الثلاثاء، 20 يناير، 2015

الشرق الأوسط ونهاية التأريخ

باسم محمد حبيب 
الصباح العراقية
على الرغم من ان اطروحة (نهاية التاريخ) لـ(فوكو ياما) لم تضع في حساباتها قضية الصراع داخل المنظومة الغربية، إلا أن مضمون الاطروحة يطرح ذلك بشكل غير

مباشر من خلال الإيحاء بأن هناك ممثلا واحدا لحضارة الغرب هو ذلك الذي يتربع على عرش القوة السياسية والاقتصادية في العالم، والذي لا يمكن لأي طرف ان يتجاهل إرادته أو يتقاطع مع مصالحه دون أن يتعرض للضرر الكبير، فإطروحة (نهاية التاريخ) لا تبشر بانتهاء الصراع الحضاري لصالح حضارة الغرب وحسب، بل وبانتصار النموذج الأميركي بوصفه ممثلا لحضارة الغرب في مقابل الحضارات الأخرى أو بوصفه القطب الغربي الأكبر الذي لا بد للأقطاب الغربية الأخرى من أن تنحني له أو تخضع لإرادته ومتبنياته، ما يعني أن (نهاية التاريخ) تعني في حقيقة الأمر خضوع العالم لحضارة واحدة ولكن بسيادة واحدة هي السيادة الاميركية .
لكن انتصار الغرب أو أميركا لم يتحقق بعد كشيء واقع، فهناك مناطق لا تزال تناهض الغرب أو تمقت السيادة الأميركية، وهذه المناطق التي تتبنى حضارات مغايرة للحضارة الغربية تمتلك الكثير من الوسائل التي يمكن من خلالها عرقلة المشروع الأميركي أو الغربي، وبالتالي فإن (نهاية التاريخ) وإن تحققت نظريا الا انها لا تزال تحتاج إلى وقت حتى تتحقق فعليا، وعلى الغرب لكي يستعجل النهاية ان يضع ستراتيجيات مناسبة للقضاء على ممانعة الحضارات الأخرى لاسيما الحضارتين الإسلامية والصينية (الكونفوشيوسية) بحسب الأطروحة سالفة الذكر، فما هي وسائل هاتين الحضارتين لعـرقلة المشروع الغــربي؟.
 فيما يخص الحضارة الصينية لا يبدو أن هذه الحضارة تتبنى مشروع الصدام المباشر من أجل عرقلة المشروع الغربي، فلو سلمنا أن لهذه الحضارة طموحا بتحدي الغرب أو الإطاحة بزعامته الحضارية فلا يبدو أن مثل هذا الطموح سيتعدى الجانب الاقتصادي على الأقل في المدى المنظور، وحتى في هذا الجانب لا يبدو ان الطموح الصيني سيتجاوز هدف ملأ الأفواه الجائعة لما يقارب المليار ونصف المليار إنسان، فضلا عن ان الحضارة الصينية لم تتجاوز يوما حدودها الحضارية فقد كانت في شغل شاغل عن اختراق ما يقع إلى الغرب منها ما يجعل الخطر الصيني مجرد وهم لا اكثر، أما فيما يخص الحضارة الإسلامية فيبدو ان الارهاب قد اعطى برهانا مناسبا على مصداقية اطروحة هنتنغتون المسماة (صدام الحضارات)، إذ أصبح من الواضح أن هناك طموحا إسلاميا بمناجزة الغرب وبالذات أميركا وعرقلة مشروعها الحضاري، لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل يمثل الإرهاب خطرا حقيقيا على المشروع الأميركي أم أنه في حقيقة الأمر أحد عوامل تسريع نجاحه؟.
للإجابة على ذلك نقول: ان الإرهاب لا يشكل أي خطر حقيقي على الغرب سواء ادرك الارهاب ذلك أم لا، ليس لأن الغرب يمتلك الوسائل الكافية لردعه بل لأن إمكانيات الإرهاب لا يمكنها ان تتجاوز حدود المنطقة، فهو قد يشكل خطرا على مصالح الغرب في المنطقة ولكن ليس على الغرب ذاتــه.
