السبت، 25 أغسطس 2012

حرب الأجندات في سوريا

باسم محمد حبيب
الصباح العراقية / 25 آب 2012 

وأخيرا وضع الأمين العام للأمم المتحدة (بان كي مون) يده على الجرح السوري مشخصا ما يجري في سوريا بأنها حرب بالوكالة يشارك فيها لاعبون إقليميون ودوليون مؤكدا بذلك التقارير الإعلامية التي أشارت إلى ضلوع دول مختلفة في التدخل في الشأن السوري، ولان التصريح الذي يصدره الأمين العام يعد تصريحا رسميا علاوة على كونه صادرا من جهة دولية محايدة لذا فهو يمتلك قدرا عاليا من المصداقية يتيح لنا الاستناد إليه في تحليلنا للوضع السوري، هذا ناهيك عن أهمية الوقوف عند هذا التصريح لفهم دلالاته وقراءة معطياته من اجل معاينة الراهن السوري وما سوف يفرزه من نتائج على المديين القريب والبعيد، وبتقديرنا فأن أهم ما يبرزه هذا التصريح ما يلـي: 
1 - أن الأزمة السورية لم تعد قضية إصلاحات سياسية واجتماعية بل تحولت إلى صراع طائفي وتنافس بين أجندات إقليمية ودولية ، ففي ما يتعلق بالتدخل الإقليمي نجد إصرارا من بعض الدول على لعب دور طائفي والادعاء بدعم طائفة ضد طائفة أخرى، الأمر الذي أدى إلى حرف الانتفاضة السورية عن مسارها الصحيح، فبدل أن تتجه هذه الانتفاضة للمطالبة بحقوق ذات سمة وطنية كالمطالبة بالإصلاح السياسي وتحسين مستويات المعيشة وما إلى ذلك تحولت وبتأثير التدخل الإقليمي إلى صراع ينادي بحقوق طائفة.
أما التدخل الدولي فقد رفع شعار دعم المنتفضين أيا كانت مطالباتهم وتوجهاتهم ففي رأي هؤلاء أن سقوط النظام السوري يستحق كل تضحية ممكنة بما في ذلك احتمال انسياق سوريا إلى الفوضى الشاملة والحرب الأهلية، لان نظام الحكم في سوريا كان على الدوام معاديا للغرب وهو النظام العربي الوحيد الذي مازال في حالة مواجهة مع إسرائيل ناهيك عن دعمه للنظام الإسلامي في إيران ومواجهته للمشروع الديمقراطي في العراق، حيث أدى دعم النظام لمجموعات المقاومة العراقية وغيرها من المجموعات الفاعلة في الساحة العراقية إلى سقوط آلاف القتلى الأميركيين ناهيك عن تحول العراق إلى دولة مرتبكة بفعل الصراعات الطائفية التي ساعد النظام السوري على تأجيجها وتغذيتها نكاية بالمشروع الأميركي في العراق.
2 - أن حل هذه الأزمة لم يعد بيد الأطراف السورية كما كان الأمر في بداية الانتفاضة بل أصبح للاعبين الدوليين والإقليميين كلمتهم في هذا الشأن بعد أن امتلأت الساحة السورية بالمرتزقة والجهاديين ومن جنسيات مختلفة، فوفقا لتقارير صحفية ولمعلومات استخبارية يحصل المقاتلون في سوريا على رواتب من دول إقليمية معينة فيما يتم تجهيزهم بالمؤن والسلاح من أطراف دولية مختلفة، ويحظى المقاتلون القادمون إلى سوريا من بعض الدول العربية والإسلامية بتسهيلات كبيرة يقدمها الجانب التركي من بينها تسهيلات المرور والإقامة والتدريب والتزود بالمؤن وما إلى ذلك، وبالتالي أصبحت الكثير من الأوراق السورية بين اللاعبين الدوليين والإقليميين وليس بيد الأطراف السورية المتصارعة لان هذه الأطراف ربما فقدت أو في طريقها إلى فقدان قدرتها على تسيير الأمور في داخل سوريا ما يجعل من غير الممكن البحث عن حلول سلمية ما لم تكن هناك إرادة بذلك من الأطراف الخارجية المتورطة في الشأن السوري.
