الخميس، 5 سبتمبر 2013

العلاقة بين الإستشراق والتنقيبات الأثرية .. العراق انموذجا

باسم محمد حبيب

مقدمة
هل التنقيبات الأثرية وليدة الأستشراق أم أنها ليست كذلك أي أنها سبقت حركة الأستشراق ؟ وما دور حركة الأستشراق في التنقيبات الأثرية ؟ لقد انقسم المؤرخون والباحثون في الإجابة على هذين التساؤلين
إلى فريقين : فريق عد التنقيبات والدراسات الأثرية من نتاج الأستشراق حصرا وأن ما كان يجري في السابق لا يعدو أن يكون نوع من اللصوصية والسطو على ميراث الأقدمين ، فيما رأى فريق آخر   العكس من ذلك أي أن التنقيبات الأثرية ليست وليدة الأستشراق بل هي من منتجات اهل الدار أنفسهم على الرغم مما قد يشوبها أو يوازيها من أعمال نهب وسرقة ، وحصل نفس الشيء عند الإجابة على التساؤل الثاني إذ رأى فريق من المؤرخين أن هدف التنقيبات الأثرية للمستشرقين لم يكن هدفا علميا بل كان الدافع الأساس للتنقيبات ماديا بالدرجة الأساس ، الأمر الذي انعكس سلبا على أعمال التنقيب المبكرة التي اتسمت بالانتقائية وعدم الالتزام بالمنهج العلمي والآثاري ما أدى إلى تخريب العديد من المواقع الأثرية ناهيك عن الكثير من الآثار ، وهو ما ينطبق أيضا على دراسات المستشرقين التي اتسمت – بحسب هؤلاء – بالتعصب والأبتعاد عن الموضوعية ، فيما رأى فريق آخر عكس ذلك تماما أي نفي أن يكون الدافع المادي هو الهدف الأساس للتنقيبات الأثرية بل كانت هناك أهداف لا تقل أهمية عنه ومن جملتها  أهداف دينية وعلمية وشخصية ... الخ .
سنحاول في هذا البحث مناقشة هذه الاجوبة في ضوء ما يتوافر لدينا من معطيات علمية للوصول إلى فهم موضوعي لحقيقة العلاقة بين الأستشراق والتنقيبات الأثرية متمنين أن نكون قادرين على ذلك .

المبحث الأول / تنقيبات ودراسات ما قبل الأستشراق
1-   التنقيبات في العصور القديمة
إن الاهتمام بميراث الأقدمين والبحث في آثارهم لم يكن بالأمر الجديد في حضارة وادي الرافدين ، فهناك إشارات عديدة في النصوص المسمارية تشير إلى الحث على التنقيب في آثار الأولين فيما هناك إشارات أخرى عن تعمد الأقدمين على وضع كتاباتهم في مواضع معينة كالمعابد مثلا لكي يسهل الوصول إليها ، ففي ملحمة اتراخاسيس بطل الطوفان البابلية أشير إلى قيام الأخير بدفن الرقم المكتوبة حتى لا يجرفها الطوفان فتضيع [1] ، كما كان للملك الآشوري آشور بانيبال (668 – 627 ق.م) نشاطات تنقيبية مهمة وقد عرف بجمعه للألواح المسمارية القديمة ووضعها في مكتبة قصره ، وكان يستعين في سبيل ذالك بخبراء مهمتهم فحص الألواح المسمارية ومراجعتها لمعرفة أزمانها وقيمتها التاريخية [2] ، كذلك هناك إشارات مهمة على قيام الملك البابلي الأخير نابونائيد ( 555 – 539 ق.