الأحد، 22 يونيو، 2014

ذرائع تقسيم العراق!

باسم محمد حبيب
جريدة الصباح العراقية
بعد سيطرة تنظيم "داعش" الارهابي على الموصل، صدرت بعض التصريحات التي شككت في إمكانية بقاء العراق بلدا موحدا، مقترحة كحل للأزمة العراقية، تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم، لا بل هناك من اقترح إزالة العراق من الوجود واستبداله بثلاث دول
تمثل المكونات الشيعية والسنية والكردية، ولو عاينا هذه التصريحات، لوجدنا انها ليست جديدة، فقد تكرر اطلاقها في مناسبات عدة، ومن شخصيات مختلفة، اشهرها وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسنجر، ونائب الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن، ويبرر مطلقو هذه التصريحات دعوتهم هذه بالإدعاء بأن العراق بلد مصطنع، اخترعته بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لتأمين سيطرتها على آبار النفط، وانه بالأساس لم يكن إلا ثلاث ولايات منفصلة وخاضعة للحكم العثماني الذي دام لأربعة قرون، ويضيف هؤلاء إلى ذلك أيضا وجود تنوع عرقي وطائفي، وبالأخص وجود ثلاثة مكونات كبيرة ممثلة بالشيعة والسنة والكرد، وهذه المكونات تمتلك جميعا القدرة على تكوين كيانها المستقل بعيدا عن الوحدة القسرية، فضلا عن وجود تاريخ طويل من الصراع والتناحر ما بين هذه المكونات، لا سيما في المدة التي تلت تشكيل العراق الحديث في اعقاب الحرب العالمية الأولى، إذ يرون ان هذه الصراعات والتناحرات قد ولدت الكثير من الآلام والمآسي، وزرعت الأحقاد والضغائن في نفوس الناس.
 أما أهم المبررات التي يسوقها دعاة التقسيم، فتتمثل بعجز المكونات العراقية عن انجاز مشروع سياسي يجمعها معا في إطار من الوحدة والشراكة، لكن لو تمعنا في هذه المبررات، لوجدنا انها ليست صحيحة، ففي ما يخص الإدعاء بأن العراق بلد مصطنع، نرى أن مطلقي هذا الإدعاء يتجاهلون ان العراق هو الوريث المباشر لما كانت تسمى بـ (بلاد الرافدين)  أو (بلاد ما بين النهرين)، التي انطلق منها شعاع الحضارة البشرية الأولى، إذ كانت البلاد جميعا من أعلى بلاد آشور إلى أسفل أرض بابل، تتكلم لغتين مشتركتين هما السومرية والأكدية، وقد بقيتا حيتين إلى آخر مراحل هذه الحضارة بداية العهد الميلادي،  فضلا عن عادات وتقاليد ونمط حياة مشترك.
وعلى الرغم من خضوع البلاد للسيطرة الأجنبية في مرات عدة، إلا ان هذه البلاد بقيت تعيش في إطار من الوحدة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية واللغوية وحتى السياسية، أي ان بريطانيا لم تؤسس العراق من العدم كما يشيعون، بل فقط أعادت بناءه في إطار دولة حديثة مستقلة، أما وجود تنوع عراقي وطائفي، فهو لا يعد مبررا كافيا لتقسيم العراق، لأن هذا التنوع موجود في معظم دول المنطقة والعالم، وأحيانا بشكل اكثر تعقيدا مما هو عليه الحال في العراق، وكذلك الإدعاء بوجود تاريخ طويل من الصراعات والتناحرات ما بين المكونات العراقية، ففضلا عن كون هذا الادعاء فيه مبالغة، فانه كذلك غير كاف لتبرير تقسيم العراق، لأن هذه المكونات كانت ايضا وفي احيان كثيرة تعيش في إطار من التعاون والتلاحم، ما يعني أن الخلافات والصراعات يمكن ان تزول إذا توفرت النية الطيبة لإزالة أسبابها، أما عن عجز المكونات عن اتمام مشروعها السياسي المشترك فهو امر تقف وراءه عوامل مختلفة من بينها: مدى كفاءة القائمين على المشروع السياسي، فضلا عن شدة ما يواجهه العراق من التحديات الخارجية، وبالتالي فان الدعوة الى التقسيم، ما هي إلا نتاج الاخفاق في الأداء السياسي، فضلا عن إشكالية التعاطي الدولي والإقليمي مع الوضع العراقي. 

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969