 أما الخطر الحقيقي الذي يواجه الغرب فيتمثل بزيادة اعداد المواطنين الغربيين الذين ينتمون إلى أصول شرق أوسطية سواء بسبب الهجرات الشرق أوسطية المتواصلة إلى اوروبا أو بسبب زيادة الإنجاب لدى العوائل الشرق أوسطية مقارنة بالعوائل الغربية، لكن ما الذي يدفع الغرب إلى استقبال الهجرات الشرق أوسطية وإصدار القوانين التي تسهل هذا النوع من الهجرات وتمنح المهاجرين حق المواطنة في البلدان الغربية مع ما يشكله هؤلاء من خطر على الخارطة الديموغرافية للغرب؟ هل يرتبط ذلك بالعامل الإنساني أم بعوامل أخرى كالعامل الاقتصادي؟ بصراحة نقول ان الغرب لا يفعل ذلك لدوافع إنسانية محضة، فالغرب الرأسمالي الذي يمتلك طاقة صناعية هائلة بحاجة ماسة للأيدي العاملة، وليس هناك افضل من العمالة المهاجرة لتحقيق هذا الغرض، والرأسمال لا يهتم لمصير الغرب بقدر اهتمامه بتحقيق الربح والمنفعة، لكن هذا لا يمنع أن تقوم جهات اخرى داخل المنظومة الغربية بأداء هذا الدور وبشكل خفي غير منظور، وفيما إذا وجدت مثل هذه الجهات فلابد ان تضع في مقدمة أهدافها طرد  المواطنين من ذوي الأصول الشرق أوسطية من أوروبا تحت شعارات مثل: (أوروبا للأوروبيين) و(حماية أوروبا من الغرباء)، و(الحفاظ على الجنس الأوروبي من الانقراض) بمواجهة تحدي تزايد العناصر السكانية العربية والإسلامية في مقابل تناقص نظيرتها الأوروبية أو الغربية، وهذا لا يتم بدون أن يسبقه أو يوازيه إشعار الشعوب الغربية بالخطر الإسلامي الداهم، وهذه الفرضية تجعل من الارهاب مجرد صناعة غربية أكثر من كونه نتاجا طبيعيا للبيئة الاجتماعية العربية الإسلامية.
اننا نستطيع ان نعد الإرهاب نتيجة من نتائج بعض السياسات الغربية التي ربما تحمل دوافع مركبة، فهي تساعد على فتح صفحة من التغيير في المنطقة، لكنها اوجدت مناخا للإرهاب.
وبالتالي فإن العالم كما تطرح نظرية (نهاية التاريخ) ما هو إلا منطقة نفوذ أميركية، فما دامت اميركا تمتلك اكبر اقتصاد في المنظومة الدولية واكبر قطاع انتاجي في العالم مع قدرة كبيرة على ديمومة تربعها على هذه المرتبة، فان تحقيق هيمنتها التامة على العالم تبقى مسألة وقت لا  أكثر، وستنجح اميركا في تحقيق ذلك متى ما تحطمت الحدود التي تفصل ما بين الدول، وقد وجدت اميركا الكثير من الوسائل لكي تخترق بها هذه الحدود، كالقنوات الفضائية التي تفتح  على الفرد ابواب العالم، ما يسمح للشركات الصناعية بإيصال دعاياتها التجارية إلى مسكن الفرد بدون أي مجهود يذكر، وكذا الحال فيما يخص الهاتف النقال والشبكة العنكبوتية وغيرها.