م ) بالتنقيب عن الآثار لأسباب مختلفة ، منها رغبته في إعادة بناء بعض المعابد ما تطلب منه البحث عن ودائع الأساس ( التمينو ) لمعرفة ان كان المكان أرضا مقدسة ، وربما أيضا فعل ذلك لأسباب لها علاقة بولعه بالآثار ، ومن المعلومات الأثرية التي قدمها هذا الملك ما أشار إليه في إحدى النصوص المسمارية من انه مرت 3200 سنة بين وضع حجر الأساس لترميم معبد شمش في سبار من قبل الملك الاكدي نارام سن وبين حجر الأساس الذي عمله لنفس الغرض [3] ، كما أشار في نص آخر إلى عثوره على كتابات تعود إلى ملك آخر ( هو نابو بولاصر ) ووضعها مع كتاباته [4] ، ومن الأدلة التي تشير إلى ذلك انتشار الولع بالماضي عند أهل ذلك العصر إذ جرى جمع واستنساخ العديد من الوثائق القديمة وجمع قطع الأثار ، ففي أثناء تنقيبات سير ليونارد وولي في قصر ابنة نابونائيد كاهنة الإله سين ( بعل – شالتي – ننار  ) وجد في نفس البناية وفي نفس الطبقة الأستيطانية موادا تعود إلى عصور متفاوتة مثل حجر حدود كشي وقطعة من تمثال للملك شولكي ومخروط طيني لأحد ملوك لارسا ، وقد أدرك وولي أخيرا انه نقب في المتحف الخاص بهذه السيدة البابلية [5]
2-   التنقيبات في العصر الوسيط ( الأسلامي )  
في عصر قبل الإسلام وبالتحديد في المدة القريبة منه ورد قيام عبد المطلب بن هاشم جد الرسول ( ص ) بالتنقيب عن الآثار على مقربة من الكعبة ، إذ عثر على سيوف وغزالين مصنوعين من الذهب الخالص الأمر الذي أثار غيض القريشيين الآخرين فأصطدموا معه لولا انه اخبرهم ان هذه المقتنيات لن تكون له بل ستؤول للكعبة [6] ، كذلك أشار القرأن الكريم إلى آثار الأولين التي تتواجد في مناطق معينة داعيا الناس إلى معاينتها لمعرفة كيف بدأ الخلق أو كيف كانت عاقبة الذين كفروا ؟ " قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " [7] " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ  " [8].
كما وجدت روايات تناولت احترام الحكام للآثار القديمة ومن هذه الروايات ما رواه   ابن عبدوس الجهشياري ( ت 310 هـ ) : أن هارون الرشيد أمر وزيره يحيى بن خالد البرمكي بهدم إيوان كسرى فقال البرمكي : لا تهدم بناء دل على فخامة شأن بانيه الذي غلبته وأخذت ملكه فقال هارون الرشيد : هذا من ميلك إلى المجوس لابد من هدمه فقدر للنفقة على هدمه الشيء الكثير استكثره الرشيد وأمر بترك هدمه ، فقال له البرمكي : لم يكن ينبغي لك أن تأمر بهدمه وإذ قد امرت فليس يحسن بك ان تظهر عجزا عن هدم بناء بناه عدوك فلم يقبل قوله ولم يهدمه [9].
 كما كان للرحالة المسلمين دور كبير في الكشف عن آثار الأولين ومن بين هؤلاء  الهروي من أبناء مدينة الموصل 568 هـ / 1173 م ، وقد ذكر الهروي انه دخل الأهرامات في مصر فوجد فيها مقابر فأطلع على الجثث المدفونة وعلى أكفانها القديمة ، وذكر أيضا أن الخليفة العباسي المأمون قد أمر بفتح أحد الأهرامات فوجدوا بداخله بيتا فيه موتى بأكفانهم ، كما يذكر أن بعض علماء المسلمين نصحوا المأمون بغلق الأهرامات احتراما للموتى [10] ، ويرى البعض أن هذا النصح هو الذي قوض مشروع المأمون التنقيبي .
وقد وضع أحد المؤرخين الآراميين ( السريان ) وهو المؤرخ ( ثيودور برخوني ) حدود 893 م ثبتا بأسماء ملوك بابل [11].
