الجمعة، 17 مايو 2013

الضفدع


باسم محمد حبيب
مازالت الشمس ساطعة عندما شعر بالأعياء وهو يواصل قراءة كتابه ، أصبح الطريق الريفي الذي يسير فيه موحشا اكثر على الرغم من الخضرة الطافحة والأشجار الباسقة التي تمتد
على مدى الأفق ، بدأ يسهو عن القراءة وهو يمعن النظر بما حوله ، بدت الأشياء حوله كعالم خفي يتكشف أمام عينيه ، فتبرز من الخفاء صورة غائمة تتخلخل للنظر مثل بصيص مهلهل ، تنساب من آفاقه المخضبة بالعتمة أصداء حنحنات غائصة بدت وكأنها آتية من المجهول ، لمح جسدا متكورا في ناحية قصية من المكان ، كانت العتمة تفصح عن ذاتها تدريجيا كلما واصل النظر وتسارعت الخطوات ، انكشف الغموض أخيرا على جسد معصوف تتراقص ساقاه النحيلتان كقصبتين معقوفتين واهنتين تسندان رأسا بدى كمن فقد علائمه ، وعلى أثر مداهمة جائرة لخطوات مضمخة بالفضاضة ، وقف العجوز مستقبلا زائره بقدمين متهالكتين مسندا إنحناء جسده المتضعضع بعصا يمسكها بكلتا يديه ، عاد بعدها إلى هجوعه بعد أن احتوته كلمات سلسة اخفت كل اهداف الفضول الفجة ، ليستقر بعدها مثل ضفدع ذاوي ضاما ساقيه إلى جسده ، جلس الزائر بأزاء العجوز وفي عقله تساؤل كبير ، ودون أن ينبس ببنت شفة أخذ العجوز يدمدم كاشفا عن سر دفين ، وبينما هو يتكلم كانت عيونه تجوب المكان يمنة ويسرى كأنه ينتظر شيئا ما ، بدت كلماته مفهومة وهو يحكي ما يشبه الخرافة ، عن خبر ثعبان كبير مخيف باغت البركة بوابل من صولات هادرة ملتهما بفكيه المخيفين العشرات من الضفادع ، انتاب الوجوم جلسة الفضول الحافلة بالغموض فسكت العجوز لبرهة محاولا أستقصاء تأثير  كلماته على الزائر الذي سكنه الصمت وعمه السكون ، رفع العجوز يديه المشوهتين كأنه يبحث عن شيء يفحم به ضيفه ، وفي تلك اللحظة بدأ صوته يتحول إلى ما يشبه الصفير كأن كائنا غريبا سكنه وأمسك بتلابيبه ، فتبحر الضيف في وجه محدثه مستقصيا وجهه النحيل وتجاويفه الغائرة ، وبينما هو يستمع إلى خاتمة قصته كانت شفتاه الكبيرتان تنفرجان ليبرز منهما لسان طويل يشبه لسان ضفدعة ، وصل العجوز في قصته إلى الذروة عندما صور الثعبان وهو يواجه ضفدعا من ضفادع البركة ، كان الضفادع عاجزة عن مواجهة الثعبان مستسلمة لقدرها في أن تكون طعامه ، لكن هذا الضفدع كان غير ذلك بعد أن صمم على المواجهة ، مبتدءا بحث زملائه على أن لا يستسلموا لمصيرهم ويكونوا مبادرين لمهاجمة الثعبان ، لكنه بدلا من أن يلقى ترحيبهم واجه سخريتهم اللاذعة ، إذ كيف يواجهون من يعدهم طعامه وبهذه الأجساد الصغيرة الهشة ؟ وبعد أن يئس منهم صمم على الخروج لوحده مفضلا الموت على هذه الحياة الخانعة ، أخذ صوت العجوز يتغير وهو يتحول إلى ما يشبه الصفير قابله من عمق البركة أصوات صفير ونقيق يصم الآذان ، ثم عاد صوت العجوز إلى طبيعته وهو يتناول حال الضفدع عند بلوغه وكر الثعبان وكيف أخذ قلبه بالخفقان وأطرافه بالإرتعاش ؟ فأي حماقة اشد من مهاجمة ثعبان بجسد ضفدع ، شعر بالهلع وهو ويلمح جسدا طويلا يترصده ، فتسلل الخدر إلى جسده والشلل إلى أوصاله كأنه في واد والثعبان في واد ، فتح الثعبان فكيه متأهبا لألتهام الضفدع العاجز عن الحراك ، لكن شيئا ما حصل في تلك اللحظة ، فعندما أغمض الضفدع عينيه منتظرا أطباق الفكين المفترسين على جسده ، شعر بجلبة قوية وحفيف عال دفعه إلى فتح عينيه ، فتفاجأ بما رأى ، لقد وجد الثعبان مقطع الأوصال وفي الأعلى نسر يحوم ، صفق العجوز بيديه معلنا نهاية القصة ثم نهض مستندا على عصاه ، لكنه ما أن أستوى أمام البركة حتى عمه الأضطراب فجأة ثم أخذ يصفر ويقفز حتى غادر المكان ، ألتفت الضيف نحو البركة لألتماس ما أثار خوف العجوز ، فلمح حركة صغيرة تدب في الماء ، ها أنه ثعبان .. لا بل ثعبان صغير .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969