الأحد، 9 أغسطس 2015

حقيقة ديانة الإلهة الأم

م.م باسم محمد حبيب  
مديرية التربية ـ ذي قار.
م.م عدي احمد عبد الرزاق 
 كلية الآداب ـ جامعة واسط.
ملخص
يتناول البحث ظهور عبادة الإلهة الأم بوصفها إحدى العبادات البشرية الأولى ، إذ ارتبطت هذه العبادة بسعي الإنسان لكسب الرزق وتحسين واقعه المعاشي لا سيما بعد
اهتدائه للزراعة ، إذ اعتقد الإنسان القديم بوجود علاقة ما بين خصوبة الأرض وخصوبة الأنثى وما بين زراعة الأرض وإخصاب المرأة ، ما دعاه إلى نحت دمى صغيرة للإلهة الأم ، تمثلت فيها كل معاني الخصوبة ، اذ رأى ان التقرب الى هذه الإلهة يسهم في زيادة إنتاجه الزراعي ، وقد انتشرت دمى هذه الإلهة في معظم أرجاء الشرق الأدنى القديم ، فضلاً عن مناطق أخرى في أسيا وأوربا وبشكل خاص في المناطق الزراعية.

Abstract :
The resent discussed appears of Goddess Mother as one of the first worships kind of worship related with human seek to gaining and improve his life specially after discovering Agriculture .


مقدمة:
بعد العثور على أعداد كبيرة من الدمى الأنثوية التي تبرز فيها معالم الخصب والأنوثة ، ظهر تساؤل عن طبيعة هذه الدمى : هل تعد نوعا قديما من الديانة ؟  أم أنها مجرد ظاهرة فنية أو اجتماعية لها علاقة بتطور الوعي البشري ؟ كذلك برز سؤال آخر عن مدى انتشار هذه الظاهرة ، فما دامت هناك دلائل على أن هذه الظاهرة ليست مقصورة على منطقة معينة بل ظهرت في مناطق مختلفة ومتباعدة ، فهل هي نتاج طابع غريزي متأصل في ذات الإنسان أم نتاج انتقال حضاري  على غرار ما حصل في ظواهر مماثلة ؟ وأخيرا ما علاقة هذه الظاهرة أو الديانة مع ظواهر متأخرة عنها لها علاقة بموضوعة الجنس والخصب ، كظاهرة الزواج المقدس التي شاعت في مناطق عديدة من العالم وبشكل خاص في بلاد الرافدين ؟ .
أن غاية هذا البحث هي الإجابة عن هذه التساؤلات للوصول إلى حقيقة هذه الظاهرة مع البحث بإمكانية ربطها مع ظواهر تلتها في الزمن  أو مازالت متأصلة في قيمنا ووجداننا .
المبحث الأول / الدمى النسوية هل هي ديانة أم ظاهرة فنية ؟  
من أهم الظواهر التي لفتت الانتباه في آثار الإنسان ، للعصر الحجري الحديث هو انتشار الدمى النسوية والرموز الجنسية التي أشير إليها بالإلهة الأم (Mother Goddess  ) في الكثير من المناطق التي استوطنها الإنسان القديم ، ما يدفعنا إلى التساؤل حول طبيعة هذه الدمى ؟ و هل تعد نوعا قديما من الديانة أم أنها لا تعدو أن تكون ظاهرة فنية تتعلق بطبيعة التطورات الاجتماعية والحضارية التي شهدها الإنسان في تلك الفترة ؟
إن أول ما يلفت الانتباه عند معاينتنا لنماذج الدمى النسوية ، أنها تبدو متفاوتة في مستواها الفني ، فهناك نماذج دقيقة وجميلة وهناك نماذج ساذجة وبدائية ، إذ تتوزع هذه النماذج على مناطق واسعة من العالم أهمها :
1-    أوربا
إذ تم العثور فيها على دمى صغيرة ( ارتفاعها من 5 إلى 25 سنتمتر ) ، منحوتة من الحجر أو العظم أو العاج لنسوة بدينات أطلق عليهن خطأ تسمية الفينوسات ( نسبة لإلهة فينوس الرومانية ) ، لكن ثبت بعد التحري الدقيق أن هذه الدمى تعود إلى أزمان موغلة في القدم [1]، ويمكن تحديد ابرز نماذجها في :
أ‌-       الرأس المسمى بغادة براسمبوي
وهو رأس من عاج حيوان الماموث عثر عليه في براسمبوي في مقاطعة لاند الفرنسية وهو يعود للعصر الاورغنيشي (Aurignacian ) [2]، يمثل رأس فتاة صفف شعرها بشكل خطوط متقاطعة ، وأظهر الفنان المعالم الرئيسة بنجاح  مع تخطيط الأنف والعينين والحاجبين ، إلا أنه لم يظهر الفم [3] .
