الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

العنف القومي في بلاد الرافدين بين الحقيقة والخيال

باسم محمد حبيب
كانت الفرضية الأساسية للمؤرخين الأوائل ان تأريخ جنوب العراق كان خلال الألف الثالث قبل الميلاد مشوبا بالصراع القومي بين السومريين والأكديين ، ليس بسبب الفوارق اللغوية وحسب بل وبسبب الفوارق الدينية والسياسية والأجتماعية
والفنية ،  وقد دام الصراع القومي امدا طويلا حتى تمكن الاكديون الذين هم طليعة الأقوام السامية من احكام السيطرة على البلاد [1] بعد الحرب الشهيرة بين لوكال زاكيزي ( حدود 2400 ق.م ) آخر ملوك عصر فجر السلالات وشاروكين الأكدي مؤسس الدولة الاكدية ( حدود 2371 – 2316 ق.م ) ، ويستند اصحاب هذه الفرضية على جملة من المعطيات ابرزها : ما رافق الحرب بين زاكيزي وشاروكين من اصطفاف قومي بوقوف الدويلات السومرية إلى جانب لوكال زاكيزي ووقوف الأكديين إلى جانب شاروكين [2] ، كما تشير نصوص الفأل والتواريخ المتأخرة إلى نشوب ثورات داخلية وخارجية في السنوات الأخيرة لهذا الملك لكنه افشلها جميعا ، ومن الأساليب التي اتبعها ضد الثائرين أنه تقرب بأسراهم إلى راعيته عشتار [3] ، وبالطبع فأن ما يعنيه النص أنه ربما قام بالتضحية بهؤلاء الأسرى قرابين لراعيته عشتار أو أنه وضعهم في خدمة حرمها ، إذ نعرف من مصادر اخرى ان ملوك بلاد الرافدين كثيرا ما يهدون أسرى الحروب إلى المعابد تقربا لآلهتها ، كما  أشارت النصوص المسمارية إلى مذابح كبيرة ارتكبها نجل شاروكين وخليفته ( رموش ) بعضها يرقى في عرفنا المعاصر إلى مفهوم الإبادة الجماعية ، ففي احدى المدن يشير احد النصوص إلى مقتل اكثر من ( 54 ) ألف شخص ، وهذا رقم قد يعني إبادة كل سكان المدينة ، كما تشير نصوص اخرى إلى قتل اعداد تتراوح بين 9 و16 ألف شخص ، وربما يصل مجموع من قتلهم في بلاد الرافدين وحدها إلى 100 ألف شخص [4] ، أما من قتلهم من خارج بلاد الرافدين فقد يزيدون على ذلك بأضعاف ، وفي نصوص اخرى تعود لنفس السلالة أشير إلى وضع الأسرى على ( كراشيم ) ، وقد طرحت عدة تفسيرات لهذه العبارة نظرا لأن لفظة ( كراشيم ) تعطي معنيين احداهما ( مذبح ) والآخر ( معسكر ) ، لذا اختلف المؤرخون في المعنى الذي تطرحه العبارة ، هل تعني ذبح الأسرى أم إرسالهم إلى معسكرات العمل بالسخرة ؟ إلا أن الرأي الثاني بات اكثر قبولا بالنظر إلى كثرة من تشير إليهم النصوص ناهيك عن توفر إشارات لمعسكرات من هذا القبيل [5] ، عرفت كثيرا في العهد الأكدي [6] ، مع انها قد تكون مما ورث من العهود السابقة أنطلاقا مما تورده الملاحم والأساطير ، ففي ملحمة جلجامش ترد ابياتا شعرية تشير إلى أن رعية جلجامش كانت تستيقض على ضربات الطبل لدفعها للعمل في سور اوروك [7] ، كما يرى جاكوبسن إلى أن اسم ( كرسو ) في دويلة لكش يعني ( الأسرى العراة ) ، وقد اطلق عليها هذا الأسم لأنها كانت بالأساس مستوطنة لأسرى الحرب [8] .


[1]. هاري ساكز ، البابليون ، ترجمة : سعيد الغانمي ، ( بيروت ، 2009 ) ، ص 50 .
[2] . باسم محمد حبيب ، أوما من عصر فجر السلالات حتى نهاية العصر البابلي القديم ، رسالة ماجستير غير منشورة ، جامعة واسط ، كلية التربية ، 2011 ، ص 66 – 69 .
[3] . طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، الطبعة الأولى لدار الوراق ، 2009 ، ص 399 .
[4] . هاري ساكز ، المصدر السابق ، ص  106 .
[5] . المصدر نفسه ، ص 107 .
[6] . حول معسكرات العمل في العصر الأكدي انظر : بنجامين فوستر ، أوما في حقبة سرجون ، نيوهافن ، 1982 ، ص 49 – 51 .
[7] . طه باقر ، ملحمة جلجامش ، ط5 ، ( بغداد ، 1986 ) ، ص 77 .
[8] . مجلة الدراسات المسمارية ، 214 ، 1967 ، نقلا عن ساكز ، المصدر السابق ، ص 107 .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969