السبت، 27 أكتوبر، 2012

أهمية التوراة في دراسة تأريخنا القديم


باسم محمد حبيب
عادة ما يطرح المؤرخون المتخصصون بتأريخ المنطقة القديم السؤال التالي : هل تعد التوراة مصدرا مهما من مصادر تأريخنا وبوجه خاص تأريخنا القديم أم أنها ليست بهذه الأهمية ؟ وعند الإجابة
على هذا السؤال يتدخل عامل آخر غير العامل الموضوعي ليهيمن على مضمون الإجابة وهذا العامل هو بالتحديد الوجدان والعاطفة الذي خلق شعورا ولا شعورا أيضا معاديا لليهود نتيجة طول مدة الخصومة وتراكم النزاعات والصراعات بين طرفي المعادلة اليهود والعرب المسلمين [1].
أن الإجابة التي يدعمها العامل الوجداني سوف تنفي – على الأغلب – أي أهمية للتوراة في دراسة تأريخ المنطقة لا بل سوف تتهمهم بالتزييف والتحريف وسرقة موروث المنطقة [2] ناهيك عن التآمر الدائم ضد شعوب المنطقة وأنظمتها السياسية الحاكمة [3] وليس أدل على ذلك من مئات لا بل آلاف الكتب المؤلفة لهذا الغرض أي لإخراج مؤرخي اليهود من دائرة الموثوقية وإبعاد كتابهم المقدس عن سلم الأهمية في دراسة تأريخ المنطقة [4] وهذا الأمر لا يعد شيئا غير منصفا وحسب بل وأيضا يمنعنا من الاستفادة  من المعلومات التي  وفرها اليهود عن تأريخ المنطقة .
لقد كان لليهود – بغض النظر عما بينهم وبين العرب والمسلمين من خصومة –  دور كبير ليس في تبني أولى العقائد التوحيدية وحسب بل وفي إبقاء ذكر المنطقة في أذهان الأجيال التالية بعد أن غابت عنها شخصياتها الأصلية ( شعوب المنطقة )  بتأثير الغزوات الفارسية واليونانية والرومانية [5] فأصبحت التوراة وعلى مدى فترة طويلة صوت المنطقة الناطق بلسانها والمذكر بإسهامها الكبير في بنيان الحضارة البشرية حيث بقيت التوراة المصدر المشرقي الوحيد تقريبا الذي يحكي عن تأريخ المنطقة في مقابل المعلومات المحدودة والمضللة أحيانا التي تقدمها لنا المصادر الكلاسيكية [6].
وقد بقيت التوراة تتمتع بهذا المركز المعتبر حتى القرن التاسع عشر عندما بدأت الكشوف الأثرية باكتشاف كتابات سكان المنطقة القدماء ومنها وبشكل خاص الكتابات المسمارية والهيروغليفية فكانت أن أحدثت ثورة كبيرة في مقدار معلوماتنا عن تاريخ المنطقة وإسهامها الحضاري [7]ولو لم تحصل هذه الاكتشافات الأثرية لبقيت التوراة المصدر الذي لا يمكن الاستغناء عنه أبدا .
وعلى الرغم من ان التوراة قد تدحرجت من حيث كونها مصدرا تاريخيا إلى مستوى أقل بكثير من مستواها السابق إلا أنها مع ذلك بقيت محافظة على قيمتها كمصدر تاريخي فضلا عن قيمتها كمصدر ديني فنحن مازلنا محتاجين إلى الاستعانة بها في دراسة تاريخ بلاد الشام عامة وفلسطين خاصة [8] فضلا عن قيمتها الكبيرة في التدليل على مدى الانتشار الذي بلغه موروث المنطقة في تلك المدة السحيقة ناهيك عن دور التوراة في نقل موروث المنطقة والإبحار به عبر الزمان والمكان  .
أن تهمة تحريف الأحداث التي يتهم بها عادة مدونو التوراة لا يجب أن تلهينا عن حجم  المعلومات التي يوفرها هذا السفر التاريخي المهم فالتحريف – بغض النظر عن حجمه – ليس حكرا على هؤلاء المدونين بل شاطرتهم به طوائف عدة من المدونين في مراحل تاريخية مختلفة وهو قد يكون حالة شائعة في أزمان كثيرة فيما لا يجب ان ننظر إلى اقتباسات التوراة لأساطير الشعوب الأخرى ونسبتها لليهود على أنه من الأعمال الشائنة بوجه خاص [9] بل يجب ان ننظر إلى الجانب الإيجابي أيضا من خلال إبقاءها لهذه الأساطير حية ومتداولة لفترة طويلة بعد أن ماتت واختفت بلغاتها الأصلية .
لكننا مع ذلك لا نطالب المؤرخين بترك تحفظاتهم المشروعة تجاه كتابات مدوني اليهود القدماء ولا بفقد حذرهم إزاء ما تقدمه التوراة من معلومات قد يكون في بعضها شيء من التحوير أو التحريف أو الغلو لأسباب لها علاقة بظروف اليهود غير المستقرة وأحوالهم المضطربة [10]والتي تلجأهم أحيانا إلى الاستعانة بمهارة المدونين لإنتاج سفر قومي يقيهم التشتت والانزواء .
وبالتأكيد فإننا يجب أن نعزو نجاح اليهود في الحفاظ على مكونهم القومي وأرثهم الثقافي إلى محافظتهم على هذا السفر من الضياع وإلا لاختفوا كما أختفى غيرهم من الأمم الأخرى ومن بينها أمم تزيدهم عددا وتبزهم قوة كما هو الحال مع البابليين والآشوريين والفراعنة والحثيين وغيرهم ويمكننا بالتالي القول انه لولا التوراة لما كان هناك من يمكن ان يسمون باليهود على غرار القرآن الكريم الذي لولاه لما بقي للغة العرب وربما العرب أيضا من وجود كما يشير إلى ذلك الباحثون علما أن القرآن الكريم أحدث من التوراة بما يزيد على ألف سنة .
ان من المدهش حقا ان نرى كتابا عمره ثلاثة آلاف سنة مازال متداولا إلى الآن فهو على الأرجح أكثر الكتب المقروءة عمرا فإذا ما قارنا عمره بأعمار الكتب المقدسة الأخرى فسنجد انه يسبقها جميعا فـ( الفيدا ) كتاب الهندوس المقدس يعتقد انه دون في مستهل القرون الميلادية على الرغم من انه ربما قد تواتر شفاهيا أو حتى كتابيا في زمن اسبق ولكن ليس بالضرورة إلى الزمن الذي دونت فيه التوراة ونفس الشيء يصح بالنسبة لـ( الأفستا ) كتاب الزرادشتية المقدس الذي ربما يعود إلى القرنين السابع والسادس قبل الميلاد على أبعد تقدير [11] أما المؤلفات اليونانية فلا يتعدى أغلبها القرن السادس قبل الميلاد .
وبالتالي فأن من المنصف القول أن التوراة بوصفها أرثا لأحد شعوب الشرق الأدنى القديم كانت جزءا مهما من إسهام المنطقة الثقافي في بنيان الحضارة البشرية وحدثا مهما من الأحداث التي لازمت تطور المعتقدات الدينية عبر التأريخ هذا ناهيك عن أهميتها كمصدر تأريخي في دراسة تأريخ المنطقة القديم .








