الأربعاء، 10 يوليو، 2013

ترجمة الأدب في العراق

10/7/2013 12:00 صباحا
استطلاع – صلاح حسن السيلاوي  / جريدة الصباح العراقية
هذه الافكار الجديدة والقديمة التي تتوالد في سماء اللغة المذهبة بالمعنى، ما كانت لتحلق بهذا المستوى من الارتفاع في مخيلة النجاح لولا عناق الثقافات المتكرر الذي نسميه ( ترجمة ).
هذا الشباك الذي فتحه الانسان على مثيله ليقرأ ذاتا وثقافة ووعيا آخر، فكانت النتيجة ان يكثف العقل في الارض تجربته ويرصن
وعيه عبر اكتساب التجارب وتصحيح مسارات العلوم والمعارف، ومن هذا كان التنوع الثقافي يقتبس معناه وبقاءه.
الاخر لغة أخرى، والنافذة التي تطل على وعيه وثقافته ( ترجمة )، لذا، فلا آخر بلا نافذة تجيد الاطلال على تلك اللغة، التي هي خزين لثقافات شعوب انتجتها ووضعت بين اساليب تداولِها أصواتَ حيواتهم المتداخلة عبر أزمان واحداث طويلة ومعقدة.
لا تقف أهمية الترجمة عند هذا الحد، بل تمتد تلك الاهمية الى الاسئلة التي تحيط بواقع تطورها، وامكانيات معالجة العلل التي تتسلل لتسرق عافية جسدها، لذا فالتساؤل عن المشهد العراقي لترجمة الادب والثقافة من وإلى العالم، يمنح الذات شرفة تطل بها على مقدار اهتمامنا بثقافات الشعوب، فضلا عن مدى محاولاتنا لإطلاع تلك الشعوب على منجزنا، من خلال السعي لترجمة ادبنا للغات متعددة.
التأثير والتأثر، هذا جزء مما تعنيه الترجمة، فلا يمكن لشعب يريد لثقافته التأثير في العالم، أن يظل بلا ترجمة لإبداعه المحمول عبر اللغة، ولا يحلم شعب أن يَفْهم ويُفْهم من دون استخلاص ثقافات الآخر، من أجل كل ذلك وما يجاوره من هموم الترجمة في العراق استطلعنا آراء نخبة من المثقفين، لنقف على مقربة من همومهم في ما يخص الحاجة للكتاب المترجم، في سعي منا للوصول الى حالة من الكشف الاستبياني لحجم المشكلات التي يعانيها القارئ المتخصص، ونقصد الاديب الباحث عن كل جديد في مجال الترجمة الابداعية، ولذا استطلعنا اراء نخب قارئة للترجمة، واستثنينا من يزاول همومها، لأن الموضوع على أهمية يستحق اطلالة اخرى على هموم الترجمة من أفواه المترجمين.