ب‌- دمية سيريل
وهي دمية عثر عليها في منطقة سيريل في إقليم الدوردون في فرنسا ، تمثل جذعا لامرأة ذراعاه وساقاه مقوسان مع قلة في بروز الصدر ، أما الرأس فكان محطما تماما ، إذ لم تبقى منه سوى خصلة صغيرة من الشعر ، والجذع ضيق من الأمام والخلف ، متسع من الجانبين ، وتخترق جانبيه العريضين ثقوب قد تكون مؤشرا على أن الدمية كانت تستخدم كتميمة ، فيما حور الفنان الذراعين والساقين بحيث بدت قصيرة وملتصقة بالجسم ربما من اجل أن يجمع بين الأعضاء والجذع حتى يكون الشكل وحدة متصلة ، ومع ذلك حرص الفنان على إظهار الأجزاء المهمة  عن طريق الخطوط المنحنية الجميلة وأبدع في إيصال الفخذين بالجذع من الأمام والجانبين [4].
ج‌-   فينوس لسيبيج
وهي دمية عثر عليها في فرنسا في كهف ( ريدو ) ، مصنوعة بشكل جيد ، إذ الفخذان بارزان من الجانبين ، والصدر شديد الانخفاض إلى الأسفل ، والرأس بيضوي محور ، إلا أن الرجلين مجردتان ومحورتان بشكل واضح ، وهما قصيرتان وبلا قدمين [5].
ح‌-   فينوس فلندروف
وهي دمية مصنوعة من الحجر الجيري ، حجمها صغير ، تمثل امرأة بدينة قصيرة الساقين ، ذات ذراعين صغيرتين منثنيتين وضخمتين ، وشعرها مجعد ، ووجهها غير واضح ، وقد بالغ الفنان في تمثيل حجم الوجه [6].
خ‌-   دمى غاغارينو وميزين في أوكرانيا   
إذ عثر على وجوه نسائية منحوتة على عظم ماموث ، وهي مفصلة مع بطن مبالغ فيها ، والرأس مجرد من الملامح ، لكنها تبدو في حالة جيدة ، وتتسم بسمات فنية مناسبة ، أما القطع الأثرية المكتشفة في ميزين ، فكانت مقولبة بقوة ، إذ يمكن أن يفسر بعضها كأشكال نسائية مختصرة لعناصر هندسية لا سيما في أوربا الوسطى [7] .
2-   دمى الشرق الأدنى القديم
ويلاحظ مثل هذا التفاوت في الدمى النسوية التي عثر عليها بأعداد كبيرة في منطقة الشرق الأدنى القديم  ، ربما فاقت تلك التي عثر عليها في مناطق أخرى ، وقد وجدت الدمى في اغلب بلدان هذه المنطقة ، وأهمها :    
أ‌-       العراق
في العراق عثر على أعداد كبيرة من الدمى ضمن مكتشفات قرية جرمو ( 35 كيلومترا شرق كركوك ) [8] ، كما عثر في أم الدباغية على أشكال أنثوية غير واضحة المعالم ، كأن تكون بدون رأس أو يدين مضخمة العجز ، والبعض منها بدون ساقين ، والأخرى مضخمة العجز والساقان [9] ، كما عثر في تل الصوان العائد لدور سامراء [10] في شمال العراق على دمى كثيرة في رقابها قلائد من الشذر الأزرق ، وطعمت عيونها بالصدف ، رأس أحداهما مغطى بالقار كناية عن الشعر الأسود [11]، كما عثر على دميتان من الفخار على رأسهما قير يمثل الشعر الأسود ، إحداهما تحمل طفلا ، عثر عليهما في مدينة أور[12] ، وهما يعودان إلى عصر العبيد [13].
