الخميس، 17 أبريل 2014

ملحمة جلجامش في الموروث الشعبي العراقي



باسم محمد حبيب
نشر في مجلة التراث الشعبي و مجلة تحولات اللبنانية
تعد ملحمة جلجامش اهم اثر ادبي انتجته حضارة وادي الرافدين ، ليس لطولها مقارنة بنظيراتها من الملاحم الأخرى وحسب ، بل ولمضمونها الذي اتسم بالعمق والشمول ، وتناولها لأحدى المسائل التي
يهتم بها الفكر العراقي القديم ، علاوة على المعتقد الديني ، ألا وهي مسألة توق الإنسان إلى الخلود ، فقد ابرزت الملحمة أن الإنسان مهما امتلك من أسباب النعمة والنفوذ والثراء ، ومهما امتلك من سلطة وجبروت ، فأنه يبقى ذلك الكائن الضعيف الذي مآله القبر ، وبالتالي لا مناص من البحث عن نوع آخر من الخلود ، يكون بمثابة تعويض وعزاء للإنسان من الخلود المادي المنشود ، ونظرا لشهرة الملحمة ، فقد تم نسخها اكثر من مرة ، وتمت ترجمتها إلى اكثر من لغة ، كما تناقلتها الشفاه جيلا بعد جيل ، وصولا إلى جيلنا الحاضر .
لقد بقيت أصداء هذه الملحمة ماثلة في وجدان سكان المنطقة التي انتجتها ، إذ بقيت تقاوم عوادي الزمن على الرغم من مرور مدة طويلة على انهيار حضارة وادي الرافدين ، ومن ابرز ما بقي في الموروث الشعبي من أصداء هذه الملحمة ، ما يأتي :
1-   من الألفاظ المتداولة في حياتنا اليومية لفظة ( ملج وركة ) ، التي تطلق على الأطفال أو الفتيان المشاغبين الذين لا يستقرون على حال ، وقد سمع الباحث هذه العبارة من كبار السن وهم يطلقونها على من يجدونه مشاكسا ومتمردا ، والملاحظ ان شيوع هذه اللفظة قاصر على المنطقة الجنوبية من العراق ، أي المنطقة التي عاش فيها ملك الوركاء المشاكس ( جلجامش ) ، والذي عرف عنه الطيش والنزق و حب المغامرة ، و لذلك بقيت أصداء مغامراته ماثلة في أذهان الناس جيلا بعد جيل ، وصولا إلى عصرنا الحاضر .
2-   كما تشيع في مناطقنا وأوساطنا الشعبية ، المقولة المأثورة ( ثلثين الولد على خالة ) ، ويبدو ان أصل هذه المقولة مرتبط بنص ملحمة جلجامش ، الذي أشار إلى ان ثلثي جسد جلجامش من مادة الآلهة وثلثه الآخر من مادة البشر ، فأمه البقرة الجليلة ( ننسون ) من صنف الآلهة ، أما أبوه فمن البشر ، ولذلك امتاز سلوكه بالتعالي والعجرفة والرغبة في تحدي الصعوبات وأجتياز المخاطر ، غير مبال بما قد يسببه له ذلك من ضرر أو ألم ، كما لم يقنع بكونه بشر مقدر له ان يموت ، بل عمل جاهدا من اجل بلوغ الخلود ، معتقدا انه بحكم صلته بالآلهة ، يستحق ان يحضى بالخلود مثلها ،  لكن ثلثه البشري كان اكثر فاعلية من ثلثيه الإلهيين ، فآل مجهوده وكفاحه إلى الفشل ، ليدرك أخيرا أن الموت امر لا مفر منه ، وان السعادة التي يجب ان ينشدها ، تكمن في الفعل الطيب الحسن ، الذي يبقى في ذاكرة الناس أمدا طويلا ، ومن ابرز ما طرحه هذا الأمر ، أن الأبن ينتمي جسديا لأمه اكثر من انتمائه لأبيه ، إلا انه يرث من ابيه اكثر مما يرث من أمه .