3-   دراسات الغربيين للشرق قبل حركة الأستشراق
قبل ظهور حركة الأستشراق بمدة طويلة كانت هناك دراسات غربية للشرق ، وربما يعد مؤرخي وعلماء اليونان السباقين في هذا المجال ، ويعد هيرودوست ( 480 – 425 ق .م ) الملقب بأبي التأريخ من أوائل من درسوا الشرق من الغربيين ولكن يؤخذ على كتاباته عدم الدقة وخلطه بين الحدث التاريخي والقصص الشعبي ، كما يشك البعض في زيارته لبابل لوجود تناقضات في وصفه لها ناهيك عما احتوته كتاباته من المبالغات .
كما جرى وصف بعض مناطق الشرق من قبل ( زينفون ) الذي شارك مع جيش من المرتزقة الإغريق بحملة كورش الثاني حاكم ولاية ليديا ضد أخيه الملك ارتحششتا الثاني ( 404 – 359 ق.م ) ، وبعد فشل الحملة ومقتل قائدها قاد زينفون المرتزقة الإغريق العشرة آلاف أثناء عودتهم إلى بلدهم .
ومن الجغرافيين البارزين الذين اهتموا بالشرق الجغرافي سترابو ( حدود 64 – 19 م ) صاحب المؤلف الموسوم (Geographica ) الذي يتكون من سبعة عشر جزءا تناول فيه جغرافية أقاليم العالم المعروفة [12].
وقد جاء في جغرافية سترابو الكثير من المعلومات عن العراق ومصر وشبه الجزيرة العربية ، كما تناول مدينة بابل في الجزء السادس عشر من مؤلفه إذ أشار إلى أنها لم تعد مسكونة في عصره ولكنه تناول أحوالها الماضية ووصف اسوارها وجنائنها المعلقة .
ومن المؤرخين الذين درسوا الشرق المؤرخ ديودورس الصقلي في حدود العهد الميلادي او قبله بقليل وقد ألف كتابا في تأريخ العالم عنوانه ( Bibliotheke Historike ) ، تضمن الجزء الثاني منه وصفا لمدينة بابل ومعبدها الرئيس كما وصف الجنائن المعلقة وذكر أن بنائها تم على يد الملكة سمير أميس .
اما الجغرافي الروماني بليني الأكبر ( حدود 23 أو 24 – 79 ق.م ) فقد اشتهر بمؤلفاته التأريخية والجغرافية واشهرها كتابه ( Naturalis Historia) أي التأريخ الطبيعي ،  تضمن الكتاب وصفا لجغرافية القارات المعروفة ونمط حياة السكان فيها وتناول منطقة الشرق الأدنى لاسيما العراق الذي ذكر الكثير من المعلومات عن أنهاره وأحوال الري والملاحة في البلاد كذلك وصف المدن المهمة التي كانت قائمة آنذاك [13].
وهناك مؤرخين آخرين يونانيين ورومان تناولوا الشرق من النواحي الجغرافية والتاريخية والاجتماعية من بينهم أريان وكلوديوس أليانوس ويوسيبيوس وغيرهم [14] ، ومن أوائل الرحالة الغربيين الذين أموا الشرق وتناولوا اوضاعه بنيامين التطيلي الذي وصل العراق عام 1160 م وكان هدف رحلته دراسة أحوال الجالية اليهودية في البلدان التي مر بها ، وقد شاهد أطلال المدن القديمة ومنها نينوى وبابل وزار خرائب قصر نبوخذ نصر وذكر انه ارتقى سلالم برج بابل ثم تلاه رحالة آخرون من أبرزهم الرحالة الالماني رؤولف الذي زار العراق في اواخر القرن السادس عشر زار برج عكركوف ونقل بعض الخطوط المسمارية التي اعتبرها رسوم او اشكال محورة من الطبيعة واشار إلى موقع على الفرات اسماه ( ايلوجو ) ربما موقع مدينة الفلوجة التأريخية [15] ثم تلاه بترو ديلا فالة الإيطالي وقد زار العراق في الربع الاول من القرن السابع عشر وهو اول من نقل الواحا من الحجر او الطين المنقوش بالكتابة المسمارية ووضعها في ايدي الباحثين  [16] تلاه الرحالة الفرنسي جان تافريتة الذي زار نينوى ودير الزور والدور وعكركوف وكتب عن الصابئة [17].

