الجمعة، 18 أكتوبر، 2013

الديانات الشيطانية .. الديانات البشرية الأولى

    باسم محمد حبيب 
متى بدا الإنسان يمارس العنف ؟ وهل هناك أدلة تثبت أن الإنسان عنيف بطبعه ؟ وللإجابة على ذلك نقول أن ممارسة العنف لم تكن حالة إنسانية وحسب فالكثير من الحيوانات تشاطره هذه الخاصية وتمارس العنف لأسباب شتى
وقد تبطش ببعضها البعض ( من أبناء جلدتها ) أثناء ذلك  إلا أن العنف لدى الحيوانات متصل بدوافع مباشرة غريزية في الغالب كالصراع من اجل الزعامة الذي تمارسه في العادة الذكور القوية من الحيوانات والعنف من اجل الطعام حيث تتقاتل بعض الحيوانات من اجل مراعيها أو طرائدها والعنف من اجل الإناث حيث يمثل الجنس احد الدوافع الأساسية للعنف ولان الإنسان حيوان بطبعه وهو نتاج رحلة تطورية طويلة فقد ورث  عن تلك الرحلة الطويلة  نزعة  العنف الحيوانية والتي تتصل بإشباع الغرائز والحاجات فلم يكن لدى الإنسان – الحيوان أي طموح يتجاوز نزعة البقاء ولذلك لم يتجاوز العنف لديه حدوده الحيوانية أما نظريات الإنسان المتوحش أو المفترس فليس هناك الكثير مما يؤكدها     على مستوى الأدلة المادية فقد يكون الإنسان متوحشا لجهله بالأمور الضرورية أو عدم وعيه لما هو مطلوب لكنه بالتأكيد لم يكن يميل للعنف كما يميل إليه الإنسان الحديث لأنه لا يملك الأسباب التي تدعوه لذلك فقد أصبحت بجعبة الإنسان الحديث الكثير من الأسباب التي كان يفتقر إليها أسلافه البعيدين من (المتوحشين !) كالاختلاف الديني والطائفي والعرقي والعنصري وما إلى ذلك لكن قد يقول قائل : أن غريزة العنف موجودة ومتأصلة لدى الإنسان لكن لم يكن لدى الإنسان القدرة على ممارستها بشكل واسع كما هو الحال لدى الإنسان الحديث وبالتالي فان قلة مستوى العنف لا تعزى إلى أن الإنسان القديم اقل ميلا له بل لأنه لا يملك الوسائل التي تمكنه من ممارسة العنف بشكل كبير وفي هذه الحالة سيكون علينا النظر إلى الإنسان على انه كائن عنيف بطبعه لكن مثل هذا الرأي المحتمل لا يمكن أن يطرح بشكل علمي على الأقل في ضوء ما لدينا من دلائل لان معظم تاريخ تلك الفترة يكتنفه الغموض وهو مرتبط بشكل كبير بما يتوفر من أدلة مادية وهذه الأدلة ليست كبيرة ولا يمكن أن تقدم لنا صورة مقنعة عن أوضاع تلك الفترة الموغلة في القدم التي تفتقر إلى الكتابة فبقدر ما لدينا من أدلة تؤكد الطموح الوحشي لدى الإنسان وميله المتأصل للعنف هناك أدلة أخرى تؤكد الجانب السلمي أو الطرح الإنساني كما نفهمه الآن فقد عثر في كهف شانيدر في شمال العراق على هيكل عظمي لإنسان بلغ من العمر عند وفاته ما بين الثلاثين والأربعين سنة وقد أثبتت الاختبارات العلمية أن احد ذراعيه عاطلة منذ ولادته فكيف تهيأ لهذا الرجل العيش كل هذا العمر ؟ أن لم يكن هناك شعور إنساني ورغبة عالية بالمساعدة فصعوبات العيش ربما تدفع الناس آنذاك للتخلص من المرضى والعجزة وهو ما لم يحصل أبدا في مثالنا وهذا الأمر ينطبق على أمثلة أخرى كثيرة فلدى سكان كهوف فرنسا واسبانيا دوافع كثيرة للتعاون مثلما لديهم أسباب كثيرة للتنازع والاختلاف بسبب ندرة الموارد وصعوبات المعيشة لكن وجدنا أن عوامل التعاون اكبر من عوامل التنازع والاقتتال وتوفر لنا رسوم الكهوف في فرنسا واسبانيا معلومات مهمة عن أهداف الإنسان القديم التي لم تبتعد كثيرا عن رغبته في اتقاء المخاطر وطلب الرزق فلم تطرح لنا تلك الرسوم أي رغبات عنفية سادية لدى إنسان ذلك العصر حتى مع الحيوانات التي يصطادها وبالتالي لم يجد الإنسان أي ضرورة لممارسة العنف تجاه الحيوانات التي تعيش في بيئته أو ضد أقرانه من البشر وبما أن عقل الإنسان الذي هو انعكاس لأنشطة الدماغ يتطور تدريجيا وتتكامل وظائفه عبر الزمن ويمتلأ بالمعلومات والخبرات من التجارب والممارسات العملية فهو بالتالي عضو مرن لا يمكن التنبؤ بمساره أو الطابع الذي يبلغه وبالتالي فان تحول الإنسان من كائن يحمل قدرا من العنف إلى كائن أكثر عنفا ربما ارتبط بهذا المسار الطويل ولو عدنا بالزمن إلى الوراء إلى أسلاف الإنسان قبل أخذه الشكل الإنساني لوجدنا أن أولئك الأسلاف لم يكونوا معبئين لممارسة العنف أكثر من القدر الضروري اللازم لحياتهم وهم على الأرجح لم يكونوا يقاتلون أبناء جلدتهم إلا بحدود ضيقة ولأسباب تتعلق بحياتهم المباشرة فالعوامل التي مكنت الإنسان من الارتقاء تتعلق بحيرته البايلوجية  فهو كائن تجريبي أكثر من كونه تكيفي وهذا ما يعزى إلى ظروف خاصة جدا  وهذا الأمر هو العامل الحاسم في ارتقاء الإنسان نحو وضعه الحالي فالتكيف هو التلاؤم مع البيئة فيما يأخذ التجريب طابعا أعلى من خلال العمل على استغلال البيئة بحيث تغدو أكثر من مجرد بيئة مناسبة ولم يتغير المسار التطوري للإنسان أو يتزحزح عن نسقه الوسطي حتى في ذروة التحديات التي واجهها الجنس البشري كموجات الجليد والبراكين والطوفانات وما إلى ذلك وهذا الأمر لا يمكن أن ننسبه لخواص الإنسان الفريدة  لان هذه الخواص مكتسبة لا أصيلة بل لان تلك التحديات لم تظهر إلا في فترات لم يعد فيها التغير الجذري ممكنا بعد أن اخذ الجسد البشري قالبه الوراثي وتطبع بطباعه البشرية فلو حصلت تلك التحديات في فترة مبكرة قبل أن يأخذ الجسد البشري قراره لربما شهدنا تغيرات مهمة على صعيد التطور البشري ولربما تعذر على الإنسان بلوغ المرتبة التي هو عليها الآن وبعد أن شارف الإنسان على بلوغ مرتبته الحالية خضع الإنسان لمرحلة أخرى من التطور ارتكزت هذه المرة على موروثه الجيني فقد ورث عن الفترة السابقة ملكات العدوان والعنف إلا انه لم يتوصل إلى وظائف تلك الملكات أو يحدد ميادينها فلم تكن لديه مشكلة في العثور على الطعام الذي كان متوفرا ولا يجد من ينافسه عليه ولم يكن يبتغي الزعامة لأنه لم يعش عيشة الجماعة التي تخلق التدرج بالمنزلة والطموح كما لم يحتج للبحث عن الأنثى أو التنازع حولها لان طاقة الإنسان الجنسية آنذاك لم تكن كبيرة ربما بسبب مشاغله الكبيرة وما كان يواجهه من تحديات حيث كانت ممارسته للجنس تتم في أوقات معلومة كما تفعل الحيوانات وكان يجد الفرصة المناسبة للحصول على أنثاه كلما رغب في ذلك ودون الحاجة لممارسة العنف وربما لهذا السبب لم يهتم الإنسان آنذاك بتأسيس عائلة التي ارتبطت بظروف مختلفة جدا لكن الأمور تغيرت بالتأكيد بعد ذلك بعد أن زادت المخاطر وساءت الأحوال المناخية فظروف القحط وندرة الغذاء والمياه تحتاج من الإنسان إلى الجماعة