فهم السياق الثقافي للغة

الروائي ناظم العبيدي، رأى أن الترجمة الأدبية تتطلب من القدرة الإبداعية الفنية الكثير، لأن نقل نص أدبي الى لغة أخرى يواجه صعوبات جمة تتعلق بطبيعة اللغة الأصلية المنقول عنها، وكذلك اللغة الأخرى التي يراد نقله اليها، مؤكدا على قدم عملية الترجمة في الثقافة العربية التي بلغت ذروتها في زمن تألق الحضارة العربية الإسلامية، الا أن عدد ما يترجم من نصوص مقارنة بدول أخرى يبدو ضئيلاً، على حد قوله، ولكن العبيدي اثنى على تصاعد عملية ترجمة النصوص واختيارها الموفق في السنوات الأخيرة، ذلك التصاعد الذي يجعله يشعر ببعض التفاؤل حيال هذا الجهد المعرفي الخلاق.
ثم تحدث عن رأيه في ترجمة الرواية لافتا الى ظهور مبدعين حقيقيين اغنوا المكتبة العربية بترجمات رائعة، لم تفقد النص المترجم جماليته الفنية فضلاً عن الدقة في تقديم خصوصية المؤلف الذي تضمنها النص، وذهب العبيدي إلى أن امتلاك كل لغة لطرائقها التعبيرية خصيصة تتعلق بثقافة وتاريخ الناطقين بها، يجعل مسؤولية المترجم تصبح هنا جديرة بالتقدير والإكبار، وهذا ما جعل بعض المترجمين اعلاماً ورمزاً يشاركون صاحب النص الأصلي في جذب القارئ الى قراءة النص الروائي، على حد قوله، كما تحدث عن إساءة بعض الترجمات الى أعمال بعينها بسبب فقدانها للمقومات التي أشرنا اليها حتى انها أدت الى عزوف القراء عنها بسبب الترجمة غير الموفقة، موضحا أن افتقار المترجم لفهم السياق الثقافي والحضاري الذي صدر منه النص يمنعه من الالمام بخفايا ما انطوى عليه ذلك النص من اشارات ودلالات، الأمر الذي سيسيء بشكل بالغ للنص حال ترجمته، وتكمن الإشكالية – حسب العبيدي - في أن اللغة كمعطى دلالي لا يمنح أي مستخدم خصوصيته الا من خلال الانتقاء اللغوي في عملية الصياغة وما يطلق عليه بالأسلوب، يضاف الى ذلك قدرته الإبداعية على استثمار الطاقات الدلالية في لغته بشكل خاص، وأبدى العبيدي ضرورة انتباه المترجم الى هذه العملية التي بدونها يصبح النقل الآلي طمسا لتلك الفرادة ووضعا لها في سياق متشابه يجعل صوت المؤلف ضائعاً مع آخرين يشاركونه ذات اللغة، مبينا أن حدوث ذلك يأتي لأن اللغة الجديدة المنقول اليها تستبطن ثقافة أخرى ودلالات تاريخية مغايرة، متسائلا : كيف يمكن استقبال نص من امريكا اللاتينية اراد منه المؤلف سبر غور علاقة انسانية لشخوص يعيشون في بيئة مختلفة، يعكسون في حواراتهم ورؤيتهم للعالم محليتهم وليس غيرهم من فئات المجتمع الإنساني ؟ وكذلك الحال مع بقية النصوص الروائية المنبثقة من بقاع متباينة من العالم والثقافات التي عرف القراء من خلالها تقاليد وخصوصية المجتمعات التي يجدونها داخل النص الروائي.
ثم أضاف قائلا : جوهر العملية الإبداعية في الترجمة الروائية يقوم على الإحساس الجمالي والمعرفي لدى المترجم بكلا اللغتين، لغته الأم التي ينقل اليها واللغة المنقول عنها، وفهمه لطبيعة الثقافتين اللتين تسكنان داخل نظامها الدلالي، فليست اللغة كائنا جامدا كما يعتقد الكثيرون ممن يستخدمون اللغة بشكل آلي ساذج، بل هي رسائل وشفرات تقول الكثير عن تاريخها كما تفعل ذلك بقعة الأرض التي ينقب فيها الآثاريون، ومن يمارس الكتابة الأدبية يعرف بشكل عميق أن اساءة الفهم المرافقة لأية عملية قراءة تنشأ من هذه الحقيقة، من غفلة منشئ النص عن طبيعة اللغة وما تحمله من مرايا عاكسة، لهذا يمكننا تكرار ما بدأنا به من أن المترجم مبدع آخر لا يقل براعة في استخدام اللغة بطريقة فنية واعية عن الكاتب الذي أبدع نصاً روائياً استثمر فيه طاقته الفنية واللغوية.

