السبت، 26 مارس، 2016

ثقافة الفساد

 باسم محمد حبيب 
دفع تفشي الفساد في العراق العديد من الكتاب والمحللين إلى رده لعوامل ثقافية، عادين شيوعه في العقود الأخيرة نتاجا لثقافة اجتماعية لا ترى فيه أمرا مستهجنا أو
معيبا، بل ترى فيه أمرا طبيعيا يتناسب مع منافسة الآخرين للفرد في تحقيق أهدافه وضمان مصالحه.
 ويرى مؤيدو هذا الرأي ان في الثقافة الشعبية العراقية ما يؤيد ذلك ، إذ إن نظرة الناس في مجتمعنا إلى اللص (الحرامي) وقاطع الطريق (الناهب) ليست كنظرة الثقافات الأخرى له، فإذا كان هذا في نظر الثقافات الأخرى مجرما مدانا ويستحق المقت والاستهجان والعقوبة والنبذ، فهو  في نظر ثقافتنا شخصا قويا وجريئا يستحق الثناء والتقدير فضلا عن الافتخار به من قبل ابنائه واحفاده.
في مقابل ذلك نجد أن البعض الآخر ينفي أن تكون للفساد صلة بالعامل الثقافي بل بالعامل السياسي ، وبنظر هؤلاء لا توجد ثقافة تدعم الفساد وإنما هناك عوامل أخرى تدعمه وتبدو للمراقب وكأنها عوامل ثقافية في حين أنها لا تعدو ان تكون عوامل أخرى سواء كانت اجتماعية أو سياسية.
ويرى هؤلاء أن للممارسة السياسية دورا كبيرا في شيوع الفساد نظرا لعدم تمكنها من بناء منظومة قادرة على مناهضته ومكافحته ، إذ تبين الوقائع عجز الدولة عن إصدار القرارات التي تمكنها من محاكمة الفاسدين ومتابعة ملفات الفساد فضلا عن تفعيل أجهزة المراقبة والمحاسبة لتقوم بعملها بالشكل المطلوب والصحيح.
لكن ظاهرة الفساد - ان أمكن ربطها بالعامل الثقافي للأسباب سالفة الذكر - لا يمكن عدم ربطها بالممارسة السياسية نظرا لأن الدولة بأجهزتها الرقابية والقضائية والتنفيذية كانت قادرة على منع الكثير من المعاملات الفاسدة ومحاسبة الفاسدين إلا انها لم تقم بذلك ، الأمر الذي أدى إلى تغول الفساد وتضخمه وتحوله إلى داء خطير يهدد كل شيء ، وهذا الامر يصح أيضا على العامل السياسي الذي لا يمكن عده السبب الوحيد في تفشي هذه الظاهرة وانتشارها في مؤسسات الدولة ومرافقها المختلفة، وهو امر ان دل على شيء فإنما يدل على وجود بعض
العوامل الثقافية الداعمة سواء كان مبعثها عوامل اجتماعية أو نفسية.
ومن ثم لا مناص من عد الفساد نتاجا لكلا العاملين: العامل السياسي نظرا لعدم وجود جدية كافية وعمل حقيقي في مكافحة الفساد الذي كان بالإمكان معالجته سواء أكان ذلك بالتشريعات التي يسنها البرلمان أو بالقرارات التي تصدرها المؤسسة القضائية أو بالإجراءات التي تتخذها السلطة .


نشرت ايضا في موقع الصدى نت

هناك تعليقان (2):

الدكتور ابراهيم خليل العلاف يقول...

بارك الله بك اخي الدكتور باسم محمد حبيب على هذه المقالة الجميلة .. وحسنا فعلت عندما عنونتها ب"ثقافة الفساد " نعم هذه الثقافة التي اشاعها المحتلون البغاة الغزاة الاميركان عندما اسقطوا الدولة العراقية وفككوها وجعلوها شيعا واحزابا ونشروا الطائفية وذلك من خلال ادواتهم وعملاءهم الذين كانوا يعيشون في اوربا على الصدقات من البلديات وغيرها .ثقافة الفساد هم من اسسوها وافسدوا العديد ممن لايمتلكون ثقافة عميقة الجذور واغلب من يدافع عن هذه الثقافة هم من انصاف المثقفين ولقاء بضعة دولارات وبدوافع منها الحقد على الثقافة العراقية العميقة الجذور ...ليعودوا فقط الى شريعة حمورابي ويقرأوا المواد الخاصة بالسرقة ليروا ان العراقيين يأنفون من الفساد والسرقة والظلم ...اشد على يديك دكتور واتمنى لك التألق الدائم

باسم محمد حبيب يقول...

مرورك الطيب اسعدني كثيرا شاكرا ما تفضلت به من تعقيب وضعت فيه النقاط على الحروف فالفساد ثقافة لا يمكن مواجهتها إلا بثقافة مقابلة تعزز الأخلاص والنزاهة ونحن للأسف نفتقد لهذا النوع من الثقافة .. شكرا جزيلا دكتور

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969