السبت، 24 نوفمبر، 2012

مفهوم التوحيد في الديانات السورية القديمة

باسم محمد حبيب

اشتهرت سوريا ( المقصود هنا أقطار بلاد الشام الأربعة ) – نتيجة لموقعها الجغرافي – باقتباسها للكثير من مظاهر ومقومات الحضارة من الحضارات المجاورة لها وبشكل خاص حضارتا
كل من بلاد وادي الرافدين وبلاد وادي النيل ، وقد شمل ما اقتبسوه من هاتين الحضارتين جوانب عدة سياسية واقتصادية ودينية وتقنية وما إلى ذلك ، ومن الطبيعي أن يخضع هذا التأثير لعامل القرب والبعد فتكون فلسطين وبعض أقسام فينيقيا من ضمن منطقة التأثير المصري فيما تكون بقية أقسام سوريا الأخرى من ضمن منطقة التأثير الرافدي ( العراقي القديم ) [1]. 
لكن السؤال المطروح هنا : هل كانت سوريا مجرد مستورد للمظاهر والمقومات الحضارية أم أنها كانت أيضا مصدرا لبعضها ؟ وبماذا تجلت هذه المقومات والمظاهر الحضارية التي كانت سوريا منبعا لها ؟ .
إن جوابنا على ذلك أن سوريا بقدر ما كانت بلدا مستوردا للمقومات والمظاهر الحضارية كانت أيضا وبالمقابل بلدا مصدرا لها وأيضا لما يطور من تلك المقومات والمظاهر كما حصل عندما تم تطوير كل من الكتابة المسمارية المستوردة من العراق والكتابة الهيروغليفية المستوردة من مصر إلى الخط الأبجدي الذي غدى الخط المفضل في تدوين مختلف اللغات العالمية [2] وقد حصل نفس الشيء فيما يخص الديانة إذ أصبحت سوريا مركزا لنمو فكرة التوحيد الديني الذي عبرت عن نفسها بشكل واضح في الديانتين اليهودية والمسيحية .
فهل كان التوحيد صناعة سورية أم هو صناعة بيئة أخرى ؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه فيما يلي من هذه الدراسة ولنبدأ من تعريف مفهوم التوحيد الديني الذي يعرف ببساطة بأنه : نبذ مبدأ الشرك واعتناق عبادة إله واحد ، ووفق هذا التعريف يتم التفريق عادة بين مفهوم التوحيد والمفاهيم الأخرى التي تقترب منه كـ( التفريد ) الذي يعني رفع منزلة إله واحد ليكون فوق الآلهة الأخرى والمفهوم الذي يجعل من إله ما حاويا على عدة شخوص إلهية ، لكن بالمقابل هناك من يربط ما بين التوحيد وهذه المفاهيم لأن التوحيد بوصفه النموذج الأخير في مسار تطور الديانة لابد ان يكون منطويا على تطورات مرحلية تمثلها هذه المفاهيم الأمر الذي يجعلها جزءا من إطار التوحيد بمفهومه العام .
وبغض النظر عما ينطوي عليه هذان الرأيان من اختلاف في تقدير مدى المساهمة السورية في مجال التوحيد الديني فأن هدفنا النهائي من البحث هو الوقوف على مدى هذه المساهمة بصرف النظر عن  أن كانت هذه المساهمة رئيسية أو جزئية . أن أدلتنا على الدور السوري في مجال التوحيد الديني مستقاة مما يلي :
1-   أن ظاهرة ( التفريد ) التي شهدتها الديانة العراقية القديمة في أثناء حكم سلالة بابل الأولى وبشكل خاص خلال حكم الملك حمورابي ( 1792 – 1750 ق.م ) والتي تمثلت بإعلاء شأن الإله ( مردوخ ) على آلهة البلاد الأخرى قد جرت بفعل سيطرة الأقوام الآمورية على زمام الحكم في البلاد [3] الأمر الذي ينبئنا عن وجود أرث توحيدي لدى هذه القبائل الوافدة إلى العراق من سوريا فتبني هذه النظرة يبين لنا أن الحكام الآموريون وأن تبنوا التقاليد الدينية لبلاد الرافدين إلا أنهم لم يتجاهلوا تماما أصولهم الدينية التوحيدية بل حاولوا التوفيق بينها وبين تقاليد البلاد التي وفدوا إليها .