من اجل تامين مستلزمات الحياة ورغم أن المخاطر التي واجهت الإنسان لم تكن متشابهة إلا أن مواجهته لتلك المخاطر واستجابته لتلك التحديات حملت أطرا متشابهة فقد لجا الإنسان في أفريقيا إلى السكن في الأحراش وفوق الأشجار لمواجهة المخاطر على طريقة بعض أنواع القرود ثم تطور الأمر في المراحل التالية فأصبحت هناك تجمعات من أكواخ بدائية شكلت أولى أشكال المستوطنات البشرية ونفس الشيء حصل في أوربا التي شهدت غزو الجليد منذ ما يقرب من نصف مليون سنة وكان على الإنسان حينذاك إما أن يتعاون مع أبناء جلدته أو يموت جوعا  فنشأت بالتالي التجمعات البشرية الأولى التي ارتبطت بالبداية بمبدأ التحالف من اجل البقاء التي نتج عنها بالتدريج مفهوم العائلة وخلال هذه الفترة الطويلة التي امتدت منذ نشوء الجماعة والى فجر العائلة مرت الجماعة البشرية بتطورات مهمة ويرى البعض أن تلك الفترة كان يغلب عليها مبدأ المشاعية حيث يتساوى الجميع في اقتسام الحقوق والواجبات  فالفرائس التي يتم صيدها من قبل الجماعة والثمار التي يتم جمعها تغدو طعاما لجميع أفراد الجماعة ونفس الحال بالنسبة للجنس فجميع النساء لجميع الرجال والأطفال الذين يولدون هم أبناء الجماعة لا فردا محددا وعلى جميع أفراد الجماعة التعاون لدفع الخطر وحماية أفراد الجماعة لكن هذا بالنسبة للأشخاص المنتجين فماذا عن الأشخاص غير المنتجين كالمرضى والعجزة ؟ هل يقتلون أو ينبذون أم يتم رعايتهم من قبل الجماعة ؟ لقد اختلفت الإجابة عن هذا السؤال بين من يرى أن هؤلاء ينبذون وربما يهملون من قبل الجماعة لان حق العضوية في الجماعة مقتصر على الأقوياء والمنتجين وهؤلاء ينطلقون من أن رعاية الكبار تحتاج إلى جهود إضافية قد لا يتسنى للجماعة توفيرها وبالتالي ربما ارتبطت هذه الرعاية بالعائلة لا بالجماعة البشرية الأولى التي تعتمد على مبدأ التحالف من اجل البقاء لا على مبدأ القرابة لكن هناك من يصر على أن حقوق المرضى والعجزة تبقى مصانة ما دام هؤلاء على قيد الحياة ويعتمد أصحاب هذا الرأي على بعض الأدلة التي يقدمها علم الآثار كما هو الحال في معاق شانيدر الذي سبق ذكره مع انه يعود لفترة متأخرة لكن هناك بالمقابل أدلة على الرأي الأول أبرزها عدم العثور على الكثير من المستحثات التي تعود لعجزة ومسنين فمعظم المستحثات التي يتم العثور عليها تعود لأطفال أو لرجال في قمة الشباب وهذا أن دل على شيء فإنما يدل على أن الجماعة لا تقدم ضمانات ضد المرض أو العجز اللهم إلا عندما أصبح لهؤلاء فوائد معينة كرعاية الأطفال أو القيام ببعض الأعمال المنزلية التي تقوم بها النساء في العادة وإذا كانت العلاقات جيدة ويسودها التعاون فهذا لا ينطبق إلا على نطاق الجماعة التي تتقاسم المسكن الواحد الذي هو في الغالب كهف محكم للاتقاء من البرد ومن الضواري وما خلا ذلك فالإنسان لم يكن ودودا مع أخيه الإنسان وربما كانت العلاقات الودية شبه مفقودة في تلك الأزمان  إلا أن الأمور قد لا تصل إلى حدود ممارسة العنف الذي يبقى اسلوبا دفاعيا لا أكثر وبالنسبة لمواجهة المخاطر فان الأسلوب المتبع هو المواجهة المباشرة حيث يتعاون أفراد الجماعة لدرأ المخاطر لكن مثل هذا الأمر لا ينجح في