المبحث الثاني / الأستشراق والآثار
1-   الرحالة المستشرقين
زار عدد من الرحالة الأوربيين الشرق في مستهل القرن السابع عشر إذ كان لرحلاتهم أهداف مختلفة من بينها السياحة والتجارة ، وقد وصفوا الأمكنة وأحوال السكان في بلدان الشرق الادنى في تلك المدة كما تناولوا بعض المعلومات عن تأريخه ، ومن الرحالة البارزين الرحالة الدنماركي كارستن نيبور الذي طاف في الشرق ما بين 1761 – 1767 وقد تميزت كتاباته بالروح العلمية كما ارتكزت الرحلة على وصف الآثار ودراستها ، كما زار الشرق المبعوث البابوي ( بوشام ) وقد طالت إقامته في بغداد لتستمر خمسة أعوام 1785 – 1790 م ركز خلالها على الآثار وقدم معلومات مهمة عن آثار العراق إلى أكاديمية العلوم الفرنسية ونشر أبحاثه في مجلة العلماء الفرنسيين ، ونظرا لجهوده ومعلوماته التي قدمها عن مشاهداته فقد تولدت رغبة عارمة لدى المؤسسات الغربية لدراسة الشرق ، وربما تعد هذه فاتحة الأستشراق الآثاري إذا صحت التسمية [18].
2-   المستشرقين والتنقيبات غير العلمية
وفي نهاية القرن الثامن عشر برزت التنقيبات الأثرية كأحد الفروع التي يهتم بها المستشرقين وكانت انطلاقة هذا النوع من الاهتمام مع الغزو الفرنسي لمصر ورغبة الفرنسيين في البحث في تراث الحضارة الفرعونية ، ولم يقتصر الاهتمام على مصر بل امتد إلى عموم منطقة الشرق الأدنى القديم وكان للكتاب المقدس أثره البالغ في توجيه الأنظار إلى هذه المنطقة ، ولكن مما يؤسف له ان التنقيبات في هذه المرحلة لم تكن مبنية على أسس علمية بل غلب عليها الارتجال والدافع المادي ، وقد امتدت التنقيبات غير العلمية لفترة قرن كاملة من أواخر القرن الثامن عشر إلى أواخر القرن التاسع عشر وقام بها في الغالب القناصل ووكلاء الشركات التجارية وغيرهم ، ويعد كلوديوس ريج من أوائل من نقبوا عن الآثار كما قام ببعض الحفريات في آشور وبابل ورسم خارطة طبوغرافية لمدينة بابل أصبحت مرجعا لما جاء بعده من الآثار يين ، كما جمع بعض الآثار من المواقع الآشورية شحنت إلى لندن بعد وفاته لتكون الشحنة الأولى من الآثار الآشورية التي تصل إلى أوربا [19] ، ومن المنقبين الأوائل بكنغهام الذي زار بابل عام 1816 وقدم بعض الافتراضات حول برج نمرود الوارد في التوراة ، أما الفرنسيين فأبرزهم أميل بوتا الذي عين قنصلا فرنسيا على الموصل وأثناء قيامه بعمله نقب في تل قوينجق ثم في تل خورسباد التي عثر فيها على منحوتات مهمة جلبت اهتمام السلطات الفرنسية ما دفعها إلى ارسال فنان ليقوم بنسخ المنحوتات وقد دعمت الدولة العثمانية جهود بوتا [20] ، ثم خلفه فكتور بلاس الذي كان مهندسا بارعا فساعده اختصاصه على أعداد مخطط كامل لتفاصيل قصر سرجون