربية و ساعدت على تمكين الغرب من الوصول إلى المواد الأولية التي تتطلبها صناعته ، فضلا عن إيجاد الأسواق التي يمكن تصريف المنتجات الغربية فيها ، إلا أنها في الوقت نفسه فتحت أبواب الغرب على كثير من المخاطر ، منها خطر ذوبان الأعراق الغربية في الأعراق الأخرى ، وما يترتب على ذلك من اختفاء الخصائص التي تجعل من هذه الأعراق مبدعة ومتفوقة ، فضلا عن الخشية من فقدان الهيمنة الغربية بعد أن تأخذ الحضارات بأسباب التطور التي يتيحها الأتصال بالغرب ، أما الأستراتيجية التي رأى هذا التيار انها تمكنه من ابعاد هذه المخاطر ، فترتكز على أمرين : ( الأول ) إثارة خوف الغرب من زيادة الإتصال بالحضارات الأخرى ، ودفعه إلى تقنين هذا الأتصال حفاظا على التفوق الغربي والهيمنة الغربية ، و ( الثاني ) محاولة استنهاض همم الحضارات الأخرى وبعث الروح في قيمها الحضارية ، لكي تستشعر ذاتها وتعتد بمنجزاتها ، فتعود المناجزة الحضارية التي فقدها العالم منذ أمد بعيد ، وبالذات منذ ان هيمنت حضارة الغرب المتفوقة على العالم .

أما الأساس في استراتيجية ما بعد الحداثة فهو نقد العقل الغربي وبالذات نقد تعاطيه مع الآخر المختلف ، فإذا كان الآخر في نظر الحداثة هو مثيل أو امتداد ، فإنه في نظر ما بعد الحداثة ليس كذلك بل الغير والذي يختلف عنك في نواحي كثيرة حضارية ونفسية وعقلية ، وهذا ما ينسحب على رؤية ما بعد الحداثة للفوارق بين الحضارات فهي في نظرها فوارق صميمية لا يمكن تجاوزها بسهولة ، على الضد من الحداثة التي تجدها فوارق شكلية يمكنها ان تختفي فيما إذا أخذت الشعوب المتخلفة بأسباب التطور الحضاري مثل الشعوب المتقدمة ، وإنطلاقا من ذلك ليس بالمستبعد ان يكون وراء هذه النظرة رؤية عنصرية ، هذه المرة بملمح حضاري بعد ان استغنى الغرب عن العنصرية بأشكالها الأخرى .

ومن ثم ترى ما بعد الحداثة ان من غير المجدي نقد المنتجات الفكرية لمجتمع معين بمقارنتها بمنتجات مجتمع آخر ، إنما لابد من اعتماد استراتيجية التشريح والتقويض من الداخل ، أي بإعتماد الأدوات اللغوية والسيسولوجية .. ، وعلى الرغم من ان هذا النقد يمكن ان يكون أكثر تأثيرا من النقد الآخر ، إلا أن ما يؤسسه هو التمحور في إطار ثقافي ضيق ، إطار لا يمكنه ان يعبر من تخوم الثقافة المؤسسة إلى آفاق معرفية رحبة ، لأنه سيبقى أسير الدوران في لعبة تفكيك نصوص الثقافة بحثا عن النص المثالي الذي لا يمكن بلوغه .


ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969