الأربعاء، 10 أغسطس 2016

علم الآشوريات .. نبذة ملخصة عن نشوءه وتطوره وآفاقه

باسم محمد حبيب

 نشر في مجلة الرافد الأماراتية (2) العدد ( 228) في ا آب 2016
مقدمة  
يعد علم الآشوريات من العلوم التأريخية التي ارتبطت بالأهتمام الغربي بالشرق أي ما يعرف بالإستشراق ، فهو علم غربي من ناحية نشوءه وتطوره شرقي من حيث مادته وموضوعه ، إذ تعد
حضارة وادي الرافدين بكل حدودها وإمتداداتها ميدانه الأساس ، فيما تعد آثار وكتابات وادي الرافدين اهم مصادر هذا العلم ، وقد استمر هذا العلم بالنمو والتطور منذ لحظة ظهوره  وإلى الآن محققا الكثير من النجاحات التي أثرت هذا العلم ووسعت من آفاقه ، ومن هذه النجاحات اكتشاف مواقع المدن القديمة كبابل ونينوى وأور ، ناهيك عن موقع اخرى لم يكن لها ذكر في النصوص المقدسة او الكلاسيكية ، هذا بالإضافة إلى حل رموز الخط المسماري الذي دونت به طائفة من اللغات القديمة وبشكل خاص اللغتين السومرية والأكدية ، أما ما يميز علم الآشوريات فإنه وعلى الرغم من كم الإكتشافات الكبير ما زال هناك الكثير مما يمكن فعله ، كالكشف عن مئات المواقع الأثرية التي مازالت مطمورة تحت سطح
الارض ، ناهيك عن فك طلاسم عشرات الآلاف من الرقم الطينية المدونة بالخط المسماري الموجودة في الكثير من جامعات ومتاحف العالم والتي تشكل مادية كافية لأشتغال أجيال عديدة من علماء الآشوريات .
ومن اجل أعطاء فكرة عن هذا العلم سنتناول اهم ركنين فيه : التنقيبات الأثرية والكتابة المسمارية لكونهما مادة هذا العلم والمصدر الذي يستقي منه موضوعه متمنين ان ننجح في إبراز ذلك .

 تعريف علم الآشوريات
يعرف علم الآشوريات (the science of Assyriology) : بأنه العلم الذي يهتم بدراسة آثار وكتابات حضارة وادي الرافدين فهو علم آثاري من جهة وتأريخي من جهة اخرى .
ويرتبط نشوء هذا العلم بالإهتمام الغربي بالشرق ( الإستشراق ) الذي بدأ منذ بواكير عصر النهضة الأوربي ، لأن اول رواده وابرز المشتغلين به من اصول اوربية ، وعلى الرغم من ان هذا العلم يعد جزءا من علم التأريخ إلا انه كذلك يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بجملة علوم اخرى ابرزها : علم الأجناس البشرية (Anthroplogy ) والعلوم الإنسانية كالأقتصاد والجغرافية والأجتماع ، ناهيك عن العلوم المسماة بالعلوم الموصلة او المساعدة ( Auxiliary sciences) ، التي يستعين بها الباحث في فهم مصادره وتقدير قيمتها تمهيدا لنقدها وتقدير إمكانية الإستعانة بها من عدمه ، ومن هذه العلوم : علم الخطوط (Pnronlogy ) والكتابة على الحجر والطين (Epigraphy  ) وعلم اللغات والتقويم (Chronology  ) وعلم النقود ( Numismatics ) وعلم الأختام والطمغات ( Sphragistics) [1] .
أما العلم الذي له المكانة الأولى في علم الآشوريات فهو علم الآثار (Archaeology ) ، الذي يعنى بدراسة وتحليل مخلفات الإنسان في الماضي سواء كانت مادية أو فكرية لغرض استجلاء ماضي الإنسان [2] ، ونظرا لأهمية هذا العلم ومكانته الكبيرة بين العلوم التأريخية والأثرية ، فقد اولته الجامعات والمتاحف ومراكز البحوث اهتماما كبيرا وبذلت له الأموال والجهود ووفرت المختصين حتى غدى بارزا ومرموقا ، يقول احد باحثيه أن هذا العلم " ليس مجديا وحسب ، بل ضروريا لتفهم عادل وشامل لتأريخنا الخاص ، فهو لا يمكن ان يكون مجرد اغناء فكري ، كما انه لا يمكن ان يتوقف كغايته الأخيرة عند مسرتنا الخاصة وعظمة الأكتشاف والتعلم ، انه في خدمتنا لكي يزودنا بأقدم أوراقنا العائلية إذا شئنا ان نراجعها ، ولكي يتوج ما ضينا ويفتح ميلادنا إلى النبع الأول لهذا النهر العظيم الذي يحملنا دوما " [3]