أما أصول الآموريون الدينية فيمكن الاستدلال عليها من ديانتهم في بلاد الشام والتي تتمثل بعبادة الإله المسمى ( مارتو ) بالسومرية و ( آمورو ) بالأكدية والذي نسبت إليه تسمية هذه الأقوام ومما نرجحه أن هذا الإله هو المعبود الوحيد أو الرئيس لهذه القبائل أما إقرانه بالإلهة ( عشتار ) فيبدو أنه جاء بتأثير من بلاد الرافدين ولو كان هذا الأمر أصيلا في ديانتهم لكانت قرينته النسخة السورية لهذه الإلهة وليست النسخة الأكدية والملاحظ أن الآموريون قد مضوا بعيدا في التخلي عن ديانتهم الأصلية فالملك الآموري الشهير ( زمري لم ) ملك ماري وهو الملك المعاصر لـ( حمورابي ) قد صور في أحدى المنحوتات وهو يتسلم شارات الملكية من الإلهة عشتار فيما كان قرينها هذه المرة الإله ( حدد ) أو ( أدد ) [4] .
2-   تتميز الكثير من الديانات السورية القديمة بتعايش نوعين من الديانة ما يسمى بالديانة الرسمية وهي المتبناة من قبل الدولة والديانة الشعبية المتبناة من قبل الشعب وفيما يخص الديانة الرسمية نجد أنها تقتصر على إله واحد مع قرينته التي تمثل نسخته الأنثوية فقد عبد الآراميون الإله ( حدد ) أو ( أدد ) وهو إله الزوابع والرعد وهذا الإله محبوبا من المزارعين بشكل خاص لأنه المسؤول عن نزول المطر الذي تحتاجه الزراعة ولذلك تم توحيده مع الشمس أما قرينته فهي الإلهة ( أتارجاتس ) ويرمز لها بالهلال وقرص الشمس وقد انتشرت عبادة هذه الإلهة في فلسطين ثم انتقلت بعد ذلك إلى الرومان وفيما يخص عبادة الآراميين للإله ( حدد ) ذو الوظائف الزراعية فلأن الآراميين من أصول رعوية فيبدوا أن هذه العبادة انتقلت إليهم عند استيطانهم المنطقة فيما لا نعرف شيئا عن ديانتهم الأصلية أما العبادة الشعبية فلم تقتصر على هذين الإلهين بل شملت أيضا آلهة أخرى من بينها الإله الأكدي ( شمش ) والإله الفينيقي ( رشف ) [5] والحال نفسه  مع المدن الفينيقية : جبيل بمعبوديها أودنيس وقرينته أستارتية ، أوغاريت بمعبوديها أليين وقرينته أنيت ، صور بمعبودها (ملكارث) ولا نعرف قرينته أما الديانة الشعبية ففي الغالب ترتكز على عبادة آلهة عدة ربما بسبب التباين في العنصر السكاني وفيما يتعلق بالمدن الفينيقية يلتقي دين الدولة مع دين الشعب في عبادة آلهة الإنبات والخصب ( بعل ) و ( بعلات )  [6] وبالتالي فأن التوحيد كان المفهوم المعترف به على مستوى الديانة الرسمية وفي كثير من الأحيان تجمع جميع الآلهة في شخصية إله واحد يعبر عنه بصيغة ( إل ) أو ( إيلو ) كـ( إلوهيم ) اليهود ولكن الشعب لم يكن يلقي بالا إلى هذا التجريد المعنوي الهاديء بل يمارسون ديانتهم الشعبية المتمثلة بعبادة الإله ( بعل ) الذي قد يوحدون بينه وبين الشمس مثلما يوحدون بين زوجته ( عشتروت ) والقمر ويوصف ( ول ديورانت ) مظاهر هذه الديانة الشعبية بأنها تصل حد " قيام العوائل التي يواجهها أمر جلل بالتضحية بأطفالها قربانا للإله ( بعل ) وهو ما كان يفعله الفينيقيون ولكن في أحيان كثيرة قد يعوض الكهنة عن هذا القربان الوحشي بقربان أخف يمارسوه على أنفسهم فيضربون أجسامهم بآلات حادة حتى تخرج الدماء منهم أو قد يكتفوا بختان الطفل أي قطع غلفته كقربان أو يدفعون مبلغا من المال عوض الغلفة " [7]   .