3-   تضمنت ملحمة جلجامش ثيمة مهمة هي ثيمة البحث عن الخلود ، فحضارة وادي الرافدين التي لا تؤمن بالحساب ، ووصول الإنسان إلى عالم النعيم ، جعلت الإنسان مرتعب من مصيره ، فالموت هو نهاية مفجعة ومأساوية ، لأنه يجعل الارواح سجينة العالم الأسفل ( كور ) ، وهو عالم مقفر كئيب ، تعيش الأرواح فيه بسأم وملل ووحشة ، ولذلك طرحت الملحمة موضوع البحث عن الخلود ، وجعلته ثيمتها الأساسية ، فبعد فجيعة جلجامش بصديقه ( انكيدو ) ، وخشيته من أن يلقى نفس مصيره ، عزم على السفر بحثا عن الخلود ، وقد عانى بسفره الكثير من الأهوال ، وألتقى بجده بطل الطوفان ( أوتو – نابشتم ) ، الذي اكد له إستحالة حصوله على الخلود ، ثم سرد له قصة الطوفان التي مكنته من نيل الخلود ، بعد ان شعرت الآلهة بالذنب من محاولتها إبادة البشر ، لكنه لم يترك جلجامش يعود خالي الوفاض ، بل دله على نبتة تساعده على تجديد حياته ، توجد في اعماق البحر ، حيث علمه طريقة الوصول إليها بالغوص على طريقة جامعي اللؤلؤ ، إلا أنه لم يهنأ بها بعد أن سلبته  الأفعى النبتة في غفلة منه ، فكان الفشل مآل رحلته ، التي خلص منها إلى أن الموت أمر لا مناص منه ، وفي موروثنا الشعبي الكثير من القصص المماثلة ، التي تؤكد ارتباطها بمتن الملحمة ، منها قصة سمعها الباحث من احد الرواة ، ذكر فيها " أن احد الرجال ، قرر ذات يوم ، السفر بحثا عن ارض لا يصلها الموت ، وقد ساح في بلاد الله العريضة بحثا عن تلك الأرض ، فكان في كل مرة يصل فيها إلى بلدة ، يسأل ناسها : هل عندكم موت ؟ فيجيبوه نعم عندنا ، وذات يوم وصل إلى بلدة من البلدات ، فسأل سؤاله التقليدي ، فتفاجأ بأن ابلغ بأن هذه البلدة لا يصل إليها الموت ، فسألهم : ولكن اين يذهب الناس إذا طعنوا في السن ؟ فجاءه الجواب : يسمعون مناديا بأسمائهم ينادي من مكان بعيد ، فيذهبون إليه ولا يرجعون ، فقال أذن سأسكن هذه البلدة ، ولو نوديت من قبل ذلك الرجل المجهول ، سأتجاهل ندائه ، وبعد مدة من الزمن ، ناداه احدهم من مكان بعيد ، فتجاهل نداءه ، لكن المنادي أستمر بالمناداة عليه ، حتى اضطره لتلبية ندائه ، ولم يعد بعد ذلك " ان هذه القصة كما هو ملاحظ من موضوعها ، تنتمي إلى فكر حضارة وادي الرافدين ، وهي شبيهة إلى حد ما ، بسفر جلجامش بحثا عن الخلود .
4-   كما ابرزت احدى المقاطع الخاصة بجلجامش ، نزول انكيدو إلى العالم الأسفل ، لإستعادة قطعة ثمينة تعود لجلجامش ، وقد اسمعه جلجامش بعض النصائح التي تمكنه من العودة ، لكن انكيدو فشل في تنفيذ نصائحه ، فبقي حبيس العالم الأسفل ، إلا أن جلجامش تمكن بطريقة ما من اخراج روح انكيدو ، للإستفسار منه عن احوال العالم الأسفل ، فقص له معاناة الموتى ، لا سيما اولئك الذين لم يخلفوا اولادا يقدمون لهم القرابين ، إذ بدى من خلال الحوار ، ان الموتى يجدون وضعا افضل كلما زاد عدد اولادهم ، وهو ما يؤكد الأعتقاد بأن الموتى بحاجة إلى قرابين الأحياء ، حتى يبقوا في حال افضل ، والملاحظ ان هذا الأعتقاد ، شديد الشبه إلى حد بعيد بمعتقدات الناس في بلادنا ، إذ يواظب الأبناء على تقديم القرابين ( الثواب ) وتوجيهها إلى موتاهم ، معتقدين ان الموتى لن يجدوا الراحة بدونها ، وأنهم سيغضبون عليهم ويلعنونهم إذا قصروا عنهم بذلك ، وكلما كانت القرابين كثيرة ، كلما شعر الموتى بالرضا عن الأحياء ، وتتشابه هذه القصة مع قصص كثيرة في الموروث الشعبي العراقي ، فقد تهيأ للباحث أن يسمع قصة لها بعض الشبه مع رحلة انكيدو إلى العالم الأسفل ، ورد فيها " ان رجلا حرم من الانجاب من زوجته