الجمعة، 26 أكتوبر، 2012

النبي ابراهيم : هل هو أبن لآخر ملوك سلالة أور الثالثة ?


باسم محمد حبيب

لشخصية ابراهيم مكانة مرموقة في الديانات السماوية الثلاث لذا لا غرابة في أن تغدوا دراسة شخصيته مطلبا للبحث التاريخي وهدفا للدارسين ، على اننا يجب ان نؤكد أن معظم هذه الدراسات
لم تستطع أن تعطي صورة واضحة لهذه الشخصية أو تغطي الثغرات البحثية الكثيرة التي تشوبها الأمر الذي يستلزم المزيد من الدراسات حول هذه الشخصية ومكانتها الدينية الهامة .
أن أول ذكر لهذه الشخصية في التوراة جاء في سياق النص الذي تناول قصة الرحلة الإبراهيمية الشهيرة  التي انطلقت من أور الكلدانيين باتجاه بلاد كنعان حيث ورد فيه أن " تارح أخذ ابرام أبنه ولوطا أبن هاران أبن أبنه وساراي كنته أمرأة أبرام أبنه فخرجوا معا من أور الكلدانيين ليذهبوا إلى أرض كنعان فأتوا إلى حاران وأقاموا هناك ومات تارح في حاران " [1] وهذا النص يقدم لنا جملة من المعطيات أهمها :
(1)                        أن قائد الرحلة هو تارح والد أبرام وليس أبرام نفسه الأمر الذي ينفي أن يكون وراء هذه الرحلة أسباب دينية كما رجح البعض وإذا كان هناك من أسباب أخرى لهذه الرحلة فلابد أن تكون هذه الأسباب مهمة إلى الدرجة التي تجعل الناس مندفعين إلى ترك وطنهم بحثا عن وطن بديل على الرغم مما يمتاز به وطنهم من الخصب والحضارة والذي يدفع الكثير من الأقوام إلى القدوم إليه لا الهجرة منه [2] واستنادا إلى بعض التقديرات التي وضعت لتحديد زمن إبراهيم [3] يمكننا القول أن مدينة ( أور ) التي حددتها التوراة منطلقا للرحلة الإبراهيمية كانت تعيش أنذاك أوضاعا صعبة بتأثير هجوم العيلاميين والأموريين الذي تسبب في سقوط سلالة أور الثالثة في حدود 2006 ق.م [4] ومن ثم تدهور البلاد بتأثير النزاع بين الدويلات الآمورية وبشكل خاص سلالتا أيسن ولارسا [5]ومن الطبيعي في ظل هذه الظروف غير الطبيعية أن تشهد البلاد هجرات على غرار الهجرة المشار إليها في التوراة أما ( تارح ) الذي هو أسم والد ابرام ( أبراهيم ) فلعله ذا صلة بلفظة ( أرخو ) الأكدية [6]التي تعني القمر لأن لفظة تارح ربما كانت في الأصل ( تارخ ) المحورة على الأرجح من لفظة أرخو المار ذكرها لأن اللغات السامية كثيرا ما تشهد مثل هذه التحويرات وإذا ما علمنا أن القمر ( ننا / سين ) هو معبود أور الرئيس [7]فيغذوا معقولا أن يكون لأسم والد أبراهيم علاقة بـ( أور ) العاصمة السومرية .
أن قيادة ( تارح ) أو ( تارخ ) للرحلة الأبراهيمية ربما يؤكد المكانة الكبيرة لهذا الرجل وليس ببعيد أن يكون أحد الرجال البارزين في أور ذاتها وقد يكون ملكها نفسه فمن المعلوم أن أسم ملك أور الأخير هو ( أبي – سين ) [8]أي أبي القمر الأمر الذي يعطي تأكيدا لوجود علاقة بين الأسمين ونظرا لأن هذا الملك قد تعرض للخلع بتأثير الغزوات الآمورية والعيلامية فليس بالغريب أضطراره لترك المدينة هو وعائلته تجنبا لما قد ينالهم من الأذى .
(2)                        على الرغم من أن النص ذكر صراحة أن الهجرة أنطلقت من مدينة أور إلا أن هناك من شكك في أن المقصود من هذه المدينة مدينة أور الواقعة في جنوب وادي الرافدين إستنادا لوجود مدن أخرى تدخل في تركيبها لفظة أور كـ( أورشليم ) و ( أور كومينوس ) في اليونان و ( أور – آرتو ) في  أرمينيا [9] ومما زاد من وتيرة هذه الشكوك ما ورد في النص من نسبة ( أور ) إلى الكلدانيين الذين لم يتواجدوا على مسرح التأريخ إلا بعد ذلك بألف سنة لكن هل مثل هذه الشكوك تكفي لنفي صلة إبراهيم بمدينة ( أور ) السومرية وهل يصح ترجيح مدنا تدخل في تركيب أسمائها لفظة أور على المدينة التي تحمل اللفظة ذاتها ؟ أما نسبتها للكلدانيين فلعله تأكيدا لا نفيا لتلك الصلة لأن الكلدانيين هم من قطنة جنوب العراق في الألف الأول قبل الميلاد وكانت أور من مدنهم الرئيسة لا سيما إبان تأسيسهم سلالة بابل الحادية عشر ( الأخيرة ) [10].
(3)                        أما لماذا أرض كنعان البعيدة كثيرا عن مدينة أور ؟ فهذا مما يطرح أن هدف الرحلة هو نشدان الأمان بعد أن أنتشرت الأقوام الآمورية في معظم أرجاء الهلال الخصيب وبما أن بلاد كنعان تقع على ساحل البحر على مقربة من حدود مصر الفرعونية [11]فأن الذهاب إليها قد يقي المهاجرون ما ينتظرهم من مخاطر فيما إذا بقوا في موطنهم أو ذهبوا إلى أمكنة لا يتوافر فيها الكثير من الأمان .
(4)                        أما سبب إختيار المهاجرين لطريق طويل يتجه نحو الشمال أولا قبل الانحراف باتجاه الجنوب حيث بلاد كنعان وليس باتجاه الغرب مباشرة أي من خلال الطريق الأقصر الموصل إلى بلاد كنعان فلعل للأمر علاقة برغبة المرتحلين تجنب مناطق تواجد الآموريين التي أشارت النصوص المسمارية إلا أنها تقع في المنطقة المحصورة بين مدينة أور وبلاد كنعان [12]إذ ليس من المعقول أن يتجه المهاجرون إلى موطن الشعب الذي يهربون منه .
  