مواجهة الأخطار غير المباشرة كالمرض أو الصواعق أو الفيضانات وما إلى ذلك فقد وجد الإنسان في هذا النوع من الخطر شرا كبيرا إلا انه لم يكن يعتقد أن تلك القوى ذات دوافع شريرة أي أنها تحمل في ذاتها إرادة الشر وبالتالي ما عليه إلا توجيهها بعيدا عنه  من خلال الاعتماد على قدرات خاصة اسماها السحر  فمن خلال هذه القدرات الوهمية يستطيع الإنسان السيطرة على تلك القوى وإبعاد شرها عنه وجلب خيرها إليه إلا انه ومن خلال تكرر حصول كوارث معينة رأى أن بعض تلك القوى تحمل في ذاتها إرادة الشر فهي بالتالي قوى شيطانية فألهمه ذلك البحث عن حلفاء من داخل الطبيعة لمواجهة تلك القوى فأثمر ذلك عن ظهور العبادة الطوطمية  حيث اعتبر الإنسان الأشياء المفيدة والمألوفة إليه طواطم يمكن الاعتماد عليها في حربه ضد القوى الشريرة التي تناصبه العداء وتروم الفتك به .                                                                        
    الديانات الشيطانية !
    قد يعترض البعض على توصيف الخوف من الشياطين بالديانة منطلقين في ذلك من وجهة النظر التقليدية التي ترى أن الدين هو بشكل حصري عبادة الإنسان للإلهة وهذا رأي تعوزه الدقة فالدين هو بالتحديد الإيمان بكائنات غيبية مؤثرة في البشر والشياطين بنظرنا هي أقدم الكائنات التي تحمل صفة غيبية  وكان على البشر مواجهتها بأحد أمرين أما بالتوسل والتذلل لاستدرار عطفها أو من خلال مواجهتها بالسحر حيث أصبح الساحر بمثابة الشخص الذي يملك مفاتيح الشأن الشيطاني أو على الأقل لديه القدرة على لعب دور ما بإزائه وعلى الأرجح نشا اعتقاد من أن ممارسي الشر ستكون لهم حضوه لدى الشياطين وان المطلوب ليس مواجهة الشياطين ولا مهادنتهم وحسب بل والانتماء إلى اتجاههم الممثل في الشر ورغم أن مثل هذه المعتقدات قد نشأت في فجر الديانة وبشكل خاص في الفترة التي سادت فيها الديانات الشيطانية إلا أننا شهدنا بقاء بعض مظاهرها  لفترات أخرى كما هو الحال في المعتقد الشاماني الذي يعطي القاتل الحظوة على المقتول! فالقاتل لا يحاسب على قتله لشخص ما بل يثاب بأن يصبح ذلك الشخص الذي قتله عبد له والرجل الذي يقتل عدد كبير من الناس هو الذي يحضا بأعلى الامتيازات  لكن علينا أن ندرك أن مثل هذا الاتجاه لم يكن سائدا آنذاك بل هو نتاج تطورات طويلة من بينها الاختلاط بالشق الإلهي من الديانة الشق الذي حاز الأفضلية بمرور الزمن أن أقصى ما بلغته الديانات الشيطانية في وقت ازدهارها هو الخشية من تلك القوى والتصرف معها بحذر وربما أيضا البحث عن سبل لإرضائها من بينها استدرار عطفها من خلال التوسل بها وتقديم القرابين إليها وليس بالمستبعد أن يحمل القربان بعدا شيطانيا أو انه تولد من المعتقدات الشيطانية فإزهاق روح الحيوان ليس الهدف منه إطعام الشياطين كما نفهمه في مفهوم القربان الإلهي ذو السمة الوثنية بل بالتقرب إلى الشيطان من خلال عملية القتل والتي أخذت تشمل البشر أيضا فقد أصبح القربان البشري من الأمور المعتادة في الديانات القديمة بما في ذلك الديانات الإلهية  التي توسعت فيه توسعا كبيرا بعد أن غدا الهدف ذبح أعداء الإله أو التقرب إليه بدمائهم  .                           
