السبت، 25 مايو، 2013

ملحمة جلجامش في الموروث الشعبي العراقي


باسم محمد حبيب
تعد ملحمة جلجامش اهم اثر ادبي انتجته حضارة وادي الرافدين ليس لطولها مقارنة بنظيراتها من الملاحم الأخرى وحسب بل ولمضمونها الذي اتسم بالعمق والشمول وتناولها لأحدى المسائل
التي يهتم بها الفكر العراقي القديم علاوة على المعتقد الديني إلا وهي مسألة توق الإنسان إلى الخلود فقد ابرزت الملحمة أن الإنسان مهما امتلك من أسباب النعمة والنفوذ والثراء ومهما امتلك من سلطة وجبروت فأنه يبقى ذلك الكائن الضعيف الذي مآله القبر وبالتالي لا مناص من البحث عن نوع آخر من الخلود يكون بمثابة تعويض وعزاء للإنسان من الخلود المادي المنشود ونظرا لشهرة الملحمة فقد تم نسخها اكثر من مرة وتمت ترجمتها إلى اكثر من لغة كما تناقلتها الشفاه جيلا بعد جيل وصولا إلى جيلنا الحاضر .
لقد بقيت أصداء هذه الملحمة ماثلة في وجدان سكان المنطقة التي انتجتها إذ بقيت تقاوم عوادي الزمن على الرغم من مرور مدة طويلة على انهيار حضارة وادي الرافدين ومن ابرز ما بقي في الموروث الشعبي من أصداء هذه الملحمة ما يأتي :
1-   من الألفاظ المتداولة في حياتنا اليومية لفظة ( ملج وركة ) التي تطلق على الأطفال أو الفتيان المشاغبين الذين لا يستقرون على حال وقد سمع الباحث هذه العبارة من كبار السن وهم يطلقونها على من يجدونه مشاكسا ومتمردا والملاحظ ان شيوع هذه اللفظة قاصر على المناطق الجنوبية من العراق أي المنطقة التي عاش فيها ملك الوركاء المشاكس ( جلجامش ) والذي عرف عنه الطيش والنزق و حب المغامرة و لذلك بقيت أصداء مغاراته ماثلة في أذهان الناس جيلا بعد جيل وصولا إلى عصرنا الحاضر .
2-   كما تشيع في مناطقنا وأوساطنا الشعبية المقولة المأثورة ( ثلثين الولد على خالة ) ويبدو ان أصل هذه المقولة مرتبط بنص ملحمة جلجامش الذي أشار إلى ان ثلثي جسد جلجامش من مادة الآلهة وثلثه الآخر من مادة البشر فأمه البقرة الجليلة ( ننسون ) من الآلهة أما أبوه فمن البشر ولذلك امتاز سلوكه بالتعالي والعجرفة والرغبة في تحدي الصعوبات وأجتياز المخاطر غير مبال بما قد يسببه له ذلك من ضرر أو ألم كما لم يقنع بكونه بشر مقدر له ان يموت بل عمل جاهدا من اجل بلوغ الخلود معتقدا انه بحكم صلته بالآلهة يستحق ذلك لكن ثلث البشري كان اكثر فاعلية من ثلثيه الإلهيين فآل مجهوده وكفاحه إلى الفشل ليدرك أخيرا أن الموت امر لا مفر منه وان السعادة في الفعل الطيب الحسن الذي يبقى في ذاكرة الناس ومن ابرز ما طرحه هذا الأمر أن الأبن ينتمي جسديا لأمه اكثر من انتمائه لأبيه إلا انه يرث من ابيه اكثر مما يرث من أمه .
