السبت، 27 فبراير 2016

صولة ضد الفساد

باسم محمد حبيب
 الصباح العراقية  
المراقب للوضع العراقي الحالي سوف يلاحظ حالة غير مسبوقة من الغضب العارم تشهدها الأروقة السياسية والمحافل الاجتماعية والمنابر الدينية والاعلامية ضد
الفساد، فالكل يصدح برفضه ، والتنديد به ، والتحذير من مخاطره ، والدعوة لمكافحته بكل السبل المتاحة القانونية والإدارية والدينية والسياسية.
إننا نجد ذلك واضحا في التصريحات التي يصدرها المسؤولون العراقيون بمختلف اتجاهاتهم الفكرية والسياسية ، وفي الخطب التي يلقيها رجال الدين في المنابر الدينية، فضلا عن القرارات القضائية والمحاضرات الأكاديمية والندوات الثقافية
وبرامج منظمات المجتمع المدني باختلاف توجهاتها، وما إلى
ذلك من الأصوات التي باتت تملأ الساحة بعلوها وصراخها المدوي.
لكن وعلى الرغم من هذه الأصوات العالية والمدوية وهذا النشاط المغالي في حدته وغضبه ، لم يتخذ حتى الآن أي إجراء لمتابعة ملفات الفساد أو محاسبة المسؤولين الفاسدين ومتابعة ما سرق من الأموال أو ما هرب منها إلى خارج العراق ، إذ بقي هذا الرفض حبيس النداءات والدعوات التي تطلقها هذه الشخصية أو تلك أو هذا الطرف أو ذاك او هذه الجهة او تلك، ولم يتحول إلى خطوات عملية تضع الفساد في مرمى إجراءاتها الفعلية وممارساتها العملية من اجل وضع حد له.
ان ما يريده الناس ليس الرفض أو التنديد فقط ، فهذا الأمر لا يمكنه ان ينهي الفساد أو يقف حائلا دون تفشيه وتوسعه ، بل لا بد ايضا إضافة إلى ذلك من العمل الجاد المسلح بالفتاوى الدينية والقرارات القضائية والإجراءات التنفيذية، فضلا عن الوسائل الأخرى التربوية والإعلامية والثقافية، لكي يترجم الرفض أو التنديد إلى أفعال ملموسة مؤثرة في بنيان الفساد ومنظومته الصلدة وشبكته المتفرعة والمتشابكة.
لقد جاء الوقت الذي لا بد ان تتحول فيه هذه الأقوال إلى أفعال ملموسة ، ليس لأن الشعب يريد ذلك وحسب ، بل ايضا لأن الأمور لم تعد تسمح بغير ذلك ، فالأزمة الاقتصادية ليست كغيرها من الأزمات، ولا يمكن تحملها كما يمكن تحمل الأزمتين السياسية والأمنية ، كونها بخلاف الأزمتين الأخريين تمس معيشة الناس وحياتهم المباشرة ، لذا لا مناص من العمل الفعلي لإنقاذ ما يمكن انقاذه قبل ان يصول الفساد صولته الأخيرة ليحول حياة الناس إلى كابوس ويغرق مركب البلاد بمن فيه.
لقد أصبح الفساد خطرا وجوديا يهدد حياة الأفراد فضلا عن استقرار البلد ، لذلك لا بد ان يتم النظر إلى مكافحة الفساد بوصفها خيارا اخلاقيا بل بوصفها خيارا وجوديا لا مناص منه ولا سبيل لتجاهله، الامر الذي يضع على عاتق الجميع مسؤولية كبرى لكي تخرج البلاد من مأزقها الوجودي
الذي يهدد بتشظيها واختفائها إلى حالة الأمان التي يرنو لها الجميع والتي لا يمكن لأحد ان يتغاضى عنها أو يتساهل مع مطلبها.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969