العنف في ادواره الأولى
   لم يحمل العنف في أدواره الأولى أي صفة دينية لان الإنسان حينها لم يهتدي للدين وبالتالي ارتبط العنف بالحاجات المباشرة للإنسان الأمر الذي منعه من التوسع فقد بقي في حدوده الضيقة أمدا طويلا فالعنف في المراحل الإنسانية الأولى لم يكن من النوع المدنس أو المقدس وهو بالتالي من النوع البريء المرتبط بإغراض محددة فهو شكل من أشكال العنف الطبيعي المعتاد في كل أنواع الحيوانات فالسلم هو الغالب على العلاقات البشرية قبل مرحلة التدين ولم يكن الإنسان من النوع الضار سواء اتجاه البيئة أو اتجاه أبناء جنسه فهو لا يقتل إلا دفاعا عن النفس أو طلبا لحاجة بيولوجية ولا يسرق إلا لسد جوعه أو إشباع حاجته وقد بقي الأمر بهذا الشكل لمئات الآلاف من السنين أي خلال اغلب فترات المرحلة الحجرية من الحضارة وربما لهذا السبب لم يحتج الإنسان للتطور الحضاري الواسع الذي ارتبط على الأرجح بتطورات اقتصادية ودينية ولسنا هنا في معرض المفاضلة بين العامل الاقتصادي والديني في نشوء الحضارة لأننا لا نملك الشواهد الكافية التي تتيح لنا ترجيح أيا منهما على الآخر إلا إنني أميل إلى أولوية الدين في هذا الخصوص لأنه هو الذي دفع إلى تشييد المباني الكبيرة الخاصة بالعبادة وهو الذي دفع إلى مواجهة الآخر نصرة للدين مع ما يترتب على ذلك من قتل وخطف ونهب وما إلى ذلك وحتى الملكية الاقتصادية لم تكن في أقدم صورها إلى ملكية دينية فكل الأرض التي يسكنها أتباع الإله هي ملك للإله وكل الناس هم عبيد له قبل أن يتوسع مفهوم الملكية ليشمل الملكية الخاصة التي ارتبطت بنشوء المجموعات المحاربة المدافعة عن الجماعة وبالتالي لا يتسنى لنا الحديث عن التوسع بالعنف قبل الفترة التي سادت فيها المعتقدات الدينية والتي يمكن تأشيرها بأواخر العصر الحجري القديم .                     
العنف المدنس                                                                      

   من هنا نشأت مرحلة العنف المدنس فوجود قوى تحمل في ذاتها إرادة الشر دفع العقل البشري إلى اعتبارها قوى شيطانية تناصب الإنسان العداء بهدف تحطيمه لكن إذا كان الأمر كذلك كيف نفسر تبني بعض البشر لها أو لجوءهم إليها ؟ فقد يلطف أسوا أنواع العنف لمجرد أن يقال عنه انه عنف مقدس! لكن كيف يبرر العنف البشري المسند من القوى الشيطانية ؟ وكيف يعد عنفا شرعيا ؟ وللإجابة نقول انه لا يجب أن نربط أفكارنا بأفكار أولئك الذين عاشوا قبلنا بآلاف السنين فاستغلال قوى الشر لإيقاع الضرر بالخصم يعد من ضمن الأمور المشروعة آنذاك ومثلما يسخر الإنسان الخير لمصلحته بإمكانه أيضا تسخير الشر وتحقيق أهدافه من خلاله وقد نتج عن ذلك أقدم أشكال التقييم الذي مازال الضمير الإنساني يحرص عليه فالقتل أيا كان شكله أو أسبابه هو من نتاج القوى الشيطانية وكذا الحال بالنسبة للسرقة والاغتصاب وما إلى ذلك إلا أن الإنسان لم