الجمعة، 20 يوليو 2012

الدلالة التأريخية للنحت الآشوري في الألف الأول قبل الميلاد

باسم محمد حبيب

المقدمة    
لم يكن الأشوريون مجرد شعب محارب فقد عرفوا أيضا بكفاءتهم الإدارية وانجازاتهم المعمارية وبفنونهم المتميزة والبديعة لا سيما فن النحت الذي ارتقى به الآشوريون إلى أعلى مستوياته  عبر
مسيرة الحضارة العراقية ، على الرغم من غلبة الطابع الحربي ومناظر العنف على مشاهد النحت والذي يدل على سيادة النزعة العسكرية وهيمنتها على المجتمع الآشوري بعد تلك الفترة العصيبة  التي عان الآشوريون فيها ظروفا صعبة  وأحوالا متقلبة  بسبب مجاورتهم لأقوام شديدة المراس يعيش اغلبها في الجبال والهضاب المجاورة كان تطلعها الدائم النزول إلى سهل نينوى الخصب و العيش في كنفه والتمتع بخيراته ما وضع الآشوريون في حالة استعداد وترقب دائميين  لمواجهة المخاطر المحدقة بهم ، الأمر الذي أدى إلى تأسيس الدولة الآشورية  في حدود منتصف الألف الثالث قبل الميلاد وبعد فترة من الخضوع لدول الجنوب بدا المجد الأول للدولة الآشورية قبل أن تنتابها فترة ضعف جديدة غدت خلالها محاصرة من أعداء كثر  ، ولم تتخلص من ضعفها  وهوانها  إلا  بمجيء الملك ( أشور اوبالط الأول ) الذي يعد وبحق المؤسس الثاني للدولة الآشورية ، ليبدأ عهد القوة الآشورية الذي استمر عدة قرون وتوج بتكوين الإمبراطورية الآشورية الشاسعة  بجيشها الخبير وقواتها الضاربة المجهزة بأفضل الأسلحة ، بحيث عد الآشوريون بفضله من امهر الشعوب المحاربة إلى ذلك الوقت وأكثرها قابلية على المواجهة العسكرية ، ونظرا لان النحت الأشوري قد واكب هذا التوسع العسكري الكبير وتطور في ظله فقد عد في المجمل فنا حربيا أريد به دعم التوجه العسكري للدولة ووسيلة من وسائلها الإعلامية والدعائية ، بدليل اهتمامه بتصوير مشاهد الحرب وعرض الأسرى و الملوك وهم يحتفلون بالنصر أو يعاقبون عدو  الأمر الذي أعطى للنحت الأشوري هوية خاصة وسمات تميزه عن غيره من أصناف النحت الأخرى  ، ولذلك ولكي نكون ملمين ببعض جوانب هذا الموضوع المهم ونصل إلى هدفنا من هذا البحث ، ارتأينا تقسيم البحث إلى ثلاث مباحث نتناول في الأول النحت الآشوري قبل الألف الأول قبل الميلاد ، فيما نعرض في الثاني أهم الموضوعات التي تناولها النحت الآشوري خلال الألف الأول قبل الميلاد  قبل أن نختم بحثنا بتناول القيمة التاريخية للنحت الآشوري . 

