الجمعة، 31 مايو، 2013

الموقف المطلوب إزاء ظاهرة التمييز الاجتماعي في العراق السيد والعامي أنموذجا

باسم محمد حبيب

 مقدمة
على الرغم من التطورات الحقوقية والاجتماعية ، مازالت معادلة السيد والعبد فاعلة ومؤثرة في المنظومة القيمة للمجتمع العراقي تحت تسمية مضللة هي تسمية السيد والعامي الشائعة
في العراق وبالذات في القسم الجنوبي منه .
وعلى الرغم من أن هذه الإشكالية غير مبنية على أسس قانونية أو دينية فعلية ، إلا أنها وبفعل شيوعها وانتشارها  تعد عاملا من عوامل التأخر والتخلف ، بفعل ما تنطوي عليه من إشكالات نتيجة ما تفرزه من قيم بعيدة كل البعد عن المفاهيم الإنسانية . 
 فتقسيم المجتمع العراقي والجنوبي منه بشكل خاص إلى فئتي السادة والعوام هو تكريس وإحياء للمعادلة القديمة معادلة السيد والعبد البائدة ، بغض النظر عن ارتباط المفهوم الجديد بأسس ذات علاقة بالمنطق الديني لا الاجتماعي .
فالفعالية الاجتماعية في العراق عادة ما تكون مندمجة أو ذات صلة ما بالفعالية الدينية لعدم وجود فوارق واضحة بين القيم الدينية الممارسة والقيم الاجتماعية ، نتيجة الواقع المر الذي عاشه العراق في القرون الماضية وتعرض الإنسان العراقي لشتى أشكال الظلم والاستغلال بشتى أشكاله من قبل المنظومة الاجتماعية بشكل عام والمنظومة السياسية بشكل خاص .
الباحث


(1)                   
إن أهم سبب دعم وجود هذه الظاهرة في الواقع العراقي نبع من غياب السلطة السياسية الفاعلة من المنطقة الحاضنة لهذه الظاهرة ، وغياب السلطة عادة ما يؤثر تأثيرا مباشرا في المنظومة القيمية ، لأنه  يدفع لخلق مؤسسات بديلة من اجل إشباع الحاجة الاجتماعية .
 ونظرا للطابع الاضطراري لهذه المؤسسات وعدم إرتكانها على أسس قويمة ، فأن معيار القوة سيكون هو الفاعل الأساس في تأسيس القيم الاجتماعية وتنميتها ، ما يخلق تباينا مجحفا في الحقوق وتناقضا واسعا في الواجبات يتم تأطيره دينيا ليغدو ملزما وفاعلا [1].
لقد أدى غياب السلطة السياسية إلى نشوء سلطتين بديلتين هي سلطة العشيرة وبعض السلطات المرتكزة على الدين ، بحيث أخذ كل منهما يعمل على ترسيخ وجوده بشتى السبل والوسائل [2]، وفي الغالب من خلال سلسلة غير منتهية من السنن والأعراف والتقاليد فضلا عن الفتاوى ذات الطابع الاجتماعي ، ما خلق تناغما ما بين فعالية السلطتين نحو الهيمنة على مصائر الناس وتحديد ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات .
أن ابرز ما ابتدعته هذه السلطات هو وضع درجات للنسب ، بحيث يتم تقسيم الناس على مجموعتين : أحدهما مجموعة النسب الرفيع أو الشريف وتشمل المنتمين للنسب العلوي بغض النظر عن مدى صدقيه هذا الانتماء [3] ، فضلا عما يسمى بأبناء العلويات والشيوخ والسراكيل ، والأخرى هي مجموعة النسب غير الشريف وتشمل بقية أطياف الشعب من الفقراء والضعفاء .
لكن هناك من يبرر التمييز الاجتماعي بأنه أمر منسجم مع الاختلاف الطبيعي بين الأفراد وهو بنظرهم تمييز طبيعي لا سبيل لتجاهله ، ولسنا هنا في مورد مناقشة هذه النظرية لكن ما يلاحظ أيضا في نموذج التمييز المتأصل في النسيج الاجتماعي العراقي أنه يتجاهل معيار العمل الذي يؤسس لمنطق المفاضلة الاقتصادي ، فالتمييز هنا اجتماعي مؤثر في المعطى الاقتصادي وليس العكس أي اقتصادي مؤثر في المعطى الاجتماعي [4] .