[1] . تكوين : 11 : 31 – 33 .
[2] . طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ج1 ، ط1 ، ( دار الوراق ، 2009 ) ، ص 36 .
[3] . هناك تقديرات مختلفة لتحديد الفترة التي عاش فيها إبراهيم تمتد على المدى القرون الأولى من الألف الثاني قبل الميلاد ، حول ذلك انظر : سامي سعيد الأحمد ، تأريخ فلسطين القديم ، ( بغداد ، 1979 ) ، ص 9 , ؛ سيد محمود القمني ، النبي أبراهيم والتأريخ المجهول ، ط1 ، ( القاهرة ، 1990 ) ، ص 37 .
[4] . يصف أحد النصوص ما جرى في أور أنذاك بالقول " جثث البشر مثل كسرات الفخار كانت تملأ الطرقات ، الدماء أريقت مثلما ينصب النحاس المنصهر ، الجرحى كانوا مثل الغزالة المصادة بالشبكة ورأسها في التراب " حكمت بشير الأسود ، أدب الرثاء في بلاد الرافدين ، ط1 ، ( دمشق ، 2008 ) / ص 48 .
[5] . حول ظروف هذه المدة أنظر : طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ص 447 – 478 .
[6] . ضوء على محاضرة .. التوقيت والساعات المائية عند العرب ، نقلا عن : http://wehda.alwehda.gov.sy/_archive.asp?FileName=58909261620121016161858
[7] . نيكولاس بوستغيت ، حضارة العراق وآثاره ، ترجمة : سمير عبد الرحيم ، ط1 ، ( بغداد ، 1999 ) ، ص 136 .
[8] . حول حكم هذا الملك انظر : طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ص 428 – 432 .
[9] . سيد محمود القمني ، النبي أبراهيم والتأريخ المجهول ، ط1 ، ( القاهرة ، 1990 ) ، ص 63 – 64 .
[10] . حول حكم الكلدانيين في بابل انظر : طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ص 601 – 612 .
[11] . حول بلاد كنعان انظر : سامي سعيد الأحمد ، تأريخ فلسطين القديم ، ( بغداد ، 1979 ) ، وحول أول ظهور للكنعانيين انظر : المصدر نفسه ، ص 95 .
[12] . حول موطن الكنعانيين قبل هجومهم على بلاد الرافدين انظر : طه باقر ، مقدمة في تأريخ الحضارات القديمة ، ص 443 .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969