اولا :  النحت الأشوري قبل الألف الأول قبل الميلاد 

 على الرغم من أن فن النحت بنوعيه المعروفين المجسم والناتئ ازدهر في بلاد آشور خلال الألف الأول قبل الميلاد إلا أن جذور هذا الفن تعود بالتأكيد إلى قرون عديدة سابقة سواء إلى التقاليد الفنية لبلاد الرافدين بصورة عامة أو إلى التقاليد الفنية لبلاد أشور بشكل خاص ، ففيما يخص التقاليد الفنية الرافدينية ارتبط النحت القديم بالحياة الواقعية اليومية  مركزا على التفاصيل التي تخص الفرد العادي  وحياته الخاصة أي لم يكن للبعد السياسي أي علاقة مباشرة بممارسة النحت في تلك الفترة [1] ، لكن الأمر تغير  بعد ذلك عندما أخذت مهام الدولة بالتوسع وتزايدت سلطاتها تدريجيا  حتى بلغت درجة الهيمنة على الكثير من مناحي الحياة  ومنها الفنون التي تحولت على يديها من هواية  يمارسها الناس للمتعة أو لأغراض فردية  إلى حرفة ذات طابع سياسي أو أيدلوجي ، ومما يبدوا فان للتطورات السياسية دورها البارز في  نمو وتطور النحت الأشوري  الذي لم يحمل سماته ومميزاته الخاصة إلا قبيل عصر الإمبراطورية عندما تحولت الدولة الآشورية من دويلة صغيرة همها الأساس الدفاع عن كيانها ضد المخاطر الخارجية إلى دولة ضخمة تهابها وتخشاها الدول الأخرى ، ولذلك لم يصل إلينا الشيء الكثير من نماذج النحت الآشوري قبل عصر الإمبراطورية ، وأول قطعة فنية اعتبرت بداية للنحت الأشوري  مسلة موجودة في متحف اللوفر عثر عليها في ماردين  أصبحت الآن مثار جدل بعد أن رأت دراسات أخرى أنها ربما تعود إلى مملكة اشنونا والى ملكها دادوشا بالذات ، حيث يبين وجهها  حاكما غالبا يطأ بقدمه عدوا مغلوبا في حين أن قفاها لا يبرز سوى بعض الرجال ربما يكونون من الأعداء أيضا بملابس غريبة وشرائب مدورة  تعد من مميزات الفنون السامية الغربية [2]، لكن تم استبعاد حمورابي لان الأخير دائما ما يبرز نفسه  كرجل سلام عكس شمشي ادد الذي دائما ما يبرز نفسه كمحارب منتصر الأمر الذي اوجد تلك الفروق التي ستميز من الآن فصاعدا حول مفهوم السلطة لدى كل من الآشوريين والبابليين ، لكن الفن الآشوري خلال هذه الفترة تعرض للكثيرات من التأثيرات الفنية الخارجية التي أسهمت فيما بعد في صناعة فن آشوري خاص تمازجت فيه الخصائص الفنية المحلية مع المؤثرات الناجمة من الغزوات الخارجية التي تعرضت لها بلاد آشور بعد ضعف دولتها القديمة وتعرضها للغزو من قبل حمورابي ، حيث بقيت آشور في حالة تقلب بين الضعف والقوة و بين الاستقلال والخضوع للحكم الخارجي إلى عهد الملك أريبا ادد الأول 1390 – 1364 قبل الميلاد  وخلفه أشور اوبلط الأول اللذان ساهما في صعود الدولة الأشورية وتبوأها مكانة متميزة بين الدول الأخرى " ويواجه الباحثون صعوبة كبيرة في تحرير اللغة التصويرية  من قيود السيطرة الحورية والميتانية وهي العملية التي كانت جد حاسمة في تاريخ فن الشرق الأدنى برمته  لا يمكن فهمها وإعادة تركيبها إلا بمشقة في الوقت الحاضر وذلك لان مصدر الأعمال الفنية التي هي في متناولنا الآن يتم اغتنائها بصفة دائمة بالاكتشافات العرضية الحديثة أو بالتفسيرات التاريخية المتحسنة لمصادرنا الأثرية "[3] 
 لكن هذا الأمر لا يعيقنا عن تلمس سماة مميزة للفن الأشوري مرتبطة بالواقع السياسي والاجتماعي للبلاد  ، فندرة القطع الفنية لا تعطي المبرر لرمي الفن الأشوري في سلة الفنون الميتانية والحثية  في ذات الوقت الذي لا نستطيع فيه تجاهل التأثيرات الأجنبية وخير مثال لهذا التزاوج قطعة فنية عثر عليها محطمة في بئر  في المعبد الرئيس لمدينة أشور [4] ، فعلى لوح مربع الشكل في الغالب صنع من حجر يشبه المرمر وبثلثي الحجم الطبيعي تقريبا تبرز صورة اله جبلي بهيئة بشرية مواجها للمشاهد وعلى جانبيه إلهتان صغيرتان يرتدون جميعا  رداءا طويلا وقبعة على شكل قلنسوة  وقد زين ثوب الإله وقبعته بنقشه تشبه قشور السمك وهي رمز الجبل بينما زينت أردية الإلهتين بخطوط متموجة من الماء وتمسك كل من الإلهتين بإناء على شكل مزهرية يتدفق منها الماء في حين يمسك الإله بغصنين في كل منهما ثلاث عقد مثمرة وتسبح المعزان بالفضاء دون خط ارضي وهما تقضمان الثمار ، وبالنظر إلى المنظر المواجه الملموس للآلهة الثلاث وللعلاقة غير الطبيعية في حجم الرسم ووضعها في فراغ وكأنها متحررة من جاذبية الأرض فان المنظر له صفة خارقة للطبيعة  وهو أمر لم نشهد مثله في أي من القطع العائدة لحضارة وادي الرافدين التي لم تعطي لعلاقة الإنسان بالدين بعدا ميتافيزيقيا على غرار ما يحصل في البلدان المجاورة ، إلا أن القطعة الفنية تبرز تقليدا فنيا  له  علاقة بالواقع الرافديني حيث الإناءان اللذان يتدفق منهما الماء كإشارة ربما لنهرا دجلة والفرات وحيث قشور السمك التي تعبر عن الخيرات التي يقدمها الماء إلى الناس وهي مرتبطة من وجهة نظر دينية بمهام الآلهة كرعاة للحياة ، إلا أن النحت الآشوري اخذ تدريجيا يحمل صفاتا خاصة به بعد أن تعاظم الدور السياسي والعسكري للأشوريين  بحيث تسلموا زمام الزعامة في البلاد كلها [5] .
ومن خلال دراستنا للمنحوتات الأشورية العائدة لهذا العصر وهي قليلة نوعا ما نلمس بعض التغيير في التعاطي مع الموضوعات الفنية ينسجم بطبيعة الحال مع الظروف الجديدة للبلاد ، إلا أن معظم نماذج النحت التالية ارتبطت بفن النقش على الجدران  الذي تغلب بمنتجه على الفنون الأخرى التي أصبحت لا تضاهيه كما ونوعا ، فالميزة الأساسية التي ميزت النحت الأشوري انه كان يتطور بإيقاعات سريعة تبعا للتطورات التي تمر بها الدولة كما هو الحال في التغييرات التي نلمحها بين منحوتات قصر الملك توكولتي ننورتا الأول ( 1244 – 1208)  والمنحوتات العائدة لعهد الملك أشور ناصر بال الثاني من القرن التاسع قبل الميلاد ، و بالتالي فان أهم ميزة أفضت إليها تلك  التطورات هي بروز خصائص مميزة للنحت الآشوري بعد أن كان في السابق أسيرا للتقاليد الفنية الآتية من الجنوب ..     

