الاثنين، 19 أغسطس، 2013

العالم الأسفل في حضارة وادي الرافدين

باسم محمد حبيب


يطلق على المكان الذي تذهب إليه الأرواح بعد افتراقها عن الجسد بالموت اللفظة السومرية (Kur - Nu - Gi ) تقابلها اللفظة الأكدية (ersit - la - tari ) ، ومعناها
الحرفي ارض اللاعودة أي العالم الاسفل [1]، أما موقع هذا العالم فهو الفضاء التحتي تحت الارض ) المقابل للفضاء الفوقي ( السماء ) .
    وتنتقل الارواح إلى هذا العالم الموحش الكئيب بحسب الميثولوجيا الرافدينية بعد دفنها في القبر الذي يمثل فتحة مؤدية إلى العالم الأسفل [2]، ولكن هذا لا يعني ان القبر هو البوابة الوحيدة التي توصل ما بين عالم الأحياء وعالم الأموات بل هناك بوابات اخرى قد توجد عند كل مدينة [3]، ومن هذه البوابات انتقل بعض الأحياء إليه سواء من البشر أو الآلهة ، كالإلهة إينانا ( عشتار ) ، وانكيدو رفيق جلجامش ، كما يوجد نهر لعله فاصل آخر بين عالم الأحياء وعالم الأموات ، وهو موجود في ميثولوجيا الكثير من الحضارات الاخرى كما هو الحال مع الحضارتين المصرية واليونانية ، ولا يمكن للموتى الوصول إلى مثواهم الأخير إلا بعد عبوره بقارب يقوده ربان هو احد موظفي العالم الأسفل ، وقد ورد خبر هذا النهر في اسطورة يتيمة تتعلق بنفي انليل ( الإله القومي لبلاد سومر ) إلى العالم الأسفل  [4]، وعندما يصل الميت إلى مثواه الأخير عليه ان يتخلص من كل متعلقات الحياة من ملابس وحلي ، أي يغدو عاريا تماما ، بل يتخلص حتى من جسده دلالة على ما يسببه الموت من فقدان للقوة والثروة ، وقد طبق هذا القانون حتى على الإلهة عشتار في نزولها إلى العالم الأسفل  ، وبعد ان تستقر روح الميت في المكان المخصص لها في ذلك العالم ، لا يعود بإمكانها العودة إلا كشبح يخيف الاحياء ويسبب لهم الازعاج فيما إذا لم يقدموا له النذور التي يحيا من خلالها ، أما العودة الكاملة للحياة فلا يمكن ان تتحقق إلا بظرف استثنائي كما حصل مع الإلهة إينانا ( Anana ) عشتار ، ولكن حتى في هذه الحالة لابد من بديل يحل محل العائد للحياة ، وقد اختارت عشتار زوجها دوموزي ( Dumuzi ) تموز ليكون بديلها للعالم الأسفل ، وهو ما تناولته اسطورة اخرى من اساطير بلاد الرافدين  .[5]
    والعالم الأسفل لا يختلف عن العالمين الآخرين ( العالم الأعلى أو العلوي ) و ( العالم الأرضي ) في انه منظم على شكل دولة يرأسها الإله  نركال وأسمه سومري الأصل ( Ne - unu - gal ) ، وزوجته إرش كي كال[6] (Eresh - Ki - Gal ) ، يعاونهم سبعة من ( الأنوناكي ) وعدد آخر من آلهة السماء المنفيين إضافة إلى الجالاK  ( Gala ) الذين يشبهون الحرس أو الشرطة ومهمتهم حفظ النظام في ذلك العالم [7] ، ومن أوصافهم يتبين انهم ":  لا يعرفون الطعام ولا الماء ، فهي لا تأكل طحينا مبثوثا ، ولا تشرب ماء مسكوبا ( القربان ) ، وكانت تأخذ الزوجة من حضن زوجها ، والطفل من صدر مرضعته  [8]، وهؤلاء هم الذين رافقوا إينانا ( عشتار ) عند خروجها من العالم الأسفل للإتيان ببديل لها ، وهم الذين قبضوا على زوجها دوموزي ( تموز ) بطلب منها .