الاولى ، تزوج امرأة ثانية من اجل الحصول على مولود ، وقد تكلل مسعاه بالنجاح ، وحملت الزوجة الجديدة بأبن له ، فسره ذلك كثيرا ، واخذ يهتم بالزوجة الحامل لكي يؤمن سلامة المولود ، فأثار اهتمامه بالزوجة الجديدة غيرة الزوجة الاولى ، فدعت الله ان يرزقها بطفل مقابل ان تبيت ثلاثة ايام في المقبرة ، فكان لها ما ارادت ، وكان عليها ان توفي بنذرها ، على الرغم من تحذيرات زوجها ، الذي اخذها على مضض مع طفلها إلى المقبرة ، ثم عاد مسرعا قبل ان يحل الظلام ، وفي المساء جائها شبح فأرتعدت فرائصها وأصابها الرعب منه ، واخذت تذكر الله وتقرأ الكثير من الادعية ، فناداها الشبح : من انا ، فواصلت ذكر الله وتلاوة الادعية ، ثم اجابته بكلمات مهذبة مدعومة بالدعاء له بالخير والهناء والبركة ، انك شبح لطيف جميل ، ثم سألها سؤال آخر : ماذا ألبس ؟ فذكرت الله ودعت له بالخير ثم اجابته بكلمات مشفوعة بالدعاء اللطيف ، تلبس رداءا جميلا موشى بالحرير ، أي خلاف ما كان يلبس حقيقة ، فرماها بحجارة كبيرة لم تصبها ، ثم اخذ يكرر سؤاله ، وهي تكرر اجابتها مشفوعة بذكر الله والدعاء اللطيف ، فيرميها بحجارة لا تصبها بأذن الله ، حتى اقترب الصباح ، فخف غضب الشبح ، بعد ان لمس برائتها وطيبتها ، فنصحها بأن تقضي ايام نذرها بالسكن مع اهل القبور ، وقد علمها طريقة الدخول إلى عالم القبور ، من خلال مسك ذيل احدى البقرات التي تمر بالقرب منها  ، وقد قضت ايام نذرها ضيفة على سكان القبور ، ثم منحها الشبح الكثير من المجوهرات والمعادن الكريمة ،  وعندما عاد زوجها ، سر كثيرا بسلامتها ونجاتها مع طفلها ، وعاد بها إلى البيت فرحا مسرورا ، إلى ان ضرتها غارت منها ، فطلبت من الزوج ارسالها إلى المقبرة مع طفلها ، عسى ان تحصل على ما حصلت عليه ضرتها ، فحاول زوجها عبثا اثنائها عن ذلك ، مبينا ان ما حصل لضرتها لا يمكن ان يحصل لها ، لأختلاف طباع كل منهما ، وقد حصل ما تنبأ به ، إذ ادى جشعها وسوء طباعها ، إلى اغضاب الشبح منها ، فأنهال عليها بالحجارة حتى قتلها   " .
ان ما تؤكده السطور السابقة ، ان المعاني التي تتضمنها ملحمة جلجامش ، مازالت ماثلة في الكثير من القصص والحكايات والعقائد وما إلى ذلك ، وهو دليل على وجود صلات حضارية وبشرية تربط ما بين الماضي والحاضر ، وأن التواصل بين الأجيال لم ينقطع على الرغم من طول المدة الزمنية .

حول ملحمة جلجامش ينظر : طه باقر ، ملحمة جلجامش ، ( بغداد ، ط5 ،1986 )

رابط النشر /  http://tahawolat.net/ArticleDetails.aspx?Id=4709&ArticleCategory=0

هناك 4 تعليقات:

المواطن يقول...

أويدك جدا فيما سطرت اخى بالتوفيق ان شاء الله
تحياتى

باسم محمد حبيب يقول...

شكرا اخي العزيز المواطن انا ممتن لمرورك وكلماتك الطيبة

الدكتور ابراهيم خليل العلاف يقول...

مقالة جميلة تعكس شخصية العراقي الكلكامشي الذي رأى كل شيء ويبحث عن كل شيء شكرا لك اخي الاستاذ باسم محمد حبيب

باسم محمد حبيب يقول...

اشكرك جدا دكتورنا العزيز وانا ممتن جدا لمرورك الكريم وكلماتك الطيبة التي ستكون دافعا لي للإستمرار في تناول موروثنا الحضاري وثقافتنا العراقية العريقة

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969