إشكاليات الترجمة

ووصف الدكتور علي حسين يوسف الترجمة بالإشكالية التي من اهم اسبابها، الطابع الاجتهادي حيث يعتقد كل مترجم أنه هو الاصح لذلك يجترح المصطلحات التي تعجبه مما سبب مشكلة اطلق عليها فوضى الترجمة.
ولفت يوسف إلى وجود أكثر من مجمع لغوي وعلمي، اوصى بتوحيد الجهود الترجمية لكن لم يؤدِ ذلك الى اجماع يذكر، مشيرا الى أن ام الاشكاليات في الترجمة ان المترجم العربي ينسى ان النصوص الاجنبية تستند الى خلفيات فلسفية وفكرية وعقائدية مختلفة عن الخلفيات العربية تماما وبدون فهم تلك المرجعيات لا يمكن الوصول الى فهم حقيقي لدلالات النص المترجم، فضلا عن الاختلاف بين قواعد اللغات الذي قد يكون سببا عائقا في نقل دلالات النص التي يريدها المبدع على حد قوله.
وفي ما يخص واقع واهمية المترجم العراقي بين اقرانه من المترجمين في الدول الاخرى بيّن يوسف أن المترجمين العراقيين يتمتعون باحترام كبير في الاوساط العربية.. وضرب على ذلك مثلا بقوله : لم يستطع احد ان يترجم مصطلح الاختلاف الدريدي حتى جاء المترجم الشاعر العراقي المغترب كاظم جهاد وترجمه ترجمة نقلها عنه الجميع بما فيهم المغاربة.
ثم ذكر اسمين من النقاد الذين لا يمكن التغافل عن ذكر اسمائهم على حد رأيه فقال : سعيد الغانمي الذي ترجم العمى والبصيرة لبول دي مان، ويوئيل يوسف عزيز الذي ترجم كتاب سوسير : فصول في علم اللغة.
ثم قال : لقد نظر إلى الترجمة في الثقافة المعاصرة على أنها حقل معرفي وليست مجرد ظاهرة لغوية مجالها النص الأدبي حتى سمي هذا الحقل علم الترجمة , وقد تداخل هذا العلم مع علوم أخرى حتى انه أصبح محط اهتمام اللغويين والفلاسفة على حد سواء لاسيما حينما يتعلق الأمر بترجمة الإشارات والمفاهيم والمعاني وهي موضوعات يتنازعها الفلاسفة واللغويون بالبحث، الأمر الذي يتطلب من القائمين على الترجمة الإحاطة بالفكر النقدي الأجنبي في لغته الأصلية وسياقه التاريخي والحوار مع هذا الفكر واستخدامه بشكل تطبيقي من أجل توضيح الاختلاف والتطابق بينه وبين الثقافة العربية، ثم بيان مدى صلاحية ذلك الفكر المنقول وجدواه.
فالترجمة العربية تسبغ المدلول المحلي على النص المترجم ما يجعله خاضعاً وبصورة قسرية بدءا من اختياره من بين نصوص عدة للترجمة مروراً بصياغة الخطاب الذي يتسم بالطابع المحلي وانتهاءً بتحميله معاني محلية ووضعه في خدمة اهتمامات قد تكون مغايرة , فالنص المترجم في أغلب الأحوال يخضع إلى رؤية آيديولوجية خاصة بالمتلقي الذي يود أن يعيد قراءة العالم على وفق معطيات صورة النص الجديدة وهيئته , ومن هنا يبدو ان تباين المفاهيم الاجتماعية للنص المترجم مع المفاهيم الاجتماعية المنقول إليها بعد الترجمة يعد أمرا لا فكاك منه وإذا كان الأمر كذلك فلابد من الأخذ بالحسبان الموقف الذي يظهر الاهتمام بالمفاهيم الاجتماعية كالجنس والطبقة الاجتماعية والمجموعة العرقية.

خيانة النص

الشاعر عبد الحسين بريسم توافق مع المقولة المشهورة عن الترجمة والتي تصفها بخيانة النص، مفسرا سبب توافقه باختلاف محتوى النص في اللغة الام من اشارات ومعانٍ عمّا هو عليه في النص المترجم الى لغة اخرى، لافتا الى أن ذلك لا يعني ان تكون القطيعة أمرا مبررا لأن الانفتاح على ثقافة الآخر يأتي من خلال ما تمت ترجمته من اعمال ادبية وعلمية ودينية، واعتقد بريسم ان اغلب ما ترسخ في صناعة ثقافتنا الشعرية والروائية على الاقل، جاء من خلال ما ترجم من اعمال لشعراء وكتاب تركوا أثرا كبيرا واصبحوا مرجعيات لثقافتنا الجمعية وهذا يحسب لما قدمه المترجمون لنا من خدمات مهمة لا تنسى، على حد وصفه، ثم استدرك بريسم بسؤال مفاده : لماذا لا تصبح عندنا ثقافة تسويق ادباء العراق من شعراء وكتاب الى الاخر عبر الترجمة؟
وفي ما يخص رأيه بمستوى الكم المترجم حاليا في مجال الثقافة الادبية أوضح بريسم بان ما يترجم الان في العراق بات قليلا إذا ما قورن بزمن النشاط المهم في القرن الماضي لدار المأمون التي ترجمت اغلب الاعمال الادبية العالمية ومن مختلف الحضارات والتي عرفتنا باعمال مهمة لادباء اميركا و اوروبا واسيا وافريقيا ومازالت تلك الاعمال المترجمة عالقة في الذاكرة حتى الان. مبينا أن تفعيل حال الترجمة في العراق من خلال المؤسسات المعنية، وان تعمل تلك المؤسسات بالترجمة من لغات العالم الى العربية في العراق ومن العراق إلى العالم بات امرا ضروريا ليكون ذلك جسرا معرفيا بيننا.

