الثلاثاء، 17 مارس، 2015

أبوة العراق لا بنوته





باسم محمد حبيب
تصريح غريب اطلقه يونسي وهو أحد المسؤولين الإيرانيين ، أشار فيه أن العراق عاد مرة أخرى عاصمة للأمبراطورية الإيرانية ، ومع علمنا ان هذا التصريح لا يعبر عن وجهة نظر الحكومة الإيرانية ، التي تسعى لبناء

علاقات متوازنة مع العراق مبدأها الأساس التكافؤ والأحترام المتبادل ، إلا أننا في نفس الوقت نستغرب صدور هذا التصريح من مسؤول بهذا المستوى ، لأن سيادة الدول أمر لا يمكن أبدا التجاوز عليه .
لقد خضع العراق مرات عديدة مثله مثل أي بلد آخر للأحتلال الأجنبي بشتى صوره وأشكاله ، وهذا أمر طبيعي مع بلد عريق يزيد عمره على ستة آلاف سنة  ، إلا أن العراق ورغم تلك الإحتلالات ، كان دائما بلدا محدد المعالم ، جغرافيا وديموغرافيا وثقافيا ، فضلا عن تأثيره الذي لا يضاهيه أي تأثير آخر في شتى النواحي الحضارية والدينية والسياسية  .
ففي المجال الحضاري ، كان العراق مركزا لحضارة بلاد الرافدين طوال أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، وهي الحضارة التي تعد الأقدم من بين كل الحضارات الأخرى ، إذ خضعت المنطقة كلها لإشعاع حضارته ، حتى عد المؤرخون ومن ابرزهم توينبي ، الحضارة الإيرانية ، على انها فرع من حضارة بلاد الرافدين ، فضلا عن حضارة اسيا الصغرى ، والحضارة الآرامية السريانية التي خرجت من رحمها الحضارة العربية .
أما في المجال الديني ، فيكفي أن نشير إلى التأثير الكبير للديانة العراقية القديمة على معظم ديانات المنطقة والعالم ، فعلى وفق ما هو متعارف عليه ، تعد الديانة الأبراهيمة التي نشأت في مدينة أور ، الأساس الذي نبعت منه الديانات التوحيدية الأخرى ، فيما عد علماء الأجناس التوراتيين البشر كلهم ابناءا لـ نوح ( اتراحاسس ) بطل الطوفان البابلي ، فيما عد العرب واليهود ابناءا لـ ابراهيم العراقي .
وعلى الرغم من خضوع العراق للسيطرة الإيرانية تارة وللتركية تارة أخرى ، إلا انه كان أيضا يخضع هاتين المنطقتين سياسيا وثقافيا ودينيا ، فتركيا نشأت بعد أن وصل السلاجقة الأتراك إلى منطقة آسيا الصغرى ، في القرن الثاني عشر الميلادي ، بطلب من الخليفة العباسي القائم بأمر الله ، فيما إستندت أيضا على مذهب الإمام العراقي ابو حنيفة النعمان في ترسيخ سلطتها ، أما إيران فقد خضعت للحكم الآشوري في العصر القديم والعباسي في العصر الوسيط ، فضلا عن تبنيها المذهب الشيعي الذي نشأ في الكوفة العراقية .
إننا لا ننكر العلاقات القوية التي تربط العراق وإيران ، فهي علاقات مستندة على منطق التاريخ والجغرافية ، ولكن هذه العلاقات يجب أن تأخذ بالاعتبار مكانة العراق ودوره التاريخي الكبير ، فضلا عن ضرورة أن تتناسب هذه  العلاقة مع علاقاته مع الدول الأخرى التي ترتبط مع العراق بوشائج قوية ، سواء أكان ذلك في الشمال أم الجنوب أو الغرب
فمقام العراق ما بين دول المنطقة ، ليس مقام الابن بل الأب ، ولابد ان ينظر إليه على هذا الأساس ، فأبوة العراق على وفق ما ذكرنا من معطيات ، أمر لا يطمسه زيف و لا يحجبه غربال ، فهي مستندة على قيم الموروث و حقائق التأريخ.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969