الأحد، 3 نوفمبر، 2013

( الحلقة التاسعة ) يوميات سكين

رواية في حلقات
باسم محمد حبيب
لم يتفاجيء الشيخ بحديثي فقد سبق واطلع عليه ، لكنه لم يعلم بالتأكيد بمدى معاناتي ، التي وصلت حد نبذ النوم خشية من الكوابيس التي تتربص بي ، بل وتلتصق بي كظلي ، اما رغبتي التي لم اشأ ان اخفيها او اتجاهلها  ، فكانت تتمثل
بمعرفة سر هذه السكين ، التي فتحت علي باب جهنم وحولت حياتي إلى شقاء ، وبينما كنت اتبادل معه اطراف الحديث ، تلقى مكالمة هاتفية اجبرته لبرهة على قطع حديثه معي ، لكني شعرت ان للمكالمة علاقة بي ، بعد ان استهلها الشيخ بتوجيه نظرات عميقة مشوبة بالحيرة والتجهم ، فمن يا ترى هذا الذي كلم الشيخ واجبره على تشفير كلماته ؟ هل هو من طرف بائع السكين أم شخص آخر لا علاقة له بقصتي ؟ وبينما كنت اواجه ترددي ، سمعت جلبة وأصوات تكبير ، رافقت دخول قيادي جديد لم اعهده من قبل ، فقد كان هذا القيادي طويلا ، كث اللحية ، يجلجله الغموض من رأسه إلى أخمس قدميه ، ما جعلني اراقب حركاته واحصي سكناته ، عسى ان اجد ما يفك قيدي وينهي معاناتي ، وبعد ان جلس خاطبنا بلكنة غريبة :
-          انظروا إلى هؤلاء
وأشار بيده إلى رجال اربع كانوا جالسين امام الجمع في وسط الغرفة ، وهم مكممي العيون وموثقي الأيدي :
-         انهم من اعدائكم لأنهم يدعمون العدو بعملهم الخدمي وجهدهم اللوجستي
خاطبه احدنا :
-         يبدو من وجوههم انهم من العمالة الآسيوية
رد القيادي :
-         هم كذلك فعلا
أجابه المتكلم :
-         هل يستحقون المحاكمة ؟
رد القيادي :
-         نعم هم يستحقونها أيضا
-         ولكنهم ليسوا من ملتنا
-         نعم هم كذلك .. ولكن للجهاد شروط منها : ان يكون الشخص معاديا لك أو صديقا لعدوك
-         إذن ما الداعي لمحاكمتهم ؟
-         حتى نسمح لهم بالدفاع عن انفسهم انطلاقا من سنن ديننا
-         يبدوا هذا منصفا
-         نعم .. ولكن
صمت القيادي لبرهة ثم اكمل كلامه :
-         تواجهنا مشكلة التحدث معهم
ثم وجه كلامه إلينا :
-         هل هناك من يتقن لغتهم ؟
فلم يرد عليه احد فعاد القيادي للكلام :
-         ربما سنتفاهم معهم بالإشارات
فجأة رفع احد المتهمين يده وقال :
-         اسمحوا لي بترجمة الحديث فأنا احسن التكلم بلغتكم
سر القيادي بذلك ، وأعلن بدأ المحاكمة ، مبتدءا بسؤال المتهمين عن اسمائهم واعمارهم ودياناتهم وبلدانهم ، وبعد ان تلقى منهم الأجابة ، وجه لهم سؤالا جديدا :
-         لماذا تساعدون العدو ؟
تحدثوا مع بعضهم قليلا ثم نقل صاحبهم المترجم ردهم :
-         اننا لا نساعد أحدا  بل جئنا للعمل وحسب
-         ولكن أليس هناك عمل في بلدكم ؟
-         نحن من بلد فقير وليس فيه فرص عمل كثيرة وان وجدت فلا تسد حاجتنا
-         الم تجدوا بلدا آخر يمكن ان تجدوا فيه عملا مناسبا غير هذا البلد ؟
-         لو وجدنا هذا البلد لما جئنا إلى هنا وعرضنا انفسنا للخطر
-         هل كنتم تدركون هذا الخطر ؟
-         نعم .. ولكن ليس إلى هذا الحد
-         أتغامرون بحياتكم من اجل فرصة عمل محفوفة بالمخاطر ؟
-         انه الفقر يا سيدي
-         ولكن هل تنتظرون ان نرحمكم بسبب حاجتكم للعمل ؟
-         هذا ما نأمله منكم لأن الرحمة من سمات الاديان
-         انكم تعينون عدونا بعملكم لديه ونحن وهذا العدو في حالة حرب يقتلون منا ونقتل منهم وانتم بعملكم لديه تساعدونه على قتلنا
-         لم يكن قصدنا
-         لكن هذا ما حصل
-         نحن آسفون لذلك
-         وهل الأسف يجدي ؟
-         دعونا نغادر ارضكم
-         هذا يجعلكم تفلتون من العقوبة ؟
ما ان نقل المترجم هذا الكلام لهم حتى اجهشوا بالبكاء واخذوا يصرخون بصوت عال ويرددون كلمات بلغتهم  ثم تكلم صاحبهم المترجم :
-         اننا نطلب الرحمة .. نحن فقراء
رد القيادي :
-         لقد حكمنا عليكم بالموت
بدى الرعب على وجه المترجم ، لكن ذلك لم يمنعه من نقل ما سمعه إلى زملائه ، الذين ما أن سمعوه حتى أجهشوا بالبكاء ، ورددوا نفس الكلمات التي رددوها من قبل ، ثم رد المترجم والأرتباك بائن عليه :
-         هل حكمكم نهائي ؟
-         نعم وسينفذ في الحال
-         وما هو حكمكم ؟
-         الموت وبطريقة اسلافنا
ثم دعاني القيادي وثلاث اشخاص آخرين إلى تنفيذ الحكم بهم ، هنا اردت ان أدلو بدلوي في الأمر فقلت :
-         لماذا لا نطلب فدية منهم ؟
ابتسم القيادي وقال :
-         انهم من الفقراء وليس لديهم ما يدفعونه
-         ربما حكومتهم تستطيع ذلك
-         وهل تعتقد ان بلدهم الفقير يمكن ان يدفع من اجل فكاكهم
-         لنجرب ونرى
-         ليس لدينا وقت .. ثم ان لدينا سبب آخر لأصدار هذا الحكم وهو اننا نريدهم عبرة لغيرهم
-         اذن لا مناص من ذلك
-         نعم فتوكل على الله
شعرت بعد هذا الحوار ، أنني أصبحت كالدمية التي يحركونها كيف يشاؤون وليس كما اريد ، فهم يدفعوني إلى فعل اشياء لا استسيغها ، لأن هؤلاء الفقراء يذكروني بعائلتي التي كانت تعاني من شظف العيش ، لكن يبدوا انه كتب علي ان اعاني وان اعيش مأساتي الخاصة ، شعرت بالجمع وهو يتمعن بي ، كأنني الشاذ بينهم ، بعد ان نفذ الآخرون ما طلب منهم ، لذا اسرعت إلى هدفي بكل ما اوتيت من خوف وقلق وارتباك  ، كانت نظرات المترجم الذي عهد تنفيذ الحكم به الي  تقطر رعبا ،  لكن بعد ان لمح تلك السكين اللعينة ، هدأت حركته ، وضعفت مقاومته ، وبات كالمصدوم الذي لا يعي بما يحيق به ،  وبينما كنت أهم به ، سمعت صوت الشيخ وهو يدعوني إلى الطعام الذي يبدوا انه قد جيء به على غفلة مني .

                     يتبع                                               



ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969