ترجمة بلا قيود

الشاعر أحمد حسون يعتقد ان لا جواب بالمطلق ايجابا او سلبا في ما يخص حال الترجمة في العراق آنيا، لكن مقارنة هذا الحال بمثيله في المرحلة السابقة يشير - حسب حسون – إلى تخلص الترجمة من قيود كثيرة حتى اصبحت حرة الا من قيودها الذاتية لافتا الى ان ذلك التخلص من القيود جعل القارئ العراقي يرى الترجمات المختلفة على مستوى موضوعاتها او منتجيها فيجد ترجمات عالمية من مختلف اداب الشعوب ويقرأ أدبا كان ممنوعا مثل الادب الايراني وكذلك العبري، فضلا عن نصوص ثقافية وفلسفية من هذه الاداب وغيرها وهذا نوع من الانفتاح والتلاقح الثقافي المفيد للثقافة العراقية.
اما على مستوى المؤسسات ومدى اهمية عملها الكمي والنوعي بيّن حسون أن ذلك العمل لا يعد ايجابيا وذلك لأننا لا نملك في العراق على حد قوله سوى مؤسسة واحدة متخصصة بالترجمة هي دار المأمون وهي على ضخامة ما تنتجه لا تفي بالحاجة الثقافية خصوصا حين يقارن بالدول العربية مثل لبنان ودول المغرب ودول الخليج ومصر.
ثم قال : لكنه وبملاحظة الواقع العراقي الذي عاشه البلد لفترة تناهز 50 عاما فان واقع الترجمة وان لم يتطور لكنه لم يتقهقر كثيرا. كما ان هناك انفتاحا ثقافيا يخص المتلقي بالتوجه الى الكتاب المترجم وهذا دافع يدعو المعنيين الى الاهتمام بواقع الترجمة في العراق كما أشير الى نقطة مهمة هي المؤسسات العراقية التي كانت تعمل في الخارج والآن عادت الى البلد وهي رافد مهم للترجمة في العراق ودورها كبير ومميز وذو اثر بيّن في الساحة الثقافة العراقية وقد نقلت واقع الترجمة الى افاق واسعة لم تشهدها من قبل نذكر منها دار المدى والجمل والوراق، التي قدمت للثقافة العراقية ترجمات راقية ومهمة على مستوى الموضوعات او نوع الترجمة او شكل الكتاب طباعيا.

واقع لا يسر

الكاتب باسم محمد حبيب رأى أن واقع الترجمة الأدبية في العراق لا يسر وأن هذا الأمر ليس جديدا لأن العراق عبر معظم الفترة الزمنية الماضية كان متأخرا بالنسبة لسواه من البلدان العربية، على حد قوله.
مشيرا إلى أن واقع الترجمة الأدبية في الحاضر لم يتحسن عما كان عليه الحال في الماضي بل حصل بعض التراجع وذلك بسبب الظروف الصعبة التي يواجهها البلد وبالتالي لا يمكن المقارنة بين واقع الترجمة الأدبية في العراق وواقعها في البلدان العربية الأخرى لا في الماضي ولا في الحاضر وإذا ما علمنا ان مجموع ما يترجم من وإلى العربية من مؤلفات مختلفة متأخر عن بلد كأسبانيا مثلا وهي ليست في مستوى بلدان اوروبية اخرى وبنسبة كبيرة فإن المشكلة ستكون اعمق وأكثر إيلاما.
 ولفت حبيب إلى إمكانية حل تلك المشكلة عبر المؤسسات المتخصصة، متسائلا بقوله : هل هناك جدية من هذه المؤسسات لتحسين واقع الترجمة الأدبية ؟ ام ان هذه الجدية مفقودة بسبب ضعف الأداء المؤسسي ؟ ثم أجاب على ما طرحه من سؤال : بطبيعة الحال يتحدد دور هذه المؤسسات بحجم الدعم المادي المقدم لها من السلطات العليا في البلد ومن مقدار الدعم المعنوي وطبيعة الدور المسند لهذه المؤسسات في هذا المجال فالأساس أن تكون هناك إرادة لتحسين واقع الترجمة الأدبية وان يكون هناك إدراك لضرورة هذا الأمر بالنسبة لواقع العراق الجديد لا يمكنه ان يتطور ويتقدم بدون الاطلاع على تجارب الآخرين لا سيما تجارب البلدان الأكثر تطورا وإلا سنبقى نستنسخ موروثاتنا القديمة و ندور في حلقة مفرغة .

 http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=49906

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969