ولأن السياسة هي فن الممكن وبشكل أدق فن تحقيق المصلحة وبالأخص المصلحة الاقتصادية، فإن هذا الأمر أدى إلى خلق نوعين من السياسة: سياسة اميركية مبنية على أساس ان العالم ما هو إلا منطقة نفوذ أميركية وأن على اميركا ان تتخذ القرارات التي تسرع في تحقيق هذا الامر، وسياسة من الدول الأخرى تعترف ضمنا بهذا المعطى وتمارسه من خلال سياستها المغطاة بغطاء من الشعارات القومية والطائفية والعلمانية، فأوروبا دائما ما تتطابق سياستها مع اميركا سواء كنتيجة لمصالحمها المشتركة أو نمطهما الحضاري المشترك أو حتى كنوع من انواع التبعية السياسية، ومثيل ذلك فيما يخص دول أخرى كاليابان وكندا واستراليا وغيرها، فاليابان مثلا على الرغم من انتمائها الآسيوي إلا أنها باتت تتبنى الحضارة الغربية، الأمر الذي مكنها مع المنافسة ودحرجة دول غربية كبرى إلى مراتب تقع دونها لا بل أصبحت تتطلع إلى منافسة القطب الأميركي نفسه، أما فيما يخص الشرق الأوسط فنجد الكثير من دوله المتمرسة في السياسة كالسعودية ومصر وتركيا كثيرا ما تبني سياستها على وفق اتجاه البوصلة الأميركية، وهذا لا يعني الدوران في الفلك الأميركي بل تقمص الدور الذي يناسب هذه الدول وفق الرؤية الأميركية، فالسعودية تمسك دور الزعامة الخليجية حتى يكون الخليج طرفا واحدا في المعادلة الإقليمية، كما وتضمن أمن الخليج في الأمور التي لا تستدعي أن يكون هناك تدخل أميركي، معيدة إلى الأذهان دور الشرطي الذي كانت تلعبه إيران في سبعينيات القرن الماضي، والشيء نفسه يخص مصر التي حقق لها لعب دور الاعتدال في المنطقة الكثير من المنافع منذ توقيعها على اتفاقية كامب ديفيد مع اسرائيل، وبالتالي لا يمكن لها ان تسير خارج هذا الإطار المهم لمصالحها، وهو ما اكدته احداث مصر الأخيرة، فحتى بعد تولي الإخوان حكم مصر لم يستطيعوا التأثير على دور مصر كما حددته تلك الاتفاقية، وكذا الحال فيما يخص تركيا فقد اثبت عهد اردوغان ان تركيا يمكن ان تلعب دورا اكثر نفعا للولايات المتحدة من الدور الذي كانت تلعبه الحكومات العلمانية، وهذا ما اكدته مواقفها من العراق وفلسطين والثورات العربية لكن هناك طائفة اخرى من الدول الشرق اوسطية لا تبني سياستها على وفق اتجاه البوصلة الأميركية لأنها دول متخبطة أو فاقدة لقرارها المستقل في محيطها الإقليمي، وبالتالي قد تقع هذه الدول في فخ التضليل الذي يثيره تبني بعض الدول الاقليمية لسياسات تبدو وكأنها متناقضة مع السياسة الأميركية، فتلعب دورا يخدم هذا السياسات بدون ان تدري بأنها تفعل ما لا يلائمها، فتتلقى الغضب الأميركي دون أن يكون لها في تلك السياسة ناقة أو جمل.
 وما يصح على أنظمة هذه الدول يصح أيضا على الأحزاب والتيارات السياسية الناشطة فيها، فتبني هذه الأحزاب والتيارات لسياسات تبعا لمقاسات دول أخرى قد يأتي لها ولدولها بنتائج عكسية، لأن لكل دولة وضع محدد في السياسة الأميركية، والدولة الناجحة هي التي تستطيع ان تتماشى مع وضعها في إطار هذه السياسة.
ان وصول التاريخ إلى نهايته على وفق الرؤية الأميركية والغربية لا يحصل بالطريقة ذاتها   في كل بقاع العالم، ففي اوروبا قد تعني (نهاية التاريخ) اصطباغ اوروبا بالصبغة الأميركية.
 أما في بقية انحاء العالم فلا يعني ذلك إلا اصطباغ العالم بالصبغة الغربية بعد أن تذوي أو تزول كل ثقافات أو حضارات العالم الأخرى، وهذا ما سوف يحصل في الشرق الاوسط الذي تتمثل (نهاية التاريخ) فيه باختفاء أية ممانعة دينية أو ثقافية لتسيد حضـارة الغرب ونشر قيمها الثقافية كمــا يعني أيضا دخــول المنطقــة في إطــار النفـوذ الأمــيركي الكــامــل.  

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969