ب‌- مصر
وفي مصر عثر في مرمدة بني سلامة على دمى مختلفة تمثل نساءا عاريات ، وهناك دمية لامرأة  تمتاز بدقة خطوطها ، وقد صنعت أغلب هذه الدمى من الطين ، لكن بعضها صنع من العاج [14].
ت‌- إيران
في إيران عثر على دمى أنثوية ذات رأس مدبب وصدر بارز في مواقع ( كانج دارة ) و ( تبة كوزان ) و ( دريوس مردة ) ، أما موقع ( تبة سراب ) فقد عثر فيه على أعداد كبيرة من الدمى منها : دمية أنثوية متميزة عرفت بـ ( فينوس تبة سراب ) [15].
ث‌- آسيا الصغرى
يعد موقع ( جطل خيوك ) الذي يعود تأريخه إلى 6000 ق.م من أهم مواقع آسيا الصغرى التي عثر فيها على دمى نسوية تمتاز بأشكال مختلفة : امرأة جالسة وعلى كتفها شبلان أو جالسة على كرسي له مسند يحمل أسدين أو تضع يديها على نهديها أو بدون رأس ، بارزة النهد وذات عجز كبير عليه خطوط سوداء ، وقدمها مشابهة لقدم الدمية التي عثر عليها في تبة سراب الإيرانية [16] ، ومما تمتاز به هذه الدمى : احتوائها على عناصر زينة وأشكال رمزية طقوسية كرأس الثور وقرونه  [17] ، كما عثر في ( سيلار ) و( ساتال هيوين ) على العديد من التماثيل المصنوعة من الحجارة والطين ، أبرزها تمثال لامرأة تظهر بثلاث صور : فتاة شابة وأم ولود ثم إمرأة عجوز مترافقة أحيانا مع طائر صيد ، وفي ( هاسيلار ) عثر على تماثيل تبرز فيها امرأة جالسة على جلد فهد أو واقفة ممسكة فهدا صغيرا ، وقد تظهر لوحدها جالسة القرفصاء أو مضطجعة أو مصحوبة بطفل ، وأحيانا تكون عارية أو مجهزة بغطاء للمناطق الأنثوية ، وهنا قد تكون ممثلة بامرأة شابة أو متقدمة بالسن [18] .
ج‌-   بلاد الشام
وفي بلاد الشام عثر على نماذج من هذه التماثيل منها : دمى عثر عليها في فلسطين ، يعود تأريخها إلى حوالي 4500 ق.م ، تمثل إمرأة في وضع مرعب وشيطاني [19] ، كما عثر في أريحا على دمى ثلاثية لرجل وامرأة وطفل ربما تمثل بداية التثليث الديني  [20]  .
 الخلاصة
1-   أن هذه الدمى تبدو متفاوتة في مستواها الفني ، إذ بينما هناك نماذج دقيقة وجميلة هناك نماذج ساذجة وبدائية ، الأمر الذي يؤكد اختلاف مهارة مصنعيها وتباين إمكانياتهم الفنية .
2-   إبراز هذه الدمى لمعالم الأنوثة يضعنا أمام أمرين : إما أن هذه الدمى هي تعبير لظاهرة فنية محضة  أو هي ظاهرة عبادية يمكن ربطها بعبادة الخصب .
3-    تحتوي هذه الدمى على رموز معينة ، ما يعطيها معنى يتجاوز المعنى الظاهري كمعنى الخير أو الشر أو الخصب  أو أن تكون لها وظيفة سحرية ، فضلا عن أن انتشار هذه الدمى مكانيا واستمرارها زمانيا واحتوائها على رموز معينة هو مما يؤكد كونها شكل من أشكال العبادة يمكن تحديدها بعبادة الإلهة الأم .