ثانيا :أهم موضوعات النحت الآشوري خلال الألف الأول قبل الميلاد

بلغ النحت الآشوري أعلى مستوياته خلال الألف الأول قبل الميلاد  وبالتحديد في النصف الأول منه وذلك ببروز سمات خاصة مبتكرة لهذا الفن وتنوع الموضوعات التي تناولها مع امتلاكه لعناصر تعبيرية وميزات فنية مهمة ، لكن التطور الكبير الذي شهده النحت الأشوري ارتبط أساسا بتوسع الدولة الأشورية وتشبعها بالروح العسكرية ما أعطى لهذا الفن طابعا خاصا بعد أن تناول مشاهد الحروب والصيد وعرض الأسرى واحتفالات النصر ... الخ ، إلا أن هذا لا يمنع من تقسيم مراحل هذا الفن إلى ثلاث أطوار أساسية : الأول ويبدأ من بداية عهد الملك آشور ناصربال الثاني إلى نهاية حكم الملك شلمنصر الثالث أي ما بين 883 إلى 824 قبل الميلاد  ، والثاني من بداية عهد الملك تجلات ثبليزر الثالث إلى نهاية حكم الملك سرجون الثاني أي بين 744 إلى 705  ، أما الطور الثالث فيضم عهود الملوك المتأخرين أي من بداية حكم سنحاريب إلى سقوط الدولة الآشورية في عام 612 قبل الميلاد  [6] ، ومن اجل إعطاء فكرة عن ملامح النحت الآشوري في الألف الأول قبل الميلاد سنتطرق إلى أهم الموضوعات التي تناولها  وأهمها :

(1)   الحروب
يهتم الملوك الأشوريون في العادة بإعطاء لمحة مصورة عن حملاتهم وحروبهم العسكرية من اجل توثيقها و بث الحماس في نفوس أتباعهم وجنودهم إذ يفتقر السرد العادي إلى القدرة التعبيرية التي تتميز بها الصورة أو المنحوتة  التي يمكن مقارنتها  بالصورة المتحركة في وقتنا الحاضر ، وفي العادة يتم الاهتمام بوضعية الجنود و كيفية مواجهتهم للعدو  كجزء من العمل الإعلامي المرافق  للمعركة ، حيث يحرص الفنانون الذين ربما يرافقون الجيش في أثناء المعارك على تصوير المقاتل الأشوري وهو يواجه العدو باقتدار وهمة عاليين فيما يظهر مقاتل العدو وهو يتلقى السهام والسيوف تعبيرا عن هزيمته في المعركة ، ومن أهم المنحوتات التي تصور هذا النوع من المشاهد المنحوتات  العائدة للأسرة السرجونية القرن السابع قبل الميلاد و أبرزهم  سرجون الثاني الآشوري وسنحاريب وآشور بانيبال وغيرهم ، ونظرا لأهمية هذا النوع من المنحوتات وما تمتلكه من سمات فنية وتعبيرية عالية  فقد عدت بمثابة وسائل إبلاغ خاصة أو أساليب دعائية هدفها تعزيز ثقة الناس بالملك وجهازه الحربي وبث روح الحماسة في نفوس الجنود  ورفع شان الملوك  بين أفراد المجتمع  .