(2)                   
لقد خلق هذا التباين الحاد بين المجموعتين جملة من التقاليد والسلوكيات المتخلفة المتناقضة مع القيم الإنسانية ، مثل تقديم السيد في المناسبات الاجتماعية ويسري ذلك حتى على صغار السن وتقبيل الأيدي وبذل الأموال تحت صيغ شتى ، ناهيك عن الكثير من مظاهر الخنوع والتذلل ومن ذلك مناداة السيد بلفظة مولاي التي تعود بأصولها إلى الإرث العبودي ، وفيما يحض السيد بالحماية الدينية العرفية والتقدير الاجتماعي يوضع العامي في درجة التابع أو الموالي بوصفه أدنى درجة من السيد الذي يتربع على رأس الهرم الاجتماعي [5] .
 إن أخطر ما تشكله هذه الظاهرة هو إنزياحها إلى القيم والممارسات الدينية ، ما يجعل من الصعوبة بمكان مواجهتها والتحرر منها ، لأن الدين يشكل بؤرة مركزية في الضمير الجماعي ، إذ عادة ما ينظر لأي محاولة لمواجهة هذه الظاهرة غير الإنسانية على انه نوع من التجديف يستدعي الرد المباشر وغير المباشر ، والأنكى أن تقنع فئة العوام بهذا التقسيم وتخضع له انطلاقا من هيمنة التخلف والجهل المضلل .
وإذا كان من الصعوبة بمكان اتخاذ إجراءات مباشرة للحد من هذا التمايز ومنع السلوكيات المرافقة له ، فمن الضروري العمل بوسائل أخرى ليكون العمل مجديا ومؤثرا ، ومن واجب النخب المتنورة بذل شتى الجهود لمواجهة هذه الظاهرة التي باتت تشكل عبئا ثقيلا على قيمنا وميراثنا الحضاري ، ناهيك عما تخلفه لدى الآخرين من نظرة سلبية تجاهنا ، لأننا في عصر ينبذ هذا النوع من التمايز البعيد عن مفهوم المساواة الإنساني .
أن القضاء على معادلة السيد والعامي في العراق هو وحده الكفيل بخلق مجتمع حر ينظر الى الحياة بمنظار إنساني صحيح ، وإلا سنبقى أسارى لتلك القيم البالية التي تحكمت بنا طويلا ، وأدت إلى خلخلة نسيجنا الاجتماعي وابتدعت التمايز وخلقت التفرقة التي وضعتنا في أسفل السلم الحضاري للبشرية .