المبحث الثاني / انتشار التماثيل النسوية وعلاقتها بالتطور البشري
بعد أن عرفنا إن هذه الدمى تقدم لنا صورة جلية لواحدة من العبادات القديمة والتي يمكن تحديدها بعبادة الإلهة الأم فضلا عن امتدادها على مساحة جغرافية واسعة ، فإن من الضروري البحث في أسباب انتشارها : هل جاء نتاجا لطابع غريزي متأصل في ذات الإنسان أم نتاج تفاعل حضاري ، إذ إن هناك إمكانية لفهم ظاهرة انتشار هذه العبادة على انه مرتبط بالغريزة البشرية ، فما دام الجنس البشري متشابه في شكله وتكوينه وفي وظائف أعضائه ، فلابد أن نجد تشابها في مزاجه وسلوكه ، لأن الحاجات والتساؤلات واحدة ، ومن ثم لابد أن تكون وسائل إشباع تلك الحاجات والإجابات متشابهة ، ولعل مما يؤيد هذا الرأي أن هذه العبادة وجدت في قارات مختلفة بحيث يصعب بإزائها الاعتقاد بحصول اتصالات بين هذه المناطق ، ولكن من الصعب فهم الشبه الكبير في الأساليب الفنية  بدون الاعتقاد بحصول هذا الاتصال ، ففي معظم نماذج الشرق الأدنى القديم نلاحظ جهدا فنيا عاليا يمكن تشبيهه بنماذج ابعد جغرافيا كما في دمى ليسبوج وليندوروف في أوربا ، إذ نلاحظ في كلا النموذجين ضخامة هائلة للردفين تفوق ضخامة التماثيل المماثلة المكتشفة قبلها ، فيما كانت الذراعان مكتنـزتان مع اختلاف في تمثيل الثديين ، كما عثر على نماذج للعضو الجنسي الذكري في مواقع شمال العراق والشرق الأدنى القديم [21] تشبه إلى حد ما نماذج مماثلة منحوتة على صخور تقع في أسبانيا جرى تفسيرها كرموز ذكورية [22]، وقد عثر في مواقع الثقافة الحلفية على صور لنساء ذوات أثداء مبالغ فيها مترافقة مع حمائم وهي ممثلة أحيانا كثيرة بوضع القرفصاء [23] ، وهذا النوع من التماثيل يؤدي على ما يبدو وظيفة طقوسية يمكن تشبيهها بالوظيفة التي تقدمها تماثيل عثر عليها في مستوطنات بعض قبائل الصيادين في آسيا الجنوبية ، وهذه التماثيل تمثل على ما يبدو الجسد الأسطوري الذي يفترض تحدر كل الأعضاء منه [24] ، وأيضا لما تقدمه تماثيل نسوية عثر عليها في جيرازيموف في سيبريا [25] ، وفيما يخص الطقوس الجنسية عثر على صور بشرية صغيرة بعضها في وضع جنسي في مستوطنات مختلفة تعود للثقافة النطوفية في بلاد الشام [26] ، وهي تشبه مواضيع جنسية تقدمها تماثيل معابد الحب في ( خاجوراو) في الهند على الرغم من عائديتها لعصور متأخرة [27] ، ولكي نفسر هذا الأمر بعيدا عن القطع بأي من الرأيين ، نستطيع أن نقر بأن الإطار العام لهذه الديانة ربما نتج من تشابه الخلفية الذهنية للمجتمعات البشرية ، فنمو اعتقاد ديني بمواصفات جنسية يمكن ان يكون قد ظهر في كل مكان بمعزل عن أي مكان آخر ، لكن هذا لا يمنع من حصول تأثيرات متبادلة تمت منذ أقدم العصور ، وربما تم ذلك بشكل غير مباشر بالانتقال المتدرج من منطقة بعيدة إلى منطقة اقرب ، ولكن ما علاقة هذا الأمر بإكتشاف الزراعة ؟ فلأن تماثيل الإلهة الأم تعطي تعبير الخصب الذي يرتبط بالمعطى الزراعي فإن من المنطقي تصور أن هذه الديانة لم تظهر إلا في العصر الحجري الحديث ، أي العصر الذي ظهرت فيه الزراعة ، إذ أكد طه باقر أنه " إذا كان هناك شك في ظهور ديانة ما  عند إنسان العصر الحجري القديم ، فإن نشوء بذور الديانة والعبادة عند إنسان العصر الحجري الحديث يكاد يكون من الأمور المؤكدة ، كما يرجح أن يكون أول معبود تصوره الإنسان كان على هيئة آلهة تمثل الأرض وخصبها وهي الإلهة الأم " [28] ، ويشير أيضا إلى أن الإنسان " قرن خصوبة الأرض وإنتاجها الزراعي بإخصاب الأنثى بعضو الذكر ، الأمر الذي يفسر الأشكال الغريبة المصنوعة من الطين والفخار على هيئة ذلك العضو ، وقد وجدت منها نماذج عديدة في العراق والشرق الأدنى " [29] ، ولكن إذا كان الأمر كذلك بماذا نفسر العثور على هذا النوع من العبادة في مجتمعات لم تعرف الزراعة ؟ أي مجتمعات الصيد البدائية ، سواء أكان في تلك المجتمعات التي سبقت العصر الحجري الحديث أم المجتمعات المعاصرة التي تمارس هذا النوع من العبادة على الرغم من كونها لا تمتهن الزراعة ، أن التفسير الوحيد لمثل هذا الأمر هو : أن عبادة الإلهة الأم قد لا تكون مرتبطة بشكل أساسي بالإنتاج الزراعي بل بالخصب بشكله العام ومنه الخصب الجنسي والزراعي ، وخصب الطبيعة ، تكاثر الحيوانات التي يحتاجها الصيادون ، ويجزم إلياد " أن القداسة النسوية والأمومة ، لم تكن مجهولة عند البايولتيك ، ولكن اكتشاف الزراعة أنمى قوتها بشكل محسوس ، إن قداسة الحياة الجنسية النسوية ، تختلط مع اللغز العجيب للخلق ، إن الحبل بدون لقاح ، والقران بين الآلهة والبشر ، وطقس التهتك الشعائري ، توضح على مستويات مختلفة ، الخاصية الدينية للجنس " [30]

المبحث الثالث / الدمى النسوية وعلاقتها بديانة الخصب 
ولكن ما علاقة هذه الدمى أو هذه الرموز الجنسية بالمظاهر الدينية المتأخرة ، لا سيما تلك التي لها علاقة بموضوعة الجنس والخصب ، كظاهرة الزواج المقدس التي شاعت في مناطق مختلفة من العالم وبشكل خاص في بلاد الرافدين ؟
إن القول أن لا علاقة بين الظاهرتين هو في الحقيقة إغفال للمنطق البشري الميال للإحتفاظ بأصوله الدينية والفكرية ، ناهيك عن تجاهله لمعطيات تاريخية عبرت عن ذلك وأبرزته في أكثر من منحى ، فقد بينا في المبحثين السابقين إن هذه الديانة تعود إلى مراحل زمنية قديمة ، وأن إرهاصاتها الأولى ربما تعود إلى باكورة الوعي البشري ، ويربط البعض بين هذه الديانة والتقاليد الأمومية " ففي ذلك المجتمع القديم المتمركز حول الأم ، فاضت طبائع المرأة وصفاتها ، لتصبغ حياة الجماعة وقيمها وعلاقاتها ونظمها وجمالياتها ، فحب المرأة لأطفالها هو العاطفة التي ميزت علاقاتها بالمحيط الأوسع ، وهو النموذج الأساس للعلاقات السائدة بين أفراد ينظرون لبعضهم البعض على أنهم أخوة في أسرة كبيرة ، تتسع لتشمل المجتمع الأمومي ، صغيرا كان أم كبيرا ، ومعاملة الأم لأطفالها دون تمييز ، قائم على خصائص معينة ، أو قدرات أو قابليات ومنجزات ، هي التي أسست لروح العدالة والمساواة الاجتماعية ، القائمة في الجماعة الأمومية " [31] ، وقد لاحظنا من خلال نماذج الدمى التي عثر عليها في مختلف المواقع الأثرية عبر العالم ، أن أقدم ظهور لهذه الدمى يعود إلى العصر الحجري القديم الأعلى [32]، ولكن نماذجها الأشهر تم العثور عليها في مواقع تعود للعصر الحجري الحديث ، ومن الممكن تبعا لاستمرار وجود هذه الدمى أن نؤكد على أن هذه الديانة لم تختفي بل جرى تطويرها لتأخذ بعدا أوسع وأشمل ، وبالإمكان عد ما ترويه أسطورة الخليقة البابلية من صراع بين الآلهة القديمة والآلهة الجديدة ، على انه تصوير أسطوري لما جرى من مواجهة بين نموذجين من الديانة : النموذج الأمومي الذي مثلته الإلهة ( تيامات ) ، والنموذج الأبوي الذي أرسى زعامة جديدة لعالم الآلهة ، وهو ما قد يعد انعكاسا لواقع حصل على الأرض [33] ، لكن أن حصل ذلك فعلا فإننا لا نعرف زمنه سوى أنه ليس في العصور التاريخية ، لأن الديانة التي عرفتها البلاد في بداية العصور التاريخية هي نفسها الديانة التي عرفتها البلاد في المراحل التالية  وصولا إلى نهاية حضارة وادي الرافدين في مستهل العهد المسيحي [34]، ولكن إذا كانت الديانة العراقية التي عرفتها العصور التاريخية مختلفة في كثير من عناصرها عن ديانة الإلهة الأم ، فهل يعني هذا نهاية هذه الديانة بشكل نهائي ؟ للإجابة على ذلك نقول : أن ما حصل هو فعلا التحول من ديانة ذات مواصفات معينة إلى ديانة تحمل مواصفات أخرى ، ولكن هذا لا يعني أن الديانة القديمة تلاشت تماما ، بل جرى إنسياحها ضمن هيكل الديانة الجديد ، فكل ديانة هي في إطارها العام مشتملة على عناصر من ديانات قديمة ، أي لا توجد ديانة جديدة بمعنى الجدة ، بل ديانة تحمل نسقا مختلفا  على الرغم من أنها في الكثير من مضامينها تعد إستمرارا للديانة أو الديانات السابقة ، وبالتالي بقيت الديانة القديمة متمحورة في إطار عدة شخصيات إلهية أنثوية ، ومنها شخصية الإلهة ( ننخورساك ) ، والإلهة إينانا ( عشتار البابلية ) ، فقد برزت طقوس الخصب [35] التي تعد امتدادا للديانة القديمة ، فأصبحت جزءا من التقاليد الدينية الرسمية ، تؤدى في مناسبات معينة .
ولم يكن هذا الأمر قاصرا على بلاد الرافدين ، إذ تكرر أيضا في مناطق أخرى ، فإنتقال الشعوب من حياة الريف إلى حياة المدينة ، حتم نموذج جديد من العلاقات أتسمت بالتعقيد ، لما إمتازت به المدينة من شمولية وإتساع ، ولظهور نمط اقتصادي يتسم بالتخصص ، مع ظهور المهن الرجالية التي تتطلب مهارة وقوى عضلية خاصة ، وبالتالي شهدت معظم المناطق الحضارية ، التغيير نفسه الذي شهدته الحضارة العراقية القديمة ، مع تحول الديانة القديمة إلى عنصر من عناصر الديانة الجديدة ، وهو ما أكدته الرموز الإلهية الأنثوية التي تزخر بها تلك الحضارات " فمن الأسماء التي استقرت فصارت ذوات ، نجد في سومر الإلهة نمو ، الإلهة البدئية والمياه الأولى ، وإينانا إلهة الطبيعة والخصب والدورة الزراعية ، وفي بابل نجد ننخرساك الأم – الأرض ، وعشتار المقابلة لإينانا ، وفي كنعان عناة وعشتارت ، وفي مصر نوت وإيزيس وهاتور وسمخت ، وعند الأغريق ديمتر وجيا ورحيا وأرتميس وأفروديت ، وفي فرجينيا في أسيا الصغرى سيبيل ، وفي روما سيريس وديانا وفينوس ، وفي جزيرة العرب اللات والعزى ومناة ، وفي الهند كالي ، وفي حضارة السلت الأوربية دانو وبريجيت ، أسماء متنوعة لإلهة واحدة قولا وفعلا ، في العصر النيوليتي " [36] وقد ورد في ترتيلة لأحدى القبائل الهندية في أمريكا الجنوبية ، موجهة لأحدى الآلِهات ، وصف شديد الشبه بأوصاف نماذج الإلهة الأم في الشرق الأدنى القديم ، فقد ورد في الترتيلة : ان تلك الإلهة هي " سيدة الأناشيد والأغاني ، ام النسل البشري ، حملت بنا منذ البدء ، أم الأجناس جميعا ، وأم القبائل المختلفة ، سيدة الرعود والأمطار ، أم الأنهار والأشجار ، سيدة الصخور والأحجار ، أم الحبوب وكل شيء حي ، أم الشعوب المجاورة ، وأم الأجانب والأغراب ، سيدة الرقص والأغاني ، ربة المعابد كلها ، أم الحيوانات الواحدة المؤلهة ، سيدة المجرة المضيئة ، لا أم لنا إلا هي " [37] ، ومن القصائد التي تحمل موضوعا دينيا له علاقة بعقيدة الإلهة الأم ، قصيدة يرددها شعب الزوني ( Zuni) في المكسيك تنص على ما يلي : " ألا فليروِ صانعُ المطر ، الأرضَ الأم ، كي تثمر وتهب أولادها والعالم كلَّه ثمار جسمها، فيتوفَّر لهم القوتُ سخياً، ألا فلينكح أبونا الشمس أمَّنا الأرض ، كي تثمر ، فيكون الرزقُ وفيراً ويحيا أطفالُنا فسحة العمر، فلا يقضون نحبهم، بل يغفون ليصحوا مع آلهتهم" [38].