[1] . من امثلة على دور العاطفة في ابراز الموقف من اليهود طرح قدمه احد الباحثين أشار فيه إلى ان اليهود من اصل غجري وأن احداث تأريخهم المدونة في التوراة لم تحصل في فلسطين بل في منطقة آسيا الصغرى ، حول ذلك انظر : يوسف القاضي ، اصل العبرانيين ، حاورته هناء العمري ، مجلة آفاق عربية ، السنة الخامسة عشر ، آب 1990 .
[2] . الأب سهيل قاشا ، أثر الكتابات البابلية في المدونات التوراتية ، ط1 ، (بيروت ، 1998  ).
[3] . حسن عبيد عيسى ، التآمر اليهودي على بلاد الرافدين حتى سقوط بابل عام 539 ق.م ( دراسة تحليلية ) ، ( بغداد ، 2002 ) ص 15 .
[4] . سامي سعيد الأحم ، تأريخ فلسطين القديم ، بغداد ، 1979 ) ، ص 4 .
[5] . تعرضت المنطقة وابتداءا من عام 539 ق.م لغزوات أجنبية عديدة فد تمكن الفرس الأخمينيون من السيطرة على بابل في هذا التأريخ ومن ثم بلاد الشام ومصر ثم جاء المقدونيون وسيطروا عليها ابتداءا من عام 334 ق.م ثم تبعهم الرومان الذين ضموا سوريا ومصر لأملاكهم في التأريخين 64 و 30 ق.م .
[6] . حول المعلومات التي تقدمها المصادر الكلاسيكية عن تأريخ العراق على سبيل المثال انظر : طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ( طبعة دار الوراق ، 2009 )  ص 125 – 130 .
[7] . كارم محمود عزيز ، أساطير التوراة الكبرى وتراث الشرق الأدنى القديم ، ط1 ، ( دمشق ، 1999 ) ، ص 7 .
[8] . أضطر كاتب كبير هو المؤرخ د . سامي سعيد الأحمد إلى الأستعانة كثيرا بنصوص التوراة عند كتابته لتأريخ فلسطين القديم حول هذا الموضوع انظر : سامي سعيد الأحمد ، تأريخ فلسطين القديم  .
[9] .  من المؤلفات التي تعاطت مع هذا الأمر المؤلف التالي : ليوتاكسيل ، التوراة كتاب مقدس أم جمع من الأساطير ، ترجمة : حسان ميخائيل أسحق ، (دمشق ، 2006  ) .
[10] . كانت المنطقة التي سكنها اليهود وهي منطقة بلاد الشام وبشكل خاص فلسطين ساحة للصراع بين القوى العظمى القائمة انذاك وبالتالي واجهت شعوب بلاد الشام ومنها الشعب اليهودي تحديات كبيرة طوال الألفين الثاني والأول قبل الميلاد حول هذا الموضوع يمكننا الأستفادة من المصدر التالي : عبد الله الحلو ، صراع الممالك في التأريخ السوري القديم ما بين العصر السومري وسقوط المملكة التدمرية ، ط1 ، ( بيروت ، 1999 ) ؛ احمد سوسة ، العرب واليهود في التأريخ ، ( بغداد ، د ت )  .
[11] . يرى المؤرخ الكبير توينبي أن زرادشت نبي الإيرانيين ما هو إلا نسخة عن موسى وأن هذا الأمر حصل بعد ان احتك الإيرانيون باليهود الذين انزلهم الآشوريون في المقاطعات الإيرانية إنطلاقا من سياستهم في تهجير الشعوب المتمردة حول هذا الموضوع انظر : توينبي ، دراسة التأريخ ، ترجمة طه باقر ، ( بغداد ، 1955 ) .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969