الأربعاء، 17 أبريل 2013

عبادة الصور !

باسم محمد حبيب
صحيفة العالم / 15 نيسان 2013
تنتشر على مساحة البلد أعداد كبيرة من الصور التي تعود لشخصيات دينية وسياسية وعشائرية وغيرها، حيث تشكل هذه الصور ظاهرة ملفتة للنظر وتستدعي أكثر من تساؤل. ولعل أهم هذه التساؤلات: هل لهذه الصور من أهمية للواقع الحالي؟ وهل لها أساس ديني أو سياسي أو اخلاقي؟
إن أهم ما يجب أن نؤكده بشأن هذه الصور أنها لا تعد ظاهرة جديدة في الواقع العراقي، بل كانت تقليدا متبعا امتد على مدى عقود عدة لاسيما قبل حرب 2003. ومن المفارقات ان هذه الظاهرة التي كانت مرفوضة من الكثير من الاوساط الاجتماعية والسياسية والدينية أصبحت الآن مطلبا، بل وأمرا معتادا لدى بعض هذه الأوساط، وبالتالي سينعكس هذا الأمر على التقييم التاريخي لهذه الظاهرة.
ومن الناحية الدينية تتقاطع هذه الظاهرة مع التعاليم الدينية، سواء تلك التي تحرم الصور جملة وتفصيلا أو التي تحرمها لأسباب معينة، لأنها تحض على عبادة الفرد والتذلل لغير الخالق، ولهذا السبب لا نجد أي صور متداولة من العصور الإسلامية، بل أن بعض خلفاء المسلمين امتنعوا عن وضع صورهم على النقود خشية من ان ينظر إلى ذلك على أنه تقاطع مع تعاليم الإسلام، وبالتأكيد فان في هذا الأمر الكثير من الغلو لأهمية الصور في الحياة العامة، لكن لا يمكن النظر للصور التي تتجاوز الضرورة الشخصية على انها متناسقة مع هذا الإعتراض الحضاري بأي شكل من الأشكال.
أما من الناحية السياسية، فان هذا التقليد يتنافى والأصول الديمقراطية التي تفرض نسقا وسلوكا خاصا بحيث يتساوى الجميع في الفرص حتى لا يؤدي ذلك إلى الإنحياز لطرف ضد آخر أو التأثير في الناخبين بطرق غير ديمقراطية، فبعض الصور قد ينظر لها كدعاية سياسية، على الرغم من انها قد لا تحمل هذا المعنى، وبالتالي قد تخل بالإطار الديمقراطي، هذا من جانب، من جانب آخر فان هذا الأمر سوف يدفع القوى السياسية المختلفة على الإقتداء به ما قد يغدو تقليدا سياسيا وإن تخالف مع المعطى الديمقراطي. وفي جو يتسابق فيه السياسيون على نشر صورهم في مختلف المناطق الجغرافية، سيكون من المتعذر توجيه العملية الديمقراطية إلى الغايات والأهداف التي تنشدها.
من الناحية الأخلاقية المحضة تتناقض هذه الصور جملة وتفصيلا مع القيم الأخلاقية، لأنها تؤدي إلى إشاعة التذلل للأشخاص وعبادة الفرد، وهي من متعلقات العبودية التي يجاهد العراق الجديد للتخلص منها، فليس من المنطقي أن نجاهد للتخلص من هذه الظواهر السلبية تربويا وقانونيا وإعلاميا ثم نعمل على إشاعتها إجتماعيا وسياسيا.
إننا نعلم أن وضع الكثير من هذه الصور قد يتم بمعزل عن شخوصها، ولكن بالتأكيد فان هذه الشخوص التي لبعضها مكانة مهمة سوف تتأثر سلبا بها، وبالتالي عليها واجب العمل على التخلص منها كنوع من الإيثار وترجيح المصلحة العامة.
إن حبنا لشخوصنا واحترامنا لدورها الديني والسياسي والإجتماعي يجب أن يكون حبا وجدانيا خالصا، ولا يجب أن يتحول إلى مظاهر قد يلعب الرياء والنفاق دورا في نشرها وتعميمها، وهو ما يجعلنا متناقضين مع هذه الشخوص المهمة.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969