وبطبيعة الحال أصبح لهذه الرموز الإلهية الأنثوية صفات جديدة ، واتخذت طابعا متناسبا مع إطار الديانة الجديدة ووفق الخصوصية الحضارية لكل مجتمع ، ومن ثم ، أصبح لهذه الرموز أدوار مختلفة ، فقد تتخذ طابع الخير أو الخصب أو الشر أو الحرب أو القسوة أو الشهوة أو الغيرة أو الإغواء أو الحب ، ما يعني أنها تتفرع إلى نماذج أصغر كانت محتواة في شخصية واحدة ، فإذا كانت الديانات الأبوية أو الذكورية قد بدأت بالتعدد ثم أخذت تتوحد تدريجيا حتى بلغت مرتبة الإله الواحد كما في توحيد أخناتون ، فأن الديانة الأمومية ربما انطلقت من التوحيد إلى التعدد ، وأن هذا النوع من الديانة  ما زال يجد صداه في الكثير من الشخصيات النسائية المقدسة .

الخاتمة
نستخلص من البحث ما يلي :
1-   انتشار صناعة هذه الدمى في مناطق مختلفة من العالم فيما تفصح أشكالها و تعابيرها عن مضمون ذو طابع ديني .
2-   أن الإطار العام لهذه الديانة ربما نتج من تشابه الخلفية الذهنية للمجتمعات البشرية ، فنمو إعتقاد ديني بمواصفات جنسية يمكن أن يكون قد حصل في كل مكان بمعزل عن أي مكان آخر ، لكن هذا لا يمنع من حصول تأثيرات متبادلة تمت منذ أقدم العصور ، وربما تم ذلك بشكل غير مباشر بوساطة الانتقال المتدرج  من منطقة بعيدة إلى منطقة اقرب   .
3-   إن عبادة الإلهة الأم قد لا تكون مرتبطة بشكل أساسي بالإنتاج الزراعي بل بالخصب بشكله العام ومنه الخصب الجنسي والزراعي  وخصب الطبيعة وتكاثر الحيوانات التي يحتاجها الصيادون .
4-   تعد عبادة الإلهة الأم ، الأساس للكثير من العبادات اللاحقة ، ومنها بشكل خاص عبادة الخصب  التي عرفتها الكثير من الحضارات ومنها حضارة بلاد الرافدين .




[1]. ميرسيا ألياد ، تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية ، ترجمة : عبد الهادي عباس ، ج1 ، ( دمشق ، 1986 ) ، ص 34 .
[2]. وهو ثاني عصور العصر الحجري القديم الأعلى ( من حدود 120 ألف إلى 15 ألف أو 12 ألف سنة من الآن انظر :  طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ( شركة الوراق ، 2009 ) ، ص 197 – 198 .
[3]. أكرم محمد عبد كسار ، قراءة في نتاجات الإنسان الفنية الأولى ، مجلة سومر، ( المجلد 39 ، ج 1 – 2  ، 1983 ) ، ص 32 .
[4]. أكرم محمد عبد كسار ، قراءة في نتاجات الإنسان الفنية الأولى ، ، ص 32 .