(4)                   
أن العراق يعد الآن من البلدان القليلة التي مازال الناس يعانون فيها من التمييز الاجتماعي  ، لان المنظومة الدولية أخذت بالقيم والمبادئ الإنسانية التي تمنع كل أشكال التمييز وترفض كل محاولة لتقسيم البشر على أسس عنصرية استنادا إلى نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان [6].
وعلى الرغم من عدم ارتكاز هذا التقسيم ( السادة / العوام ) على عوامل طبقية ناهيك عن اتصافه بالصفة الدينية إلا أنه مع ذلك يعد نوعا من التقسيم العنصري لأنه ينفي مبدأ المساواة التي تشيعها المفاهيم الإنسانية [7]، فـ وفق هذه النظرة العنصرية لا يجب أن تطلق صفة ( السيد ) إلا على فئة معينة من الناس وهم الذين ينتسبون لـ ( آل الرسول ) ، أما بقية الناس فتطلق عليهم صفة أخرى هي صفة ( العامي )  التي تستخدم هنا كـ معادل لفظي لصفة ( العبد ) القديمة .
وعلى الرغم مما يشاع من أن هذه المعادلة ليست سوى معادلة اعتبارية إلا أن هذا الأمر غير صحيح لان هناك الكثير من الامتيازات التي تترتب عليها ، فـ ( السيد ) وفق هذه المعادلة يتقدم على سواه في المناسبات الاجتماعية حتى وأن كان أصغر سنا من غيره ، وينادى بلفظة ( مولاي ) العبودية القديمة ويلبس ملابس أو يضع شارات تميزه عن سواه كـالعمامة السوداء والحزام الأخضر وما إلى ذلك ، هذا فضلا عن ما يستحصله من حقوق مادية تحت عناوين مختلفة .
 ويحرص المنتسبون لفئة (السادة) على عدم تزويج بناتهم من أولاد فئة (العوام) حتى لا تختلط دمائهم مع دماء من هم أقل منهم شأنا ، فيما لا يتورعون عن الزواج من الفئة الأخرى  ويعدون هذا الزواج تشريفا لها وتطهيرا[8] .
وبالتالي لابد من وقفة إزاء هذه الظاهرة الاجتماعية الشاذة التي مازالت تؤثر في البنيان الاجتماعي وترسي جملة من القيم السلبية ، لأنها تضع العراق في مكان شاذ بين دول العالم وتبرز صورة سلبية عن الواقع العراقي ناهيك عن تناقضها مع القيم والمفاهيم الديمقراطية .

(5)                   
ومما يدعم مواجهة هذه الظاهرة أنها تتناقض مع القيم الإسلامية التي تنادي بالمساواة كالنصوص القرآنية والحديث النبوي الشريف ، فقد ورد في النص القرآني " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير " [9] ، كذلك ورد عن الرسول (ص ) أنه قال    " إن أنسابكم هذه ليست بمسبة على أحد ، كلكم بنو آدم طف الصاع لم يملأه ، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين وتقوى ، وكفى بالرجل أن يكون بذيا بخيلا فاحشا وفي   حديث آخر  "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " وفي حديث آخر ورد قوله " أنظر فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى"  [10] ، ناهيك عن عدم وجود أي سند تأريخي يشير إلى استخدام المسلمين لـ لفظة السيد لا سيما في الفترات الإسلامية المبكرة ، فلم يشر لأي شخصية إسلامية بصفة السيد كأن يقال ( السيد محمد رسول الله ) أو ( السيد علي بن أبي طالب ) أو ( السيد الحسين بن علي ) فهي – على الأرجح – من الألفاظ المستوردة والوافدة من الحضارات الأخرى .
أن من الواجب التصدي لهذه الظاهرة بالقول وبالفعل ، فمن الناحية القانونية يجب منع أي استخدام لهذه الألفاظ لما تحمله من سمة عنصرية وعدم تلائمها مع القيم الحضارية الجديدة ، كما يجب مكافحتها بشتى السبل الإعلامية والتربوية والدينية حتى نضع لبنات البناء الجديد الذي يرتكز على القيم والمبادئ الإنسانية .