التنقيبات الآثرية
تعد التنقيبات الأثرية الركن الأول والأساس من اركان علم الآشوريات ، ويقصد بها عملية البحث عن الآثار لأغراض علمية ، وتنقسم التنقيبات الأثرية إلى ثلاث اقسام : التنقيبات العرضية للسياح الأجانب وهي في الغالب تتم بشكل ارتجالي وبالصدفة ، والتنقيبات البدائية أو العشوائية التي قام بها الهواة ، وأخيرا التنقيبات العلمية التي مثلت المرحلة الأخيرة في مسار التنقيبات الأثرية ، وفيما يتعلق بالقسم الأول الذي يوصف مجازا بالتنقيبات فأنه ارتبط بتوافد السياح الأجانب إلى المنطقة منذ بداية عصر النهضة ، ويعد النبيل الإيطالي بترو ديفالة (Pietro de valle  ) من أوائل هؤلاء السياح ، إذ يرجح انه اول من جلب إلى أوربا نماذج من الخط المسماري [4] ، ثم تلاه سياح آخرون من جنسيات اوربية مختلفة ، ثم وصلت بعثة دنماركية ارسلت من قبل ملك الدنمارك لغرض إستكشاف الشرق ، وقد رأس البعثة كارستن نيبور (Karsten Niebuhr  ) الذي عرف بدقته العالية لا سيما في مجال وصف المباني ورسم مخططات لها ، ومن ابرز اعماله التي كان لها اثر في تطور علم الآشوريات استنساخه نماذج من الكتابات المسمارية التي عثر عليها في اطلال ( برسيبولس ) عاصمة الأمبراطورية الأخمينية ، فكانت هذه الكتابات الأساس الذي قامت عليه عملية حل رموز الخط المسماري فيما بعد [5] ، وقد مهدت بعثة نيبور لبروز دور وكلاء الشركات التجارية والمقيمين أي ممثلي البعثات الدبلوماسية ، كما برز ايضا دور رجال الدين وابرزهم المبعوث البابوي بوشام (Abbe joseph Beauchanp ) في المدة من 1785 – 1790 ، ومن ابرز اعماله إزاحة الانقاض عن اسد بابل وكشف بعض اجزاء باب عشتار ناهيك عن زيارة العديد من المواقع الاثرية [6] ، وقد ساهمت اعمال بوشام في بث الحماس لدى شركة الهند الشرقية الأنكليزية فأوعزت إلى وكيلها في بغداد كلوديوس ريج (Cludius Rich  ) إلى ممارسة العمل التنقيبي نظرا لما عرف عنه من اتقان للغات الشرق الادنى وصلاته القوية بالسلطات المحلية واهتمامه بأقتناء الآثار والمخطوطات ، وقد بذل جهدا كبيرا في فحص خرائب بابل كما امتازت مذكراته بالدقة والشمول ، وقد برز ذكائه عندما ميز بين زقورة برس نمرود ومعبد بيل ( مردوخ ) ، فلم يقع في الخطأ الذي وقع فيه بكنكهام ( Games Buskingham) ، ولم يقتصر اهتمامه على آثار جنوب العراق ووسطه بل حاول زيارة مواقع شمال العراق ،  لكن بعد سفرة قصيرة توفي بالكوليرا عام 1821 [7] ، كما اهتمت بالتنقيب بعثة جسني (Geasny ) الأنكليزية التي جاءت بهدف مسح النهرين لمعرفة مدى صلاحيتهما للملاحة للفترة من 1835 – 1836 لكنها اهتمت بالجانب الأثري أيضا  [8]  ،  وقد برز من بين افراد هذه البعثة الطبيب الجراح انسورث ( Insorth) الذي كان آثاريا هاويا وخبيرا بالجيولوجيا ، فجمع معلومات واسعة عن طبوغرافية وآثار المناطق التي مرت بها البعثة ، كما دون الكثير من المعلومات في ضوء تضلعه بالتوراة وإطلاعه الواسع على كتابات مؤرخي اليونان والرومان [9] .
ثم حصل اتساع في التنقيبات الاثرية ، ويعد عقد الاربعينات من القرن التاسع عشر بداية لهذا التطور [10] ، وقد اتسمت تنقيبات هذه المرحلة : ببعدها عن الأساليب العلمية المتبعة في علم الآثار ، وبكونها اقرب ما يكون إلى النبش لأستخراج الآثار الكبيرة كالمنحوتات ، وبأهمال الآثار الصغيرة مثل ألواح الطين المسمارية ، وكذلك بعدم الأهتمام بتسجيل الطبقات الأثرية والأدوار التأريخية العائدة لها [11] ، كما امتازت هذه المرحلة من التنقيبات بإشتداد التنافس الأنكليزي – الفرنسي ، وتدخل القناصل الأجانب في ميدان التنقيبات الأثرية [12] .
ومن أبرز المنقبين الفرنسيين في هذه المدة بول اميل بوتا ( Paul Emile Botta) ، ومن ابرز اعماله استظهار المنحوتات الآشورية من قصر الملك الآشوري سرجون ، نافسه من الجانب البريطاني هنري ليرد (Henry Layard )الذي نقب في نمرود ونينوى في المدة بين 1845 – 1847 وقام بشحن ما عثر عليه إلى لندن [13] ، ثم تابعه مواطنه ( Henry Rawlinson) الذي ساعده هرمز رسام وهو رجل من أهل الموصل وقد عرف بأكتشافه لمكتبة قصر الملك الآشوري آشور بانيبال في نينوى [14] ، وقد كتب ليرد بعد اكتشاف هذه المكتبة " لا يمكن ان نبالغ في قيمتها ، فهي تزودنا بمواد لفك اسرار الكتابة المسمارية على نحو كامل ، من اجل استعادة لغة بلاد آشور وتأريخها والبحث في تقاليد شعبها وعلومه وربما ادبه " [15] .
 ولم يقتصر التنافس البريطاني الفرنسي على آثار شمال العراق بل امتد إلى جنوبه ايضا ، فقد قام القنصل الفرنسي اميل دي سارزك (Emile de sazec  ) بالتنقيب في ( تلو ) في المدة بين 1877 1878 ، بعد ان سمع عنها من الأهالي وذلك دون اذن رسمي من الدولة العثمانية ، وغنم آثارا سومرية مهمة باعها إلى متحف اللوفر الفرنسي بمبلغ كبير ، وقد فتحت تنقيباته الباب لإكتشاف الحضارة السومرية التي ازدهرت في جنوب العراق ولفتت انظار المنقبين الآخرين إلى هذه المنطقة ، إذ ما ان غادر المنطقة حتى قدم رسام ليقوم بالتنقيب فيها لصالح المتحف الانكليزي [16] .