ينظر إليه على انه عمل سيء فالسيئ هو ما يسبب له الضرر والجيد ما يقدم له الفائدة والعكس صحيح ومثلما يسخر الإنسان القوى الخيرة بإمكانه أيضا تسخير القوى الشريرة بواسطة السحر ! وقد أبرزت لنا رسوم الكهوف الكثير من الإشارات والرموز السحرية التي كان الإنسان يستخدمها لتهجين الشر وإغراء الخير وهو أسلوب معروف لدى السحرة في وقتنا الحاضر وإذا كان السحر مثل أول أشكال العنف المدنس فانه مازال إلى الآن يحمل هذه الرؤية حتى أن السحرة يقدمون لإبطال عمل سحري على استخدام القذارة أو النجاسة في مواجهة ذلك العمل وهو ما يؤكد عمق هذه النزعة وتغلغلها في العقل البشري حتى أنها صمدت بوجه الأديان التي جاءت بعدها لكنها مع ذلك لم تعد النسق السائد فلو قدر لنظرية العنف المدنس أن تدوم لأخذ التاريخ البشري طريقا أخر ولما احتجنا لكل هذه الجهود والأصوات الإنسانية من اجل إيقاف دوامة العنف ووضع حد لسفك الدماء الذي يحصل في غير مكان من هذا العالم إلى أن الذي جرى كان غير ذلك تماما فقد أخذت البشرية طريق العنف واستبدلت المدنس بالمقدس من اجل إعطاء شرعية للعنف أي أن مفهوم العنف المقدس ما هو إلا وسيلة لتحقيق الأهداف من خلال شعار يتسم بالقدسية وشعار كهذا لا يمكن تفنيده بسهولة أن المرجح أن الإيمان بالشياطين سبق الإيمان بالآلهة لان الكوارث الطبيعية وهجمات الضواري والأمراض واعتداءات البشر كانت بحسب إنسان ذلك العصر من أعمال الشياطين تستدعي منه التصدي لها بما لديه من إمكانيات حيث مثل السحر احد أهم أسلحته في هذا المجال حتى شاع استخدامه بين المجموعات البشرية ورغم أن الإنسان القديم قد امن بوجود قوى خيرة تقدم له المنافع وتذلل له المصاعب كالضياء والحيوانات العاشبة والكهوف وما إلى ذلك إلا انه لم يكن ينظر لتلك القوى على أنها مساوية للقوى الشيطانية فإذا كانت الشياطين قادرة على إماتة البشر وجلب الكوارث إليه فان الآلهة ليست قادرة على دفع الأذى عنه أو توفير حاجاته ولقد مر زمن طويل قبل أن يعتقد البشر بتوازن قوى الشياطين والآلهة الذي وجدنا أصدائه في الديانة الهندوسية من العصر التاريخي على الرغم من إيمانها بتعدد الآلهة والشياطين ثم جرى توحيد الآلهة في اله واحد والشياطين في شيطان واحد حيث بقي التوازن قائما بين هذا الشيطان وذاك الإله وقد تمثل ذلك بالديانة الزرادشتية بقطبيها الكونيين اهوارامزدا واهريمان ثم جرى تقليص قوة الشيطان مقابل رفع قوة الإله وقد تمثل هذا بالديانات التوحيدية الثلاث المهم في الأمر أن الخوف من الشياطين سبق الخوف من الآلهة ولعل اخطر أمر واجهته البشرية هو اخذ الآلهة لمنزلة الشياطين واعتبارها القوى الرئيسية في الكون لأنه فسح المجال لإعطاء العنف صفة قدسية فقد اخذ البشر يقتلون بعضهم بعضا باسم الآلهة ويمارسون شتى أشكال العنف من قتل واغتصاب وتعذيب وتخريب تحت غطاء الواجب المقدس .                                  

