الاثنين، 10 سبتمبر 2012

ارهاصات الربيع الخليجي

باسم محمد حبيب
الصباح العراقية / 9 ايلول 2012
تشهد الساحة الخليجية تطورات مهمة يمكن عدّها إرهاصات لما يمكن تسميته بالربيع الخليجي، فأحداث البحرين المستمرة وأحداث عمان وأخيرا أحداث المنطقة الشرقية من السعودية كلها مؤشرات تدلّ على أن هذه البلدان ليست محصنة ضد الثورات والانتفاضات الجماهيرية، فهل تتطور هذه الأحداث لتبلغ المستوى الذي بلغته الثورات العربية الأخرى؟ و هل يستوعب حكام الخليج الدروس المستنبطة من هذه الثورات العربية ناهيك عن دروس الأحداث الجارية في بلدانهم أم إنهم سيخطون نفس الخطوات التي خطاها الزعماء الذين أطاحت بهم الثورات العربية؟ هذا ما سوف تظهره الأيام القادمة عندما تتطور هذه الأحداث وتتحول إلى ثورات حقيقية.
إن هناك رأيين بخصوص الأحداث التي تجري في البلدان الخليجية، رأي يرى بأن هذه الأحداث لا يمكنها أن تتطور إلى ثورات شعبية عارمة والسبب - برأي هؤلاء -  أن هذه البلدان لا تعاني من أية أزمات اقتصادية ولا تواجه أية مطالبات بتحسين مستوى المعيشة ومادام هذا الأمر غير موجود فليس هناك من ضرورة تتعلق بهذا الجانب للخروج على أنظمة الحكم في المنطقة فبرأي هؤلاء أن العامل الاقتصادي هو العامل الأهم الذي يدفع الناس للخروج على الحكام وهو المحرك الأساس لمعظم الثورات التي شهدها العالم، وما دام هذا العامل غير موجود كما يعتقدون فإن هذه الدول ستكون محصنة ضد احتمالات الانسياق مع الربيع العربي كذلك يرى هؤلاء أن دول الخليج لا تعاني من تناقضات اجتماعية عميقة كما هو الحال في البلدان العربية الأخرى، فعدا التناقض الطائفي الذي تعاني منه هذه البلدان يبدو أن التناقضات الأخرى أما غير موجودة أو ضعيفة وبالتالي لا تعاني مجتمعات الخليج من حالات الاغتراب التي تعانيها المجتمعات الأخرى في علاقتها مع الحكام، أما الحجة الأخرى التي يسوقها هؤلاء للتأكيد على عدم إمكانية حصول الثورات الشعبية في هذه المنطقة فتنبع من عدم وجود أرضية تحتمل حصول تناقض سياسي بين الحاكم والمحكوم لأن البنية السياسية للدولة لم تشهد تحولات مثلما شهدته بلدان أخرى، وبالتالي يمكننا القول انه باستثناء الكويت التي تمتلك بنية ديمقراطية خاصة بها لا توجد معارضة يمكنها قيادة الفئات الاجتماعية للتعارض مع نظام الحكم والمطالبة بحقوق معينة.
أما الرأي الثاني فيرى أن دول الخليج ليست بمنأى عن الثورات والانتفاضات لان العامل الاقتصادي ليس هو العامل الوحيد الذي يمكنه أن يحرك المطالبات الشعبية بالحقوق فهذه المطالبات يمكن أن تبنى على تأثيرات خارجية أو على متغيرات حضارية وما إلى ذلك ناهيك عن أن العامل الاقتصادي غير مفقود تماما في الواقع الخليجي لوجود تفاوت في مستويات المعيشة داخل هذه البلدان ليس بين الأسر الحاكمة وبقية أبناء الشعب فقط بل وبين فئات الشعب نفسها، فهناك من يحظى بالامتيازات الخاصة والكثيرة التي تجعله في مستوى بعيد عن بقية الفئات الأخرى في نفس الوقت الذي توجد فيه فئات تعاني من التمييز ومن معاملة مختلفة لأسباب كثيرة، أما التناقضات الاجتماعية التي تساعد في تأجيج الثورات فليست هي الأخرى مفقودة في هذه الدول ففضلا عن التناقض الطائفي الذي يبرز في عموم دول الخليج هناك تناقضات اجتماعية أخرى قد لا تقل تأثيرا عن هذا التناقض الكبير كجماعة البدون البارزة في الكويت وجماعات العمالة الأجنبية والتجنيس والإقامة التي من المرجح أن تتوسع لتتطور إلى ظاهرة خاصة في المدى البعيد، وبالتالي فإن إمكانية الحفاظ على التماسك الاجتماعي لن يكون ممكنا على المديين المتوسط و البعيد لان التطورات الاقتصادية والاجتماعية تدفع وباستمرار نحو مزيد من الاستعانة بالعنصر الخارجي الذي تحتاجه هذه البلدان، أما التناقض السياسي وظاهرة الاغتراب بين الحاكم والمحكوم فلا تتطلب دائما بنية سياسية معقدة وقد شهدنا ثورات كثيرة لم تنطلق من وجود مثل هذا التناقض المشخص بل من عوامل أخرى كأن تكون اجتماعية أو اقتصادية كما هو الحال  مع الحركة العسكرية التي أطاحت بنظام الحكم الزيدي في اليمن في ستينيات القرن الماضي.