     أما الواقع الاقتصادي لهذا العالم فيختلف جذريا عن الواقع الاقتصادي للعالم الأرضي الذي يرتكز على مبدأ العمل ، فسكان هذا العالم ومعظمهم من الموتى لا يملكون القدرة على العمل فهم يعيشون حياة ساكنة كئيبة ، ولكنهم يحصلون على قوتهم من النذور والقرابين التي تصلهم من ذويهم وأقاربهم من الأحياء  ، الذين يتوجب عليهم القيام بذلك ليس بدافع الوفاء للموتى وحسب بل وبدافع إتقاء شرهم وضررهم ، لأن الأموات فيما إذا لم تصلهم النذور والقرابين سوف يكونون مضطرين للخروج من العالم الأسفل ومهاجمة الأحياء والتسبب لهم بالكثير من الشرور والمصائب [9]، وبالتالي فأن سكان هذا العالم يعتمدون كليا في معيشتهم على سكان العالم الأرضي حالهم حال سكان العالم العلوي  .
     وعند مقارنة اقتصاد هذا العالم مع اقتصاد العوالم المماثلة في الديانات الاخرى لا سيما الديانات التوحيدية نجد اختلافا كبيرا بين كل منهما ، ففي حين يقوم الإله الواحد الأحد في الأديان التوحيدية بتوفير الطعام والشراب وبقية مستلزمات الحياة بالخلق ، لا نجد مثل ذلك فيما يخص آلهة بلاد الرافدين التي تحتاج هي ذاتها إلى الطعام والشراب الذي يوفره بني البشر لها ، ولكن كيف يمكن لهذه الارواح الخروج من العالم الأسفل نظرا لما فيه من اسوار عالية وإستحكامات قوية ؟ ومن يضمن عودتهم مرة اخرى ؟ لعل الجواب في أن قوانين العالم الأسفل تسمح للأرواح بالخروج وإزعاج الأحياء فيما إذا لم يفي الأخيرون بإلتزاماتهم نحوهم ، وقد يتم ذلك تحت مراقبة وإشراف موظفي العالم الأسفل منعا لأحتمال هروب الأموات .
      هذا يدفعنا للتساؤل عن طبيعة هذا العالم الأسفل : هل هو دار للحساب ( الثواب والعقاب )  أم مجرد مأوى تلجأ إليه ارواح الأموات بعد ان تلفظها الحياة ؟ للإجابة نقول أن هناك من يعتقد بوجود مفهوم الثواب والعقاب في المعتقد الديني العراقي ، وبالنتيجة لا بد أن تبرز ارواح سعيدة وارواح تعيسة تبعا لنتيجة المقاضاة التي يواجهها الميت عند دخوله إلى العالم الأسفل ، لكن هذا الرأي يفتقر إلى الأدلة الكافية هذا أن لم تكن هناك ادلة تنقضه ، ومنها : ان النصوص الدينية لم تشر ابدا إلى ما يشبه النعيم والجحيم الأخروي الذي نعرفه من الديانات الاخرى كالديانة المصرية القديمة والديانات التوحيدية ، أما وجود قضاة العالم الأسفل فليس الغرض منه محاسبة الأموات على سلوكهم اثناء الحياة وإنما على سلوكهم عند موتهم أي خلال اقامتهم في العالم الأسفل كالتقيد بالقوانين وما إلى ذلك [10]، أما كون العالم الأسفل ملجأً أو مأوى للأموات فتنفيه حقيقة فقدانهم لحرية الخروج من هذا العالم ، وبالتالي فأن هذا العالم ليس سوى سجن تودع فيه ارواح الموتى حتى لا تكون قادرة على ازعاج الأحياء ومنعهم من ممارسة دورهم تجاه الآلهة ( خدمة الآلهة(  .



[1] . نائل حنون ، عقائد م ابعد الموت في حضارة بلاد الرافدين القديمة ، ( بغداد ، 1986 ) ،  ص 174 .
[2] . عامر سليمان ، العراق في التاريخ القديم ( موجز التاريخ الحضاري ) ، ( الموصل ، 1993 ) ، ض 139 .
[3] . نائل حنون ، المصدر السابق ، ص 181 – 184 .
[4] . قاسم الشواف ، ديوان الأساطير ، الكتاب الأول ، ( بيروت ، 1996) ، ص 45 .
[5] . حول هذه الأسطورة انظر : فاضل عبد الواحد علي ، عشتار ومأساة تموز ، ( بغداد ، 1986 ) ، ص 186 – ص 204 .
[6] . نائل حنون ، المصدر السابق ، ص 188 – ص 206 .
[7] . المصدر نفسه ، ص 209 – ص 220 .
[8] . فاضل عبد الواحد علي ، عشتار ومأساة تموز ، ص 197 .
[9] . نائل حنون ، المصدر السابق ، ص 123 .
[10] . المصدر نفسه ، ص 132 – ص 165 .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969