وفي عام 1877 ظهر منافس آخر لمتاحف أوربا انه ( حمدي بيك ) نجل احد رؤساء الوزارات العثمانيين وقد ساهم في تأسيس المتحف الأمبراطوري العثماني في اسطنبول وعين اول مدير له ، وساعد في اصدار اول نظام للآثار في الدولة العثمانية ساعد على وصول كميات كبيرة من الآثار إلى المتحف العثماني عن طريق القسمة مع البعثات الاجنبية [17] ، كما دخلت الولايات المتحدة ميدان التنقيب ابتداءا من بعثة جامعة بنسلفانيا عام 1877 برئاسة بيترز ( Peters) ومساعده هلبرشت (Hilperecht ) ، وقامت بالتنقيب في مدينة نفر بالقرب من عفك في جنوب العراق ، وقد استخرجت عشرات الآلاف من رقم الطين المسمارية منها نماذج من الأدب السومري ، وقد استمرت تنقيبات البعثة مع بعض الإنقطاعات إلى عام 1900 [18] .
ثم دخلت التنقيبات الأثرية مرحلة جديدة بدخول الألمان إلى ميدانها ، فقد اوجد روبرت كولديفي (Robert Koldewe ) في بابل( 1899 – 1917) وفالتر اندراي في آشور ( 1903 – 1914 ) تكتيكا صارما في شدة التدقيق في التفصيلات وفي تسجيل الطبقات الآثرية وتوثيق المكتشفات الأثرية ، وسرعان ما تم تبني الطريقة الألمانية من قبل المؤرخين الآخرين ، وخلال السنوات العشرين الممتدة بين الحربين عملت في العراق الكثير من البعثات الأثرية ومن جنسيات مختلفة ، فبينما كان وولي (Wolley ) ينقب في أور ومقبرتها الملكية ، كان هاينرخ (Heinrich ) وجماعته ينقبون في اوروك ، واندريه بارو في ماري ، والانكليز في العبيد ونينوى والاربجية ، والأمريكان والبريطانيين مشتركين في كيش وجمدة نصر [19] .
لكن في المدة التالية شهد التنقيب عن الآثار انحسارا كبيرا ويعزى ذلك إلى تعديل قانون الآثار العراقي بألغاء حق البعثة الأجنبية في الحصول على نصف اللقيات المتطابقة ، كذلك ارتفعت تكاليف العمل في العراق بعد 1958 ارتفاعا فاحشا ما منح الافضلية للمواقع الصغيرة التي تمتاز بأن الطبقات الإستيطانية فيها ليست مغطاة بشكل كثيف بأطلال المراحل اللاحقة لها ، أما العامل الآخر فهو رغبة السلطات العراقية في تأهيل الموقع الاثري ليكون مكانا سياحيا ما جعلها تلزم البعثات بترميم الموقع فور الانتهاء من التنقيب ، وهو امر تجده البعثات مكلف ماديا لا سيما فيما يخص المواقع التي تشتمل على بنيات ومنحوتات كبيرة [20] ، اما الأمر الحاسم في تراجع التنقيب الأثري فتمثل بالظروف التي شهدها البلد منذ عام 1991 وإلى الآن [21].
الكتابة المسمارية  
تعد الكتابة المسمارية الركن الثاني من أركان علم الآشوريات ومنها يستقي الباحثون معلوماتهم عن تأريخ بلاد الرافدين ، أما تسميته بالخط المسماري فقد انبثقت عام 1700 من قبل المؤرخين الانكليز الذين تبنوا كلمة ( Cuneiform) المشتقة من اللاتينية للإشارة إلى الخط الذي دونت به تلك النصوص القديمة ، فيما فضل الألمان تسميته بـ ( Keilschrift) أي الكتابة بالأسافين [22] .
 أما حل رموز الخط المسماري فتطلب جهودا كبيرة دامت اكثر من مائة عام وشارك فيه باحثون وعلماء من كثير من دول العالم ، ويعد كارستن نيبور أول من مهد لحل الخط المسماري بعد ان عكف على دراسة النصوص التي جلبها من العاصمة الفارسية القديمة برسيبولس ، وقد بين اولا ان الكتابة على هذه النصوص تبدأ من اليسار إلى اليمين وان كل نص يحتوي على ثلاث نماذج مختلفة من الكتابات ، صنف إلى صنف ( أ ) وصنف ( ب ) وصنف ( ج ) ، كما بين ان صنف ( أ ) يمثل كتابة ابجدية لأنه يضم 42 علامة ، لكنه اخطأ عندما عد الاصناف الثلاث اشكالا مختلفة للغة واحدة ، وقد لاحظ مواطنه فريدريش مونتر ( Friedrich munter) ان الصنفين الآخرين يمثلان كتابة مقطعية وصورية ، ولاحظ ايضا ان كل صنف يمثل كتابة مختلفة [23] ، لكن النجاح في الوصول إلى الهدف يتطلب جهودا إضافية ، ومن التطورات التي ساعدت في تسهيل هذه المهمة نجاح الباحث (A.H. Anguetil Dupeerron ) في حل وتفسير رموز الكتابة الفارسية القديمة ( لغة الأفستا ) بعد جهد دؤوب بذله في الهند ، وقد قام بنشر ابحاثه بين عامي 1768 و 1771 ، ومن ابرز ما قدمه هذا الاكتشاف على طريق حل رموز الخط المسماري إعطاء صورة عما يمكن ان تكون علية الفارسية القديمة في نصوص برسيبولس وهي لغة مختلفة في نواحي كثيرة عن لغة الافستا الفارسية ، وقد اكتمل هذا التطور بعد النجاح الذي حققه (A.l. Silvestre de Sacy ) في ترجمته للنصوص البهلوية التي تعود لفترات متأخرة عن نصوص برسيبولس إلا انها عدت نموذجا ثابتا لما كانت عليه الفارسية القديمة [24] ، وفي عام 1798 خطا (Oulf Gerhard Tgchsen ) خطوة مهمة اخرى عندما لاحظ ان إحدى العلامات تكرر ظهورها عدة مرات فعرف انها كانت تستخدم لفصل الكلمات بعضها عن بعض ما جعل بالإمكان تحديد بداية ونهاية كل كلمة ، لكنه مع ذلك لم يحرز تقدما اكبر في فك شفرة هذه الكتابة كما اخطأ في تحديد زمنها عندما خمن انها تعود للفترة البارثية [25] ، لكن فردريش مونتن قد حدد في نفس العام زمن هذه الوثائق مبينا انها تعود للعهد الاخميني ، وهو امر مهم على طريق اكمال مشوار حل رموز هذه الكتابة دون ان يحقق تقدما آخر .