(2)  الصيد
رغم أن مشاهد الصيد ليست جزءا من الفن العسكري إلا أنها تعد أيضا من الأعمال الدعائية التي تعكس همة الملوك ونشاطهم وقدراتهم القتالية العالية  فهي تأكيد لقوة الحاكم وقدرته على التعاطي مع وضع السلم بنفس القدر الذي يتعاط فيه مع وضع الحرب ، وبالتأكيد فان هذه المشاهد تعكس حياة الحكام  وسلوكهم في أوقات الفراغ ، ولا نغالي إذا قلنا بان مشاهد الصيد  تعد من المواضيع المحببة لدى الملوك والفنانين على السواء لأنها تبرز لقطات فنية غاية في الروعة ، فهذه المناظر  قد لا تمثل مجرد محاكاة للواقع  أو تعكس صورة من صور الحياة اليومية فقد يكون ورائها هدف أخر وربما أريد لها أن ترمز للقوة الآشورية وهي تدحر الأعداء وتنكل بهم ، لكن مع القيمة الرمزية لهذه المناظر هناك أيضا قيمة تاريخية لابد أن ندرسها مليا ، فربما لم تتغير كثيرا ميول الملوك والأمراء الذين يجدون في الصيد متعة كبيرة ولا يستثنى من ذلك ملوك وادي الرافدين القدماء الذين جعلوا الصيد من أهم هواياتهم المحببة ، فليس هناك على الأرجح الكثير من الملوك الذين  لم يمارسوا  الصيد أو لم ينحتوا منظرا للصيد خاص بهم  ، ولو تهيأ لنا العثور على كل قطع النحت الأشورية لأدركنا حتما مكانة الصيد في يوميات الملوك بحيث يعد النحت من الوسائل التي يبرزون بها قدراتهم البدنية ومهارتهم  ، وعلى الرغم مما تظهره هذه المنحوتات من قسوة  يعتبرها البعض نوعا من السادية إلا أنها تعبر عن نوع من السلوك كان متبعا آنذاك  ، وخير نموذج لذلك تلك المنحوتات التي تصور قتل الأسود حيث يرمز الأسد في العادة إلى القوة والشراسة فيحاول الفنان الآشوري تصوير الألم الذي تتعرض له هذه الحيوانات التعسة وهي تواجه سهام الصيادين  كما هو الحال مع منحوتات قصر الملك أشور بانيبال ( 668 – 627  قبل الميلاد )  .

(3)  مجالس الملوك

رغم أن الملك الآشوري هو امتداد  للملوك الرافدينيين الذين سبقوه إلا انه يمتاز بسلطة واسعة لم يمتلكها احد سواه  ، ونظرا لحاجته إلى كسب ولاء الشعب وفرض هيبته على رعاياه فقد أصبح الفن من الوسائل الدعائية التي يعتمدها الملوك لعرض بطولاتهم  الحربية وأعمالهم السلمية ، حيث تم العثور على الكثير من هذه المنحوتات وبمواضيع مختلفة تتباين من نحت إلى أخر فهناك مشاهد لحفلات النصر أو لعرض الأسرى أو لإذلال عدو  ... الخ  ، و تعكس هذه المشاهد اهتمامات الملوك ونشاطهم  ومواقفهم وسلوكياتهم  في مختلف المواقف والمناسبات كتأكيد على محورية دور الملك كوكيل للآلهة وراع للشعب ، فأصبح النحت من وسائل الإبلاغ الأساسية لدى الآشوريون لأنه يؤدي وظيفة إعلامية خاصة محورها الخطاب البصري  الأكثر تأثيرا ولمعانا من سواه [7] .