[5]. المصدر نفسه ، ص 32 .
[6].  المصدر نفسه ، ص 33 .
[7]. ميرسيا ألياد ، تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية ،  ص 34 .
[8]. طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ص 220 .
[9]. اكرم محمد عبد كسار ، المصدر السابق ، ص 35 .
[10] . هو الطور الثاني من أطوار العصر الحجري المعدني في النصف الثاني من الألف السادس قبل الميلاد عثر على آثاره في مناطق مختلفة من شمال العرق مثل تل الصوان قرب سامراء وتل مطارة قرب كركوك وغيرها للمزيد ينظر : طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ص 240 – 241 .
[11]. احمد سوسة ، تأريخ حضارة وادي الرافدين في ضوء مشاريع الري الزراعية والمكتشفات الأثرية والمصادر التأريخية ، ( بغداد ، 1986 ) ، ص 133 – 134 . 
[12]. المصدر نفسه ، ص 141 .
[13] . وهو دور حضاري ينتسب إلى موقع تل العبيد القريب من مدينة آور تعود آثاره إلى النصف الثاني من الالف الخامس قبل الميلاد وقد أمتد على مساحة واسعة من العراق فضلا عن بعض المناطق المجاورة للمزيد ينظر : طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ص 247 .
[14]. أكرم محمد عبد كسار ، قراءة في نتاجات الإنسان الفنية الأولى ، ص 36 .
[15]. المصدر نفسه ، ص 36 .
[16].  المصدر نفسه ، ص 37 .
[17]. محمود امهز ، في تأريخ الشرق الأدنى القديم ، ط2 ، بيروت 2011 ، ص 76 .
[18]. محمود امهز ، في تأريخ الشرق الأدنى القديم ، ص 65 .
[19]. ميريسا ألياد ، تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية ، ص 64 .
[20]. سامي سعيد الأحمد ، تاريخ فلسطين القديم ، ( بغداد ، 1979 ) ، ص 63 .
[21]. طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ص 225 .
[22]. ميريسا ألياد ، تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية ، ج1 ، ص 49 .
[23]. المصدر نفسه ، ص 66 .
[24]. ميريسا ألياد ، تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية ، ص 34 .
[25]. المصدر نفسه ، ص 34 – 35 .
[26]. المصدر نفسه ، ص 52 .
[27] . Khajuraho Temples of Ecstasy 
   by L.A. Narain,Delhi 1986


[28]. طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات  القديمة ، ج1 ، ص 220 .
[29]. المصدر نفسه ، ص 225 .
[30]. ميرسيا ألياد ، تأريخ المعتقدات والأفكار الدينية ، ج1 ، ص 59 – 60 .
[31]. فراس السواح ، لغز عشتار ، ( دمشق ، ط 8 ، 2002 ) ، ص 33  .
[32]. هو الطور الأخير من العصر الحجري القديم وزمنه يرجع إلى آخر العصور الجليدية وهو العصر الرابع وما يميز هذا العصر هو ظهور نوع الإنسان العاقل أو الحديث وتطور الأدوات الحجرية التي كان يستخدمها الإنسان أنذاك ، طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ص 205 .
[33]. حول نص أسطورة الخليقة ينظر : الكسندر هايدل ، الخليقة البابلية ،  ترجمة : ثامر مهدي محمد ، ( بغداد ، 2001 ) .
[34]. حول الديانة في العراق القديم ينظر : جان بوتيرو ، الديانة عند البابليين ، ترجمة : وليد الجادر ، ط1 ، ( مركز الإنماء الحضاري ، 2005 ) .
[35]. حول طقوس الخصب ينظر : صوموئيل كريمر ، اينانا ودموزي طقوس الجنس المقدس عند السومريين ، ترجمة : نهاد خياطة ، ط 2 ، ( دمشق ، 2007 )  .
[36]. فراس السواح ، لغز عشتار ، ص 27 .
[37]. فراس السواح ، لغز عشتار ، ص 60 .
[38]. Cf. Éliade, Mircea & Lawrence E. Sullivan, “Earth,” in Encyclopedia of Religion&Mircea Éliade, Mythes, rêves et mystères, pp. 192, 196

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969