أما النجاح الاكبر في هذا المجال فهو الذي تحقق على يد غروتفيند ( George Frierich Grotefend) الالماني عندما تمكن عام 1802 من فك شفرات الصنف ( أ ) من أصناف نيبور وتخمينه الصحيح لعدة علامات من النصوص الاخرى  [26]،  وفي المدة بين عامي 1835 و 1837 قام الضابط البريطاني رولنسون بزيارة صخرة ( بهستون ) المكتوبة بثلاث لغات وهي الفارسية القديمة والعيلامية والأكدية ، وتمثل نصا يعود للملك داريوس ( دارا الأول ) يذكر فيه انتصاره على الثورات التي شهدتها الأمبراطورية الأخمينية في مستهل حكمه ، وقد نجح رولنسون في إكمال نسخ النصين الفارسي والعيلامي إلا انه فشل في إكمال نسخ النص البابلي ، ما اضطره إلى بذل محاولة اخرى بعد تعيينه مقيما في بغداد من قبل شركة الهند الشرقية حيث نجح في عام 1847 من إكمال نسخ النص البابلي بمساعدة فتى كردي جريء ، ثم تمكن بمساعدة رولنسون من نقل الترجمة البابلية لما كتبه داريوس الاخميني [27] .
 كما تم التوصل بعد جهود كبيرة إلى ان إحدى الكتابتين الأخريتين تنطوي على ( 111 ) علامة مسمارية وقد دونت بها قلة من النصوص التي عثر على اغلبها في جنوب غرب ايران [28] ، وقد اكتمل حل هذه الكتابة عندما نشر ايدوين توريس عام 1853 الصيغة العيلامية من مدونة بهستون [29] ، أما فيما يخص النص الثالث الأكثر تعقيدا فقد واجهت الباحثون صعوبات كبيرة لما تتميز به هذه الكتابة من تعقيد ، وقد افصح رولنسون عن خيبة امله ونفاذ صبره عندما ذكر " انني حاولت مرات عديدة ان اتخلى مرة وإلى الأبد عن الدراسة ، لأنني كنت قد فقدت اخر خيط من الأمل في الوصول إلى أي نتائج إيجابية مهما كانت زهيدة " [30] لكن من حسن حظ علم الآشوريات أن رولنسون تغلب على يأسه وتمكن في عام 1850 من ان يحدد القيم الصوتية لأكثر من ( 150 ) علامة مسمارية ومعاني حوالي ( 200 ) كلمة من النص الثالث الذي اصبح من الواضح انه مدون بلغة سامية [31]  ، وفي نفس العام عبر هنكس عن شكوكه في ان يكون الساميون هم الذين ابتدعوا الخط المسماري لأن هذا الخط لا يلاؤم في كثير من الحالات طبيعة اللغة الآشورية ( السامية ) ، كما كان مفاجئا للأوساط العلمية حين اعلن رولنسون في عام 1855 عن عثوره في تل لارسا ( السنكرة ) على لوح مدون بلغة مجهولة  ارسله إلى المستشرق ( Loftus) ، وبعد سنة من ذلك بين هنكس ان هذا النص مدون بلغة ملصقة (Agglutinative ) [32] ، وقد كتب ليرد عن ذلك في عام 1853 " لقد تحقق تقدم كبير في فك رموز الكتابة المسمترية ونحن مدينون في ذلك إلى العالمين الأنكليزيين العقيد رولنسون والدكتور هنكس " ثم اضاف انه " يدرك ان عدة علماء فرنسيين بارزين قد اسهموا في نجاح فك رموز الكتابات الآشورية " [33] ولتبديد الشكوك حول حقيقة هذا الأنجاز قامت الجمعية الآسيوية الملكية في عام 1857 بأجراء اختبار اشترك فيه أربعة من علماء الآشوريات هم : رولنسون وهنكس وفوكس تالبوت والفرنسي اوبيرت  ، أعطي لكل واحد منهم نسخة من نص يعود للملك تجلات بلاسر الاول اكتشف عام 1853 في مدينة آشور ( الشرقاط ) وطلب منهم كل على حدة ترجمة النص ، فأرسلوا في ظروف مختومة ترجماتهم لذلك النص ، وبعد فحص الترجمات من قبل الجمعية الاسيوية تبين وجود تطابق مطمئن بين الترجمات الاربع ، الامر الذي ادى إلى اعتراف الأوساط العلمية بظهور علم جديد هو علم الآشوريات [34] .
 أما حل رموز اللغة السومرية فيعود الفضل فيه إلى اكتشاف مكتبة آشور بانيبال التي تضم ما يقارب 20 ألفا من الالواح المسمارية ، منها معاجم لغوية كان من الواضح انها ألفت لمساعدة الناطقين بالأكدية ( اللهجة الآشورية ) على معرفة تلك اللغة المجهولة ، وقد ظن رولنسون خطأ ان هذه اللغة هي الاكدية أستنادا إلى لقب سومر واكد الذي يتلقب به الكثير من ملوك وادي الرافدين ، ولم يتم التوصل إلى أصحاب هذه اللغة إلا عام 1869 عندما خمن أوبيرت ( Oppert) أن لفظة اكد تدل على الأقوام السامية من آشوريين أو بابليين ، فيما ان لفظة سومر تدل على الشعب الآخر الذي قطن وادي الرافدين والذي تكلم بتلك اللغة المجهولة ، وقد واجهت هذه الفرضية بعض الانتقادات إلا أنه في النهاية تم التسليم بها بعد الكشف عن مجموعة ثمينة من الآثار السومرية اثناء تنقيبات البعثة الفرنسية في لكش ، وقد استكملت البعثة الأمريكية العاملة في نفر عام 1887 تأكيد هذا الأمر بعد كشفها آلاف الرقم الطينية المدونة بهذه اللغة  [35] .
لقد بلغت عملية فك رموز اللغة الأكدية التي بدأت خطواتها الجدية منذ عام 1802 مشارف نهايتها عام 1847 ، بحيث لم تحل سنة 1900 حتى اصبح بالإمكان فهم اللغات الاخرى لوادي الرافدين وبضمنها اللغة السومرية بشكل كبير [36] .
لقد اعطى العالم الكبير ثورن دانجن في عام 1905 البرهان القاطع على وجود السومريين وعلى استكشاف لغتهم عندما قدم كتابه الشهير ( كتابات سومر واكد ) والذي تضمن ترجمة متناسقة ودقيقة تتيح وضع تصور واضح للغة السومرية اجمالا [37] ، لكن هذا لا يعني ان علم الآشوريات قد توقف عن تقديم المفاجآت فبحسب احد علماء الآشوريات أنه " بخلاف ما حدث في مصر حيث تأكدت القراءة التمهيدية لتأريخها القديم ولم تبقى إلا صعوبات طفيفة في المادة اللغوية ، فإنما علماء الآشوريات لم ينتهوا من مفاجآتهم مع هذه الكتابة المسمارية الذكية جدا ، فأن ردة الفعل المتتابعة التي بدأها غروتفند من الفارسية القديمة إلى العيلامية إلى كلتيهما إلى الأكدية كانت ستتواصل " [38] .