الواسع في خورسباد بزقورته وأقسامه الأخرى ، وقد نشرت أبحاثهما بفضل الدعم الحكومي في كتاب خاص وكان استقبال الكتاب الذي حوى جهد المنقبين بوتا وبلاس منقطع النظير في فرنسا وخارجها ، ونظرا للنجاح الهائل الذي حققته البعثة الفرنسية فقد آثار هذا غيرة البريطانيين الذين سارعوا لإرسال أوستن لايارد إلى الموصل الذي عرف عنه محبته للشرق وتشوقه لكشف لثامه ، وقد استعان بهرمز رسام وهو احد أبناء المنطقة ليكون مساعدا له ، فقاموا معا بأعمال تنقيب في كل من نمرود ونينوى نتج عنها شحن الكثير من القطع الأثرية إلى انكلترا ، ثم تحول إلى جنوب العراق ليقوم بمسح المنطقة عاد بعدها إلى الموصل ليقوم بجولته التنقيبية الثانية التي حاز فيها على نجاح كبير وشهرة واسعة سيما بعد إرسال شحنة أخرى من الآثار ضمت هذه المرة عدد من الثيران المجنحة والأشكال الآدمية والحيوانية المختلفة ، ولتوثيق تنقيباته ألف كتابا تناول فيه مجمل جهوده التنقيبية اسماه ( نينوى وبقاياها ) بعد ذلك اسند المهمة لنائبه رسام الذي اتصف عمله بالعشوائية وعدم الدقة والحفر الشامل وغير النظامي للمواقع الأثرية إذ كان هدفه جمع اكبر قدر ممكن من الآثار وإرسالها إلى أوربا [21] ، ثم تأسس الإمبراطوري في اسطنبول ورأسه حمدي بيك الذي قام بعقد اتفاقات مع البعثات الأجنبية لتقاسم الآثار مقابل التصاريح التي يمنحها لهم [22].
3-   المستشرقين والتنقيبات العلمية
أما التنقيبات العلمية فبدأت بها البعثات الألمانية سيما البعثات التي ترسلها الجمعية الألمانية الشرقية التي أرسلت أول بعثة للآثار رأسها أوبرت كولدفاي كان ميدانها مدينة بابل الاثرية ، وقد وضعت هذه البعثة أهدافا محددة تمثلت : بالفحص الدقيق لكل البقايا البنائية التي يضمها الموقع ، والتأكيد على التعاقب الطبقي للتراكمات الأثرية لاستنباط الأبعاد الزمنية للأدوار التاريخية التي مرت بها مدينة بابل للتوصل إلى استنتاجات حول البنية الاجتماعية للمواقع المنقبة ، وقد نجحت البعثة في الكشف عن معالم مهمة تعود لعهود بابل الحديثة والوسيطة وتوقفت عند حقبتها القديمة بسبب انغمار الأجزاء السفلية من الموقع بالمياه الجوفية ، ومن معاوني كولدفاي فالتر اندريه الذي نقب في آشور واستخدم أسلوب الحفر العمودي وبوردن ونولدكة في الوركاء وقد تقاسموا المكتشفات الأثرية مع المتحف العثماني [23].
ومن البعثات الاميركية المبكرة بعثة جامعة بنسلفانيا للفترة من 1899 – 1900 والتي عملت في نفر العاصمة الدينية للسومريين وحققت اكتشافات مهمة زادت من معرفتنا بمنجزات السومريين ومن منقبيها بيترز وهلبرشت وعلى اثر ما اكتشفته من نصوص وضع ارنو بويل قواعد اللغة السومرية عام 1923 [24].