3 - أن الحرب في سوريا قد لا تنتهي بسقوط النظام الحالي فما دامت هناك أجندات طائفية وما شابه فليس من المحتمل انتهاء الحرب بمجرد سقوط النظام الحالي، ولدينا عدة سيناريوهات محتملة في هذا الخصوص من بينها إقدام بعض الجهات الثورية ربما بإيحاء من بعض اللاعبين الإقليميين على القيام باعمال انتقام أو حرب إبادة ضد الطوائف السورية الأخرى وما سوف يجره ذلك من ردود أفعال من تلك الطوائف تسهم في استمرار الصراع وفي تطوره وتوسع نطاقه أو قد ينتج موقف من الطوائف غير المؤيدة للوضع الجديد أيضا بتأثير اللاعبين الإقليميين يجعلها ترفض القبول بالوضع الراهن بما في ذلك الإقدام على حمل السلاح ومواصلة الحرب، التي ستكون هذه المرة بدون أي أفق للحل كما كان الأمر في المراحل الأولى للثورة السورية لان الحلول الممكنة مخيفة أو لا تتناسب مع المصلحة السورية العليا سواء ما يتعلق منها بالحل العسكري الذي يتمثل بوجه خاص بهزيمة احد الأطراف وخضوعه الكامل للمنتصر بما يحمله ذلك من الدفع باتجاه إنشاء دولة ذات لون واحد أو الحل السياسي الذي ينحصر، أما بتوافق أو اضطرار الفئات السورية إلى القبول بالتقسيم من اجل أن تتخلص من الخضوع القسري لطرف من الأطراف أو القبول بالنمط الديمقراطي الذي قد تساعد على فرضه الضغوط الدولية، ومع ذلك فأن هذا الحل لن يكون إلا احتمالا من عدة احتمالات متوفرة و حتى لو ارتضته الأطراف السورية حلا لمشاكلها فقد لا يكون عن قناعة بأهميته وستبقى الفئات السورية في حالة عداء واغتراب عن بعضها البعض. 
4 - أن المخاطر التي يبرزها التدخل الخارجي في هذه الحرب لن تكون محددة بالإطار السوري فقد تؤدي الأوضاع في سوريا إلى توتر إقليمي أو دولي، وقدر تعلق الأمر بالمنطقة فأن هذه الحرب قد تولد مشاحنات طائفية خطيرة ونظرا لاحتواء الكثير من البلدان على تنوع طائفي فقد تؤدي هذه الحرب إلى توتر داخل هذه البلدان وربما إلى حصول صراعات طائفية محدودة أو كبيرة وسوف يغدو التدخل في شؤون الدول الأخرى أمرا معتادا في العلاقات بين دول المنطقة، هذا من جانب أما من جانب آخر فأن وجود المتطرفين في داخل هذه الحرب ونجاحهم في تحقيق أهدافهم سيدفعهم للبحث عن جبهات أخرى وليس بالمستبعد أن ينقلب هؤلاء على حلفائهم الإقليميين كما فعلوا حين انقلبوا على النظام السوري، وبالتالي لن تكون تركيا أو حتى دول الخليج بمنأى من تدخل هؤلاء الذين لن يعدموا الذريعة لذلك، فالخطر الأكبر الذي يواجه دول المنطقة ككل هو من التطرف كسلوك وليس من التطرف كولاء وما يجري في المنطقة من صراعات وخلافات يساعد على إشاعة النوع الأول من التطرف الذي يمكن وصفه بأنه تطرف لا لون له ولا طعم ولا رائحة.
وفي النهاية يجدر بنا القول أن الأحداث في سوريا ما كان لها أن تتطور إلى هذا الحال لولا الأجندات الخارجية سواء الإقليمية منها أو الدولية وان مطالب الجماهير وطموحاتها المشروعة في التغيير والإصلاح هي ضحية من ضحايا هذا التدخل غير الموزون.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969