آفاق علم الآشوريات
على الرغم من مرور اكثر من ثلاثة قرون على بداية اكتشاف حضارة وادي الرافدين واكثر من مائة وخمسون سنة على حل رموز الخط المسماري ، وعلى الرغم من حل معظم الألغاز والمشاكل التي أثارها علم الآشوريات خلال هذه المدة الطويلة ، مازال هذا العلم مغريا على البحث والتوسع ويعزى ذلك إلى أمرين أساسيين :
(1)            وجود آلاف المواقع الأثرية التي تنتظر التنقيب وهي متوزعة على عموم المنطقة التي شملتها حضارة وادي الرافدين [39].
(2)            بقاء عشرات أو مئات الآلاف من الرقم الطينية بدون ترجمة [40] ، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها علماء المسماريات خلال المدة الماضية ، والتي ادت إلى أمتلاكنا معلومات وفيرة عن حضارة وادي الرافدين بمختلف ادوارها الحضارية .
وبالتالي مادامت هناك مواقع غير مكتشفة أو منقبة ناهيك عن تلك التي لم يتم كشف معظم اسرارها ومادامت هناك الواح طينية تحتاج إلى ترجمة ، فأن علم الآشوريات سيبقى علما ذا جدوى لعقود عدة قادمة ، وسيحضى بمكانة رفيعة في الجامعات ومراكز البحوث يؤكد ذلك احد علماء الآشوريات بقوله " يجب على عالم الآشوريات عدم التخوف في ان دوره سيكون عاديا في مثل هذه المشاركات بل يجب عليه ان يعرف بأنه يحمل مفاتيح ثروة من المعلومات تغطي فترة تربو على الالفي سنة لحضارة تعتبر اولى الحضارات " [41].
ان الدور الذي تمارسه الجامعات ومراكز البحوث العلمية في مجال أثراء علم الآشوريات ، لا يقتصر على مجرد تقديم الدراسات والبحوث ذات الصلة بل وعلى توسيع معرفتنا بأسرار تلك الحضارة التي يتناولها هذا العلم ، ولعل المؤتمرات العلمية لعلماء الآشوريات ابرز دليل على وجود إمكانيات كامنة في موضوع هذا العلم يمكن ان تحدد مستقبلا باهرا وعمرا مديدا لهذا العلم الأصيل .