ثالثا :  القيمة التاريخية للنحت الآشوري 

إن قيمة النحت الآشوري لا تكمن في مواصفاته الفنية وعناصره الجمالية بل فيما يقدمه من دلالات تاريخية تساهم باغناء معرفتنا عن ظروف وأحوال الناس في العصر الذي أبدع فيه ، ولا مراء في أن النحت الآشوري زاخر بالمواضيع المتنوعة التي يمكن للباحث من الاستناد إليها في بحوثه ودراساته التي تتناول مختلف شؤون القوم السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية والدينية ... الخ   ، لذلك فان النحت الآشوري يقدم لنا الكثير من المعلومات وفي مجالات جوانب  عديدة أهمها : 
(1) حياة البلاط
 لان النحت الآشوري مرتبط بالبلاط فقد أعطى لحياة البلاط فسحة كبيرة من اهتمامه ما جعله يقدم  لنا صورة مهمة عن حياة الملوك ونشاطاتهم المختلفة سواء في السلم أو في الحرب ، حيث يمارس الملوك في العادة نشاطات تتعلق بمهامهم كملوك للبلاد وقادة لجيوشها أو هوايات  تشكل جزءا من سلوكهم ونظام حياتهم من خلال عرض مجالس الملوك ونشاطاتهم ومشاركاتهم في الحروب أو في حملات الصيد ومن خلال ما يقدمه  لنا من معلومات بالغة الأهمية عن حياة القصور وتربية الأمراء  ، حيث ارتبط النحت الآشوري بفن العمارة الذي اتسعت أفاقه بشكل كبير خلال الحقبة الإمبراطورية نتيجة الثراء الفاحش للملوك الآشوريين  ، ولعل اغلب مشاهد النحت  هي تلك التي نحتت على جدران القصور حيث يعد الملك آشور ناصر بال الثاني من مبتكري النحت الجداري [8] بعد أن نقل عاصمته من آشور إلى كالح ( نمرود ) ، واستمرت التطورات الفنية بالتصاعد  بعد أن استوت كجزء من  تقاليد البلاط ، وبالتالي  أصبحنا بفضل النحت الآشوري نعرف الكثير عن الواقع السياسي للدولة الأشورية و كيفية تعاملها مع كل من الخصوم والأتباع  .
     (2) الحياة العسكرية
تعد مشاهد الحروب من أهم المواضيع التي عالجها النحت الآشوري لعلاقتها بنشاط الدولة العسكري التي اتسعت خلال هذه الفترة اتساعا كبيرا وتطور جيشها تطورا هائلا بحيث غدا وفي ظرف عقود قليلة من اكبر الجيوش في العالم  ، وبالتالي أصبحت هناك حاجة لعرض تفاصيل الحروب والحملات العسكرية لكي توثق أو يطلع عليها الناس ، ولذلك توضع الكثير من المنحوتات في أماكن عامة من اجل الدعاية وبث الحماس بين الناس ، وهذا من مهام الجهاز العسكري للدولة  الذي قام بتوسيع مهام الدعاية والإعلام لتغدو جزءا أساسيا من برنامج التعبئة العسكرية للدولة حتى تساهم في رفع معنويات الناس و زيادة ثقتهم بالملك وقادته العسكريين  ، ومن مشاهد النحت العسكرية المألوفة  منظر الجيش الآشوري وهو يجتاز أراضي وعرة في طريقه إلى مهاجمة مدينة حصينة وبعد أن يتم اجتياح المدينة يقوم الجيش بتدميرها وحرقها مع تعذيب وقتل قادة العدو [9] ناهيك عن مشاهد دك الأسوار ، وتبرز أقسام الجيش الأشوري وصنوفه المختلفة كصنف المشاة والعربات وغيرها ، ومن المثير أن نشاهد في بعض المنحوتات جنود يغوصون في الماء ويهاجمون العدو من البحر ما يؤكد وجود صنف الضفادع البشرية كأحد الأصناف المهمة في الجيش الآشوري[10] ، واهتمام الفنان الآشوري بتوثيق أدق تفصيلات المعركة وبالتالي قدم لنا فن النحت معلومات مهمة  عن ملابس الجيش وأسلحته ومعداته وحركاته العسكرية وكشف لنا الشيء الكثير عن أصنافه وأقسامه بحيث أصبحنا بفضل هذه المنحوتات ملمين بالكثير من التفاصيل التي عجزت الكتابات عن تقديمها.