3-   فيما يخص ديانة الكنعانيين يبرز مفهوم الإله الأعلى بشكل أكثر جلاءا من الديانات السورية الأخرى لأحتواء بانثيون هذه الديانة على العديد من الآلهة الأخرى والمعلوم أن ديانة الكنعانيين تدور حول تقديس مظاهر الكون وعبادة الطبيعة فالجو كان في نظرهم الأب بينما تمثل الأرض الألهة الأم أما الإله الأعلى فيسمى ( أيل ) أو ( عليان ) وهو يوحد أيضا مع الإله ( بعل ) إله المطر والمحاصيل ويقرن هذا الإله في الديانة الكنعانية بالإلهة ( عاشيرة ) أو ( عاثيرة ) أو ( عشتروت ) التي تلقب أيضا بـ( بعلة ) أو ( سيدة ) كما تلقب بـ( ملكة السماء ) و ( عنات ) إله الحب والحرب أي على غرار ( عشتار الأكدية ) [8]  ولا يقتصر الأمر على موضوع التوحيد بل هناك أيضا مضامين لها علاقة بمتون الديانات التوحيدية كـمفهوم الصراع بين الخير والشر أو الله والشيطان فالإله ( بعل ) الذي يقرن دائما بـ( حدد ) أو ( أدد ) يخوض بعد أخذه الملك من أبيه ( يام ) صراعا قاسيا مع الإله (موت ) والذي يقتل ويعود للحياة على غرار الإله ( تموز ) العراقي القديم [9] .
4-   تذكر التوراة أن تبشير موسى بديانته تم بعد سفره إلى أرض ( مدين ) وزواجه من ابنة كاهنهم ( روويل ) وهو ما يدفع إلى الأعتقاد بأن موسى التوراتي قد استقى دينه من كاهن مدين وأن عبادة جاهوفة ( يهوه ) شائعة هناك [10] وبخصوص أصل الديانة اليهودية هناك أصلين محتملين لهذه الديانة أما أنها ديانة وافدة من ارض الكلدانيين ( بلاد الرافدين ) كما تشير التوراة ذاتها أي ذات صلة بالتغييرات السياسية التي شهدتها بلاد الرافدين في أواخر الألف الثالث وأوائل الألف الثاني قبل الميلاد أو أنها ديانة شامية تقليدية أي مثلها مثل أي ديانة أخرى ظهرت في هذه المنطقة وفيما يخص الرأي الأول لدينا الكثير من الأدلة التي تدعمه ومنها الشبه الكبير بين الافكار والعقائد والقصص الواردة في التوراة والافكار والعقائد والاساطير الرافدينية هذا ناهيك عن ان التوحيد الذي عرفه اليهود ربما كان نتاج مزج ما بين عقيدة الوافدين العراقية وعقيدة الشعب الذي جاوروه في الإستيطان وربما هذا حصل بعد مراحل طويلة من الاحتكاك مع الشعوب المجاورة وليس ببعيد على المهاجرين من بلاد الرافدين ان يتبنوا عقيدة تحمل جوهر الديانة العراقية القديمة وشكل الديانات السورية لأن العراقيين القدماء يعدون الإله ( آنو ) إله السماء كبير الآلهة وعندما هاجروا أكتفوا بعبادة الإله الأعلى ونبذوا الآلهة الآخرى لأنهم لم يعودوا بحاجة لها في غربتهم عن البلاد وبالطبع فأن لكل رأي من هذين الرأيين وجاهته وربما لا يمكننا تفضيل أحدهما على الآخر وفق ما لدينا من أدلة ولكن سواء كان هذا الرأي صحيح أو ذاك يبقى لبلاد الشام قصب السبق في تطوير أول ديانة توحيدية واضحة المعالم عرفها العالم وهي الديانة اليهودية ثم تلتها الديانة المسيحية .


[1] . احمد امين سليم ، تأريخ الشرق الأدنى القديم ، ط1 ، ( بيروت ، 2008 ) ، ص 124 – 125 .
[2] .  ارنست دوبلهوفر ، رموز ومعجزات ، ترجمة : عماد حاتم ، ط1 ( دمشق ، 2007   ) ، ص 237 .
[3] . جان بوتيريو ، الديانة عند البابليين ، ترجمة : وليد الجادر ، ط1 ، (باريس ، 2005  ) ، ص 94 – 95 .
[4] . محمد أبو المحاسن عصفور ، معالم حضارات الشرق الأدنى القديم ، ( بيروت ، 1979 ) ، ص 158 .
[5] . محمد ابو المحاسن ، المصدر السابق ، ص 168 .
[6] . ف دياكوف ، س كوفاليف ، الحضارات القديمة ج1 ، ترجمة : نسيم واكيم اليازجي ، ط2 ، ( دمشق ، 2006 ) ، ص 169 .
[7] . ول ديورانت ، قصة الحضارة ، الجزء الاول من المجلد الاول ، ترجمة : زكي نجيب محمود ، ( القاهرة ، 1971 ) ، ص 318 – 319 .
[8] . محمد ابو المحاسن عصفور ، المصدر السابق ، ص 164 – 165 .
[9] . سامي عيد الأحمد ، تأريخ فلسطين القديم ، ( بغداد ، 1979 ) ، ص 246 .
[10] . المصدر نفسه ، ص 19 .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969