الخاتمة
نستنتج من ذلك : أن علم الآشوريات هو علم مهم ، ليس لأنه يطلعنا على جانب من تأريخ البشرية القديم وحسب ، بل ولأنه يقدم لنا صورة مثلى لأولى التطورات البشرية وأولى الخطوات الحضارية لبني الإنسان ، كما يبرز لنا أن النتاج البشري ليس حكرا على مجموعة بشرية معينة بل هو عام لكل البشر ، وأن الجهود التي بذلها علماء من مختلف بلدان العالم هو تأكيد ليس على اهمية هذا العلم كأحد العلوم التأريخية وحسب بل وعلى وجود ادراك بأن دراسة هذا العلم والتخصص فيه هو واجب من يملك الرغبة والإمكانية بغض النظر عن بلده وانتماءه ، وعلى الرغم من ان علم الآشوريات قد استكمل اغلب مقومات وجوده من اكتشافات اثرية وإمتلاك مادة لغوية إلا انه مازال مغريا على البحث والدراسة لوجود مواقع اثرية تستبطن الكثير من الآثار الدفينة وتوفر اعداد وفيرة من الرقم المسمارية التي تتطلب جهودا كبيرة قبل الكشف عن مكنونها وما تتضمنه من معلومات تزيد من معرفتنا بتأريخ وتراث وادي الرافدين .