3-   تضمنت ملحمة جلجامش ثيمة مهمة هي ثيمة البحث عن الخلود فحضارة وادي الرافدين التي لا تؤمن بالحساب ووصول الإنسان إلى عالم النعيم جعلت الإنسان مرتعب من مصيره فالموت هو نهاية مفجعة ومأساوية ولذلك طرحت الملحمة موضوع البحث عن الخلود وجعلته ثيمتها الأساسية فبعد فجيعة جلجامش بصديقه ( انكيدو ) وخشيته من أن يلقى نفس مصيره عزم على السفر بحثا عن الخلود وقد عانى بسفره الكثير من الأهوال وألتقى بجده بطل الطوفان ( أوتو – نابشتم ) الذي دله على نبتة تساعده على تجديد حياته لكن الأفعى سلبته النبتة في غفلة منه فكان الفشل مآل رحلته ومن ثم أدراكه ان الموت لا مناص منه وفي موروثنا الشعبي الكثير من القصص المماثلة التي تؤكد ارتباطها بمتن الملحمة منها قصة سمعها الباحث من احد الرواة ذكر فيها " أن احد الرجال قرر ذات يوم السفر بحثا عن ارض لا يصلها الموت وقد ساح في بلاد الله العريضة بحثا عن تلك الأرض فكان في كل مرة يصل فيها إلى بلدة يسأل ناسها هل عندكم موت ؟ فيجيبوه نعم عندنا وذات يوم وصل إلى بلدة من البلدات فسأل سؤاله التقليدي فتفاجأ بأن ابلغ بأن هذه البلدة لا يصل إليها الموت فسألهم ولكن اين يذهب الناس إذا طعنوا في السن ؟ فجاءه الجواب : يسمعون مناديا بأسمائهم ينادي من مكان بعيد فيذهبون إليه ولا يرجعون فقال أذن سأسكن هذه البلدة ولو نوديت من قبل ذلك الرجل المجهول سأتجاهل ندائه وبعد مدة من الزمن ناداه احدهم من مكان بعيد فتجاهل نداءه لكن المنادي أستمر بالمناداة عليه حتى اضطره لتلبية ندائه ولم يعد بعد ذلك " ان هذه القصة كما هو ملاحظ من موضوعها تنتمي إلى فكر حضارة وادي الرافدين وهي شبيهة إلى حد ما بسفر جلجامش بحثا عن الخلود .
4-   كما ابرزت احدى المقاطع الخاصة بجلجامش نزول انكيدو إلى العالم الأسفل لإستعادة قطعة ثمينة تعود لجلجامش وقد اسمعه جلجامش بعض النصائح التي تمكنه من العودة لكن انكيدو فشل في تنفيذ نصائحه فبقي حبيس العالم الأسفل لكن جلجامش تمكن بطريقة ما من اخراج روح انكيدو للإستفسار منه عن احوال العالم الأسفل فقص له معاناة الموتى لا سيما اولئك الذين لم يخلفوا اولادا يقدمون لهم القرابين إذ بدى من خلال الحوار ان الموتى يجدون وضعا افضل كلما زاد عدد اولادهم وهو ما يؤكد الأعتقاد بأن الموتى بحاجة إلى قرابين الأحياء حتى يبقوا في حال افضل والملاحظ ان هذا الأعتقاد هو شديد الشبه إلى حد بعيد بمعتقدات الناس في بلادنا إذ يواظب الأبناء على تقديم القرابين ( الثواب ) وتوجيهها إلى موتاهم معتقدين ان الموتى لن يجدوا الراحة بدونها وأنهم سيغضبون عليهم ويلعنونهم إذا قصروا عنهم بذلك وكلما كانت القرابين كثيرة كلما شعر الموتى بالرضا عن الأحياء .

ان ما تؤكده السطور السابقة ان المعاني التي تتضمنها ملحمة جلجامش مازالت ماثلة في الكثير من القصص والحكايات والعقائد وما إلى ذلك وهو دليل على وجود صلات حضارية وبشرية تربط ما بين الماضي والحاضر وأن التواصل بين الأجيال لم ينقطع على الرغم من طول المدة الزمنية .

حول ملحمة جلجامش ينظر : طه باقر ، ملحمة جلجامش ، ( بغداد ، ط5 ، 1986 ) .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969