اركان الديانة الشيطانية                                                                       
(1)        الاعتقاد بوجود الكائن الشيطاني

 أن من أهم أركان الديانة الشيطانية هو الإيمان بوجود الكائن الشيطاني الذي يتمثل آنذاك بمعظم الظواهر الضارة كالفيضان والرعد والنار والصاعقة والمرض وربما بعض أنواع الحيوانات والحشرات كالذئب والوطواط والغراب والأفعى والعقرب ومن المرجح أن يكون الاعتقاد بسلبية هذه الحيوانات نابع من المرحلة الطوطمية السابقة التي بقيت الكثير من معتقداتها قائمة ولكن ضمن سياق الواقع الجديد ولان الإنسان آنذاك لم يكن يعتقد بوجود قوى مضادة للشياطين فقد نظر الإنسان إلى العالم نظرة تشاؤم ورعب حيث كان يعيش ما يشبه الفوبيا الخوف من كل شيء يحيط به وقد اخذ الإنسان بعد أن تطورت ملكاته التخيلية يتصور الشيطان على شكل كائن سريالي يتصف بكل صفات القبح المعروفة آنذاك وأبرزها الشكل المشوه وغلبة السواد الذي يقرنه بالظلام وما إلى ذلك حيث انتقلت هذه التصورات إلى المرحلة اللاحقة عندما أصبح الشيطان احد توابع الإله بل أداة من أدواته ولكن الشيطان في المرحلة المتأخرة كان مجرد موظف لدى الإله أو عاصي يعلم مصيره وبالتالي فان ملامحه القبيحة لا تعدو أن تكون وسيلة من وسائل الإله لتقريب الناس منه وإخضاعهم له بعد تخويفهم من الشيطان فهي ملامح مصنعة أعدت لغرض ما وقناع هدفه ترويض العاصين لكن قبل أن يغدو الإله سيد العالم كانت هناك مراحل وضعته في منزلة أدنى من الشيطان بسبب قلة حيلة الإنسان إزاء مخاطر الطبيعة ولم يشعر الإنسان بوجود قوى ذات إرادة خيرة إلا عندما تهيأت له بعض سبل الاطمئنان وشعر بنوع من الأمان في المحيط الذي يعيش فيه  عندها حاول أن يطرح الآلهة كقوى تمنحه بعض المساعدة إزاء قوى الشياطين ولم يكن قد وضعها بعد كقوى مضاهية لها لأنه يدرك حجم الأخطار المحدقة به وضالة المساعدة المقدمة له  من قوى الآلهة لكنه بعد أن نمت خبراته وتوسعت قدراته أصبح قادرا على تلافي المخاطر اخذ يغير من نظرته نحو الآلهة التي عدت بالنسبة له مساوية لقوى الشياطين قبل أن تغدو أعلى واكبر في المرحلة الأخيرة من تطور الدين .
  
(2)        ممارسة بعض الشعائر والطقوس التي يراد بها تلافي شرور ذلك الكائن

 ليس هناك شك في آن الإنسان القديم مارس بعض الطقوس التي أراد بها إبعاد الشر قدر المستطاع إلا انه لا يعرف على وجه التحديد نوعية هذه الطقوس لأنه لا توجد مصادر مكتوبة يمكن أن تساعد في معرفة طبيعة الطقوس التي تمارس آنذاك ومن تلك الطقوس التوسل والتذلل الذي يتم في الغالب بالقرب من الظاهرة – الشيطان ولا يستبعد آن يكون الإنسان قد مارس القتل ( تقديم الأضاحي ) لإثبات انه شرير ومن أتباع قوى الشر ومن الطبيعي أن يستهدف القتل مختلف أنواع الحيوانات لان إزهاق أرواح الحيوانات يرضي الشياطين حسب اعتقاده ولكنه لم يقتصر على هذا النوع من الأضاحي بل ربما أضاف إليها نظرائه من البشر حيث كان الأطفال والعجزة  أولى نماذج القرابين البشرية وقد بقي القتل بهدف التقرب إلى الكائن الماورائي قائما حتى تسيد الديانات الإلهية التي أعطت للقربان معنى آخر وان أبقت على طبيعته الدموية حيث أصبح ينظر له على انه وسيلة لإثبات أن كل شيء يرخص من اجل مرضات الإله لكن الإنسان لم يكتفي بذلك بل عمد إلى مواجهة الشر من خلال أتباع وسائل معينة اسماها السحر فمواجهة الكائن الشيطاني تتطلب قوة فوق متناول البشر وقد اعتقد الإنسان القديم أن هناك سبل تمكن الإنسان من تسخير قوى الطبيعة لصالحه لذا عمد على ممارستها لمواجهة ما يواجهه من مخاطر .


ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969