المصادر
(1)  طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ( الطبعة الاولى لدار الوراق ، 2009  ) .
(2)  بهنام ابو الصوف ، ظلال الوادي العريق ، ( بغداد ، 1987 )   .
(3) جان بوتيرو ، بلاد الرافدين : الكتابة – العقل – الآلهة ، ترجمة : البير أبونا ، ( بغداد ، 1990 )   .
(4) هاري ساكز ، البابليون ، ترجمة : سعيد الغانمي ، ( بيروت ، 2009 )   .

(5) نيكولاس بوستغيت ، حضارة العراق وآثاره ( تأريخ مصور ) ، ترجمة : سمير عبد الرحيم الجلبي ، ( بغداد ، 1991 )   .

(6) جورج رو ، العراق القديم ، ترجمة : حسين علوان حسين ، ( بغداد ، 1984 )   .
(7) هاري ساكز ، عظمة آشور ، ترجمة : خالد اسعد عيسى واحمد غسان سبانو ، ط1 ، ( دمشق ، 2008 )   .

(8) صومائيل كريمر ، السومريون : احوالهم – عاداتهم – تقاليدهم ، ترجمة : فيصل الوائلي ، ( الكويت ) .

(9) ارنست دوبلهوفر ، رموز ومعجزات ( دراسات في الطرق والمناهج التي استخدمت لقراءة الكتابات واللغات القديمة ) ، ترجمة : عماد حاتم ، ط1 ، ( دمشق ، 2007 ) .

(10)                    فاضل عبد الواحد علي ، سومر اسطورة وملحمة ، ( بغداد ، 2000 ) .

(11)                    طه باقر ، ملحمة جلجامش ط5 ، ( بغداد ، 1986 ) .

(12)                    عامر سليمان ، العراق في التاريخ القديم ( موجز التاريخ الحضاري ) ، ( الموصل ، 1993 ) .

(13)                    ليو أوينهايم ، بلاد ما بين النهرين ، ترجمة : سعدي فيضي عبد الرزاق ، ( بغداد ، 1981 ) .