وبعد الحرب العالمية الأولى ووقوع العراق تحت السيطرة البريطانية تزعم البريطانيون حقل التنقيبات الأثرية ، وكان معظم العاملين في هذا المجال ممن خدموا في الجيش البريطاني كضباط سياسيين او ضباط استخبارات وأبرزهم وليونارد وولي وتامبسون [25] .
وتعد التنقيبات الاميركية – البريطانية المشتركة في اور أهم مثال على التعاون في المجال العلمي إذ استمرت هذه التنقيبات للفترة من 1922 – 1934 وتم من خلالها تسليط الضوء على جوانب مهمة من تأريخ البلاد سيما العصرين الشبيه بالكتابي وعصر فجر السلالات ، كما تم العثور على كم هائل من الرقم الطينية والأختام والمنحوتات المختلفة زينت متاحف بغداد ولندن وفيلادلفيا [26] .
وعاود الألمان نشاطهم التنقيبي في عام 1928 وقد نقبوا في الوركاء وحققوا نجاحات كبيرة في هذا المجال ، وكانت تنقيباتهم مثالا للعمل العلمي الدقيق والصبور في البحث عن تفاصيل البنايات الأثرية وتتبع أدوارها السكنية ، فنجحوا في تقديم معلومات مهمة لم يتسنى الحصول عليها من التنقيبات الأخرى [27] .
ومن البعثات التنقيبية الأخرى بعثة جامعة شيكاغو التي نقبت في ديالى ومن ابرز أعضائها جاكوبسون وفرانكفورت وسيتون لويد ، كما شاركت بعثة يابانية في أعمال التنقيب هي بعثة جامعة طوكيو برئاسة ناميو ايكامي نقبت في شمال العراق في منطقة تلعفر ، هذا بالإضافة إلى بعثات تنقيبية اميركية وبريطانية وروسية وبولندية وغيرها ، وقد ساهمت هذه البعثات بجمع معلومات مهمة عن تأريخ العراق الحضاري وأنارت الكثير من الحقب المظلمة في هذا التأريخ  [28] .


الخاتمة
نستنتج من البحث ما يلي :
1-   وجود اهتمام لدى سكان العراق القديم بالبحث عن الآثار يرتبط بالرغبة في معرفة أخبار الماضين وتتبع نشاطاتهم وأعمالهم للعبرة والاستفادة .
2-   لم يكن الاهتمام الشرقي بالآثار مبنيا على أفق بعيد ونظرة واسعة بل كان اهتماما محدودا ويرتكز في الغالب على أهداف آنية وتطلعات محددة .
3-   لم يظهر الاهتمام الغربي بآثار العراق بشكل مفاجئ بل كانت له إرهاصات قديمة أخذت تتطور بنمو العلاقات وتوسع الاتصالات الحضارية وتسارع مستويات النمو التطور .
4-   على الرغم من وجود الدافع المادي ( النفعي ) في الاتجاه نحو حضارة العراق دراسة وتنقيبا إلا أن الاتجاه العلمي والمعنوي كان حاضرا أيضا وقد تبلور وتطور بشكل تدريجي حتى أصبح من سمات هذا المنحى .
5-   كان للتنقيبات الغربية اليد الطولى في دراسة تأريخ العراق وفي فهم أبعاده مما لم يكن ممكنا بالاستعانة بالجهود المحلية أو الإقليمية .


المصادر
1-   القرآن الكريم
2-   نخبة من الباحثين العراقيين ، حضارة العراق ، ج2 ، ( بغداد ، 1985 ) .
3-   هاري ساكز ، عظمة اشور ، ترجمة : خالد اسعد عيسى واحمد غسان سبانو ، ( دمشق ، 2008 ) .
4-   جورج رو ، العراق القديم ، ترجمة : حسين علوان حسين ، ( بغداد ، 1984 ) .
5-   زكي محمد حسن ، الرحالة المسلمون في القرون الوسطى ، ( القاهرة ، 1945  ( .