وبالتالي يتنبأ أصحاب هذا الرأي بتمدد الربيع العربي نحو دول الخليج منطلقين من فرضية أن الدول التي هزّتها الثورات العربية كانت تمثل مصدا حاميا لدول الخليج من التأثيرات الخارجية والتحركات الداخلية وبغياب هذه الدول أو بنشوء أنظمة حكم إسلامية وديمقراطية فيها فإن دول الخليج ستكون عرضة لأية تطورات تحتملها بنيتها السياسية والاجتماعية ولو طالعنا التأريخ القريب لوجدنا أن سقوط النظام العراقي الدكتاتوري السابق في أعقاب الحرب الأميركية ضده في العام 2003 قد كشف ساحة دول الخليج أمام التأثيرات الخارجية، وقد أكد ذلك أكثر من مسؤول خليجي ونفس الشيء يصحّ في ما يتعلق بدول الربيع العربي التي سيؤدي غياب أنظمتها السابقة إلى مزيد من إضعاف قدرة دول الخليج على مواجهة التهديدات المحتملة بما في ذلك وبشكل خاص التهديدات الداخلية المتأثرة أو المدعومة من الخارج.
وقد يسأل سائل: ألا تدرك دول الخليج مثل هذا الأمر أم أنها غافلة عنه تماما؟ للإجابة نقول أن دول الخليج قد لا تكون غافلة عن التهديدات التي يمكن أن تطالها من وراء انتشار التطرف الإسلامي إلا أنها قد ترى في هذا التطرف وسيلة لمواجهة تطرف آخر تخشاه أكثر وهو التطرف الذي يمكن أن يحركه المارد الإيراني القابع في الضفة الأخرى للخليج لان إيران تشكل على الدوام هما خليجيا وهي ترى (أي دول الخليج) أن مواجهتها تتطلب جهودا تتجاوز قدراتها الذاتية سواء كانت هذه الجهود دولية من خلال التهديد بتقليم الظفر النووي لإيران أو إقليمية من خلال إنشاء تجمع يضم بالإضافة إلى دول الخليج دول الربيع العربي لكي يتسنى مواجهة التهديد الإيراني المحتمل بقوة وكفاءة لكن من يضمن مثل هذه الجهود؟ وماذا لو انتهى التهديد الإيراني وظهر تهديد جديد لدول الخليج مصدره هذه المرة المجموعات الأصولية نفسها؟ فقد أثبتت الأحداث أن هذه المجموعات يمكنها أن تغير لونها وجلدها وإنها سوف لن تعدم المبررات التي تدعوها لضرب الأنظمة الحاكمة في دول الخليج عندما تجد ضرورة لذلك، وقد فعلت ذلك عندما ضربت الحكم السوري الذي كان يعد أكبر داعم لها  أثناء الحرب في العراق عندها لن يكون لهذه الأنظمة من يعينها على مواجهة الخطر المحتمل لان الغرب وأميركا سوف ينأيان بنفسيها عن معمعة التدخل حتى لا يظهرا بمظهر المضاد للإرادة الشعبية، فدول الخليج لن تكون أبدا بمنأى عن الثورات والانتفاضات ولو بعد حين، الأمر الذي يتطلب - إذا ما أرادت هذه الدول إنقاذ نفسها من المنزلقات التي تحتملها هذه الثورات والانتفاضات - العمل على إجراء إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية تشيع الحرية وتضمن المساواة بين الناس فبدون ذلك قد لا يمكن لهذه الدول أن تنجو مما ينتظرها.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969