[1] . طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، الطبعة الاولى لدار الوراق ، 2009 ، ص 114 / هامش (2) .
[2] . بهنام ابو الصوف ، ظلال الوادي العريق ، ( بغداد ، 1987 ) ، ص 10 .
 [3] . جان بوتيرو ، بلاد الرافدين : الكتابة – العقل – الآلهة ، ترجمة : البير أبونا ، ( بغداد ، 1990 ) ، ص 37 – 38 .
 [4] . هاري ساكز ، البابليون ، ترجمة : سعيد الغانمي ، ( بيروت ، 2009 ) ، ص 19 .
[5] . طه باقر ، المصدر السابق ، ص 132 – 133 .
[6][6] . طه باقر ، المصدر السابق ، ص 133 .
[7] . نيكولاس بوستغيت ، حضارة العراق وآثاره ( تأريخ مصور ) ، ترجمة : سمير عبد الرحيم الجلبي ، ( بغداد ، 1991 ) ، ص 36 .
[8] . طه باقر ، المصدر السابق ، ص 134 .
[9] . بهنام أبو الصوف ، دور التنقيبات الأثرية في الكشف عن حضارة وادي الرافدين ، موسوعة حضارة العراق ، ج1 ، ( بغداد ، 1985 ) ، ص 60 – 61 .
[10] . هاري ساكز ، المصدر السابق ، ص 23 .
[11] . طه باقر ، المصدر السابق ، ص 134 .
[12] .   المصدر نفسه  ، ص 135 .
[13] . طه باقر ، المصدر السابق ، ص 135 .
[14] . المصدر نفسه ، ص 136 .
[15] . نيكولاس بوستغيت ، المصدر السابق ، ص 39 .
[16] . طه باقر ، المصدر السابق ، ص 136 .
[17] . بهنام ابو الصوف ، موسوعة حضارة العراق ، ج1 ، ص 65 .
[18] . طه باقر ، المصدر السابق ، 137 .
[19] . جورج رو ، العراق القديم ، ترجمة : حسين علوان حسين ، ( بغداد ، 1984 ) ، ص 59  
[20] . هاري ساكز ، عظمة آشور ، ترجمة : خالد اسعد عيسى واحمد غسان سبانو ، ط1 ، ( دمشق ، 2008 ) ، ص 485 .
[21] . هاري ساكز ، البابليون ، ص 33 .
[22] . المصدر نفسه ، ص 19 .
[23] . صومائيل كريمر ، السومريون : احوالهم – عاداتهم – تقاليدهم ، ترجمة : فيصل الوائلي ، ( الكويت ) ، ص 14 .
[24] . صاموئيل كريمر ، المصدر السابق  ، ص 14 – 15 .
[25] . المصدر نفسه ، ص 15 – 16 .
[26] . صاموئيل كريمر ، المصدر السابق  ، ص 16 .
[27] . نيكولاس بوستغيت ، المصدر السابق ، ص 39 .
[28] . هاري ساكز ، البابليون ، ص 21 .
[29] . ارنست دوبلهوفر ، رموز ومعجزات ( دراسات في الطرق والمناهج التي استخدمت لقراءة الكتابات واللغات القديمة ) ، ترجمة : عماد حاتم ، ط1 ، ( دمشق ، 2007 ) ، ص 39 .
[30] . ارنست دوبلهوفر ، المصدر السابق ، ص 143 .
[31] . فاضل عبد الواحد علي ، سومر اسطورة وملحمة ، ( بغداد ، 2000 ) ، ص 20 .
[32] . المصدر نفسه ، ص 20 – 21 .
[33] . نيكولاس بوستغيت ، المصدر السابق ، ص 41 .و
[34] . المصدر نفسه ، ص 41 .
[35] . فاضل عبد الواحد علي ، المصدر السابق ، ص 21 .
[36] . نيكولاس بوستغيت ، المصدر السابق ، ص 58 .
[37] . جان بوتيرو ، المصدر السابق ، ص 86 .
[38] . جان بوتيرو ، المصدر السابق ، ص 85 .
[39] . عامر سليمان ، العراق في التاريخ القديم ( موجز التاريخ الحضاري ) ، ( الموصل ، 1993 ) ، ص 359 .
 [40] . يقدر جان بوتيرو عدد الالواح المسمارية المكتشفة بحدود نصف مليون لوح فيما يقدر المرحوم طه باقر عددها بحدود المليون ، انظر : جان بوتيرو ، المصدر السابق ، ص 33 ؛ طه باقر ، ملحمة جلجامش ط5 ، ( بغداد ، 1986 ) ، ص 14 .
 [41] . ليو أوينهايم ، بلاد ما بين النهرين ، ترجمة : سعدي فيضي عبد الرزاق ، ( بغداد ، 1981 ) ، ص 38 .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969