6-   طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج 1 ، طبعة دار الوراق الأولى ، 2009 .
7-   نيقولاس بوستغيت ، حضارة العراق وآثاره ، ترجمة : سمير عبد الرحيم الجلبي ، ط1 ، ( بغداد ، 1991  ) .
8-   سرورلس بدج ، رحلات الى العراق ، ترجمة فؤاد جميل ، ط1 ، (بغداد ، 1966 ) .
9-   صوموئيل كريمر ، السومريون ، ترجمة : فيصل الوائلي ، ( الكويت ، 1973 ) .
10-                      فرنسيس بشير وكوركيس عواد ، العراق في القرن السابع عشر ، ( بغداد ، 1944 )  .
11-                      بهنام ابو الصوف ، ظلال الوادي العريق ، ( بغداد ، 1992 ) .
12-                       الموقع الالكتروني التالي : www.elaph.com/ElaphLibrary/2004/9/12084.htm

13. 150 year oF Archaeology, (Great Britain, 1975),p . 13 Danael,G,.


[1] . نخبة من الباحثين العراقيين ، حضارة العراق ، ج2 ، ( بغداد ، 1985 ) ، ص 272 .
[2] . هاري ساكز ، عظمة اشور ، ترجمة : خالد اسعد عيسى واحمد غسان سبانو ، ( دمشق ، 2008 ) ، ص 422 .
[3] . حضارة العراق ، المصدر السابق ، ص 272 – 273 .
[4] . المصدر نفسه ، ص 273 .
[5] . جورج رو ، العراق القديم ، ترجمة : حسين علوان حسين ، ( بغداد ، 1984 ) ، ص 512 .
[6] . ابن كثير ، السيرة النبوية  ، ج1 ، ص 171 .
[7] . القرأن الكريم ، سورة العنكبوت ، 20 .
[8] . سورة الروم ، 42 .
[9] . نقلا عن الموقع الالكتروني التالي : www.elaph.com/ElaphLibrary/2004/9/12084.htm
[10] . زكي محمد حسن ، الرحالة المسلمون في القرون الوسطى ، ( القاهرة ، 1945  ( .

[11] . طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج 1 ، طبعة دار الوراق الأولى ، 2009 ، ص 130 .
[12] . طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 126 .
[13] . المصدر نفسه ، ص 127 – 128 .
[14] . طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 128 .
[15] . سرورلس بدج ، رحلات الى العراق ، ترجمة فؤاد جميل ، ط1 ، (بغداد ، 1966 ) ، ص 168 – 189 .
[16] . صوموئيل كريمر ، السومريون ، ترجمة : فيصل الوائلي ، ( الكويت ، 1973 ) ، ص 8 .
[17] . فرنسيس بشير وكوركيس عواد ، العراق في القرن السابع عشر ، ( بغداد ، 1944 ) ، ص 78.
[18] . طه باقر ، ص 132 – 133 .
[19] . حضارة العراق ، ج1 ، ص 60 .
[20] . نيقولاس بوستغيت ، حضارة العراق وآثاره ، ترجمة : سمير عبد الرحيم الجلبي ، ط1 ، ( بغداد ، 1991  ) ، ص 36 .
[21] . نخبة من تباحثين ، حضارة العراق ، ج1 ، ص 64 .
[22] . المصدر نفسه ، ص 65 .
[23] . بهنام ابو الصوف ، ظلال الوادي العريق ، ( بغداد ، 1992 ) ، ص 41 – 42 .

[24] . 150 year oF Archaeology, (Great Britain, 1975),p13 Danael,G,.
[25] . حضارة العراق ، ج1 ، ص 68 .
[26] . بوستغيت ، حضارة العراق وآثاره ، ص 46 .
[27] . حضارة العراق ، ج1 ، ص 68 .
[28] . المصدر نفسه ، ص 70 – 71 .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969