الأربعاء، 3 أكتوبر، 2012

الرسوم المتحركة وعالم الطفولة

باسم محمد حبيب
الصباح العراقية / 3 تشرين أول 2012 

لا يخفى ما للتلفاز من أهمية في بناء شخصية الطفل، بل هناك من يرى بأن أهميته ربما تتجاوز الكثير من الاركان التربوية الاخرى ربما باستثناء الركن الاسري ذي الاهمية الاستثنائية بالنسبة للطفل.
ولعل من الاسباب التي تعطي للتلفاز هذه الاهمية عدم ارتباطه بعامل الفرض والقسر الذي ترتكز عليه أو تعتمده الأركان الاخرى، ناهيك عن اعتماده لاساليب تربوية ذات طابع ترفيهي كأفلام الكارتون (الرسوم المتحركة) وغيرها، الامر الذي أعطى لهذا النوع من الافلام مكانة كبيرة في قلوب الاطفال، لانها تنعش مخيلتهم وتفتح أذهانهم على عوالم غير مألوفة تنقلهم بعيدا عن عالم الاسرة المليء بالاوامر والتوجيهات.
وعلى الرغم من أن افلام الكارتون ذات أهداف ترفيهية في الغالب الا أن بعضها أخذ يحمل ابعادا تربوية وتعليمية، فأخذنا نشاهد أفلاما تحث على العمل وأفلاما أخرى تحث على الفضيلة وعمل الخير، واخرى تحث على تبني القيم والمعاني الاخلاقية النبيلة كالصدق و الوفاء والاخلاص والصداقة واحترام الكبير وما الى ذلك.
الا أن الامور لم تستمر على ذات الوتيرة فقد شهدنا ظهور أفلام تستغل اعجاب الاطفال بالبطولة لصنع أفلام كارتون ذات صبغة تجارية، وهي ذات أثر مخرب لانها تشيع ثقافة العنف وتروج لبعض القيم التي لها علاقة بهذه الثقافة كتمجيد القوة والاقدام والدفع نحو نشر العداء والبغضاء بين الاطفال، على الرغم من اعلانها خلاف ذلك أو محاولتها ستر مضامين هذه الافلام بقضايا ذات مساس مباشر أو غير مباشر بحياة الطفل وآماله وتطلعاته.
ونظرا للمخاطر التي تشيعها مثل هذه الافلام وتأثيرها الخطير على نفسية الطفل، فمن الواجب على قنوات البث الخاصة بالاطفال تجنب بث هذا النوع من الافلام   حتى ولو رغب بها الاطفال أنفسهم، والاهتمام بدلا عن ذلك ببث أفلام ذات معاني تربوية وتعليمية، ناهيك عن الافلام الترفيهية التي لم تأفل شعبيتها لدى الاطفال لكونها ترتبط بعامل المرح الذي ينشدونه 
كما يفترض من السلطات الاعلامية المختصة وضع قيود صارمة على البث الموجه للاطفال، حتى لا ينفلت هذا البث من عقاله ويغدو غير مسيطر عليه، وهو أمر سيشكل خطورة كبيرة على واقع الطفل وعلى سلامة تنفيذ البرامج المخصصة لتأهيله وتطويره.
وبالطبع نحن لا ننكر نجاح بعض القنوات العربية المتخصصة بالطفل في استقطاب شريحة الاطفال وفي منحهم الكثير من الرعاية والاهتمام، وهو ما يستحق فعلا الشكر والتقدير، إلا أننا من جانب آخر نحتاج إلى مزيد من القراءة الواعية لواقع الطفل ولحاجاته ومتطلباته، فأذا أردنا أن نبني أجيالا من الرجال الواعين والمخلصين لمجتمعاتهم ولاوطانهم، لابد لنا من أن نركز على شريحة الاطفال لانهم رجال الغد وبناته، وأن نهتم بتوفير كل ما يدعم تأهيلها بشكل علمي صحيح.
وعلى الرغم من أننا ندرك تشابه نفسيات الاطفال وموارد سلوكهم في بيئات العالم العديدة، الا أننا يجب الا نغفل عن الاختلاف في الظروف والثقافات التي تمثل البنية التحتية في تنشئة الطفل، مما يجعل من بعض الحاجات لدى الاطفال مختلفة عن حاجات أطفال آخرين. 
وبالتالي من مصلحتنا خلق ثقافة للطفل مرتكزة على وعي عميق بمتطلباته وحاجاته ،وهو ما يتطلب دراسة معمقة  لكل ما له علاقة بواقع الطفل وظروفه والعوامل المؤثرة في تنشئته، ولسنا نشك بقدرة مؤسساتنا على تحقيق مثل هذا الهدف فيما إذا وجهت اهتمامها اليه، لاننا نملك الكثير من الامكانات المادية والمعنوية التي تساعدنا على تحقيق  ذلك، حتى لا يغدو الطفل الركن المهمل في مجتمعنا.
وبالنسبة للعراق أليس من الغريب عدم انشاء قناة عراقية خاصة بالطفل حتى الان؟ على الرغم من حاجتنا الماسة إليها في ظل التغيرات الكبيرة التي يشهدها البلد لا سيما نحن نشهد إنشاء عشرات القنوات العراقية التي يغلب عليها الطابع الاخباري، فاذا كان الامر مرتبطاً بالامكانات: فكيف تسنى انشاء كل هذه القنوات، التي ربما تضع العراق في منزلة متقدمة بين الدول من حيث كثرة وجود القنوات التلفازية.
ومع أننا ندرك أن معظم هذه القنوات يعود للقطاع الخاص و لفئة السياسيين التي تستخدم هذه القنوات لاجل الترويج لبرامجها السياسية، إلا أن هذا ربما يغدو دافعا لجعل الاعلام الحكومي اكثر تماسا مع واقع الناس الذين ينشدون التنوع والمرح،  وسيكون للقنوات الحكومية المتخصصة دورها في الترويج للقيم الصالحة والنبيلة التي ينشدها البناء الجديد.
ان من مصلحة العراق انشاء قناة خاصة بالاطفال، حتى يساهم في صنع جيل محب لوطنه، يؤمن بالعدل والمساواة واحترام الآخر، ويقدس العمل الذي يجب أن يمثل أساس القيم التي يبنى عليها الواقع الجديد، ففي التربية الصحيحة للطفل تبنى الاوطان.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969