الخاتمة
نستنتج من هذا البحث ما يلي :
1-   يعد التمييز الأجتماعي احد الآفات الأجتماعية التي يعاني منها المجتمع الإنساني بشكل عام والعراقي بشكل خاص وبالتالي فأن مواجهته تمثل جزءا من الهدف الإنساني العام وذات صلة بالشرائع الدينية والقوانين الدولية .
2-    أدى شيوع العنصرية إلى تقسيم الناس على مجموعتين : أحدهما مجموعة النسب الرفيع أو الشريف وتشمل المنتمين للنسب العلوي بغض النظر عن صدقيه هذا الانتماء ، فضلا عما يسمى بأبناء العلويات والشيوخ والسراكيل ، والأخرى هي مجموعة النسب غير الشريف وتشمل بقية أطياف الشعب من الفقراء والضعفاء .
3-   إن أخطر ما تشكله هذه الظاهرة هو إنزياحها إلى القيم والممارسات الدينية ، ما يجعل من الصعوبة بمكان مواجهتها والتحرر منها ، لأن الدين يشكل بؤرة مركزية في الضمير الجماعي .
4-   أن العراق يعد الآن من البلدان القليلة التي مازال الناس يعانون فيها من التمييز الاجتماعي  ، لان معظم دول العالم الأخرى أخذت بالقيم والمبادئ الإنسانية التي تمنع كل أشكال التمييز وترفض كل محاولة لتقسيم البشر على أسس عنصرية .
5-   أن مما يدعم مواجهة هذه الظاهرة أنها تتناقض مع القيم الإسلامية التي تنادي بالمساواة حيث نهى الإسلام عن أي شكل من أشكال التمييز بين الناس  وهذا ما ورد في النصوص القرآنية والحديث النبوي الشريف



المصادر
1-   القرآن الكريم
2-   ابن كثير ، تفسير القرأن ، ج7 ، دار طيبة ، 2002 .
3-   دينيس لويد ، فكرة القانون ، ترجمة : سليم الصويص ، الكويت ، 1981 .
4-   جواد مطر الموسوي وآخرون ، حقوق الإنسان بين العولمة والإسلام ، بغداد ، 2009 .
5-   محمد باقر الصدر ، اقتصادنا ، ج 2 ، النجف ، 2003 .
6-   حنا بطاطو ، العراق ( الكتاب الأول ) ، ترجمة : عفيف الرزاز ، ط1 ، طهران ، 2005 .
7-   علي الوردي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، قم ، 2005 .
8-   ابي الفرج الأصفهاني ، مقاتل الطالبيين ، تحقيق : احمد صقر ، مطبعة عترت .
9-   : ستيفن همسلي لونكريك ، اربعة قرون من تأريخ العراق ، ترجمة : جعفر الخياط ، بغداد .


[1] . حول بعض الأمثلة التي تؤكد هذا التباين في الحقوق والواجبات ينظر : حنا بطاطو ، العراق ( الكتاب الأول ) ، ترجمة : عفيف الرزاز ، ط1 ، طهران ، 2005 ، ص 186 .
[2] . حول غياب السلطة عن هذه المنطقة في العهد العثماني يمكن الرجوع للمصدر التالي : ستيفن همسلي لونكريك ، اربعة قرون من تأريخ العراق ، ترجمة : جعفر الخياط ، بغداد .
[3] . حنا بطاطو ، المصدر السابق ، ص 183 .
[4] . حول هذا الموضوع ينظر : محمد باقر الصدر ، اقتصادنا ، ج 2 ، النجف ، 2003 ، ص 672 .
[5] . حول بعض هذه الممارسات ينظر : علي الوردي ، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي ، قم ، 2005 ، ص 207 – 208 .
[6] . جواد مطر الموسوي وآخرون ، حقوق الإنسان بين العولمة والإسلام ، بغداد ، 2009 ، ص 45 .
[7] . العدل والمساواة من الناحية النظرية يفترضان أساسا أن يطبق القانون ( وأيضا العرف ) بالتساوي في جميع الحالات وعلى جميع الأشخاص دون خوف أو محاباة .. حول ذلك ينظر : دينيس لويد ، فكرة القانون ، ترجمة : سليم الصويص ، الكويت ، 1981 ، ص 146 – 147 .
[8] . حنا بطاطو ، المصدر السابق ، ص 190 .
[9] . القرآن الكريم ، سورة الحجرات .
[10] . ابن كثير ، تفسير القرأن ، ج7 ، دار طيبة ، 2002  .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969