(3)الأزياء
 يقدم النحت معلومات مهمة عن  الملابس والأزياء في ذلك العصر فبفضله وفضل الرسوم أصبحنا على دراية كافية بأزياء القوم بدءا بالملك وحاشيته والأمراء وكبار الموظفين والجنود إلى مختلف الشرائح الاجتماعية الأخرى وهو أمر تعجز عنه وسائل الإبلاغ الأخرى كالكتابات وغيرها  ، فبدون تلك المشاهد النحتية ستكون هذه الأمور مجهولة  وغائبة وقد لا يتسنى لنا معرفتها على الإطلاق ، لكن الآن وبفضل تلك المنحوتات المهمة أصبحنا  نعرف الكثير من المعلومات عن أزياء القوم بأدق تفاصيلها ، وبالتالي فنحن مدينون لفن النحت والرسم  في حصولنا على هذه المعلومات المهمة التي تساهم في فك شفرات الواقع الاجتماعي  ومعرفة الفروق بين الفئات المجتمع المختلفة  أو المستوى المعاشي للناس في تلك الفترة .
(4)  القيم الاجتماعية
تعرض المنحوتات إشكالا من التعاملات تجري بين فئات مختلفة من الناس يمكن أن تعطي صورة عن الواقع الاجتماعي والقيم السائدة فيه كمعرفة طريقة التعامل بين الحاكم والمحكوم أو التعامل مع الأسرى والعلاقة مع الدين ... الخ  ، حيث تقدم لنا المنحوتات معلومات غزيرة عن المقابلات الرسمية والدبلوماسية والحفلات وحملات الصيد وأداء الشعائر الدينية وما إلى ذلك ، الأمر الذي يؤدي إلى إكمال الصورة التي تقدمها النصوص المسمارية عن واقع المجتمع  وقيمه .

الخاتمة

وهكذا يوصلنا البحث إلى نتائج مهمة  أهمها : 
(1)  إن النحت الآشوري في العصر الحديث ليس منقطعا عن التقاليد الفنية الرافدينية ، فهو وليد ثلاث عوامل ساهمت جميعا في بلورته : أولها وأهمها الإرث الحضاري للبلاد ثم الواقع السياسي والاجتماعي لبلاد أشور ثم يأتي بعد ذلك العامل الثالث وهو تأثير الأقوام الأجنبية التي سيطرت على بلاد أشور  وفرضت هيمنتها السياسية عليها  ردحا من الزمن .
(2)  أهمية النحت الآشوري لا تنحصر في قيمته الفنية والجمالية بل في ما يقدمه من معلومات تاريخية لا يتسنى الحصول عليها من مصادر أخرى   .
(3)  خضوع النحت الآشوري لهيمنة الدولة جعل وظيفته الأساسية خدمة البلاط من خلال ما يقدمه النحت من دعاية و توثيق و ترويج لنشاطات الملوك وأعمالهم سواء الحربية أو السلمية  .
(4)   وبالتالي يجدر بنا كورثة لهذه الحضارة العظيمة الاهتمام بهذا الإرث الفني الكبير ليس من خلال العمل على الحفاظ عليه وحمايته وحسب بل وأيضا من خلال دراسته وتفحص ما يضمه من دلالات تاريخية تساهم بالتأكيد في كشف الكثير مما يلف تاريخنا من غموض لكي نصل من خلاله إلى  أبعاد هذا التاريخ وما يضمه من عمق حضاري كبير .


[1] . أكرم محمد عبد كسار ، النحت العراقي في عصري فجر التاريخ وفجر السلالات ، مجلة آفاق عربية ، السنة السابعة عشر ، آب  1992 ، ص 112
[2] . أنطوان مورتكارت ، الفن في العراق القديم ، ترجمة وتعليق عيسى سلمان وسليم طه التكريتي ، ( بغداد : مطبعة الأديب البغدادية ، د ت ) ، ص 315
[3] . أنطوان مورتكارت ، الفن في العراق القديم ،
[4]  . أنطوان مورتكارت ، الفن في العراق القديم ، 329
[5] . طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة  ، الجزء الأول ، ط 2 ، ( بغداد ، 1955 ) ، ص 539
[6]  . طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات ، ص 540
[7]  . إيلاف سعد علي البصري ، وظيفة الإبلاغ في الرسوم الجدارية العراقية والمصرية القديمة ( دراسة تحليلية مقارنة ) ، ( بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة ، 2008 ) ، ص 168
[8] . سيتن لويد ، فن الشرق الأدنى القديم ، ترجمة : محمد درويش ، ( بغداد : دار المأمون ، 1988 ) ، ص 206
[9]  . سيتن لويد ، فن الشرق الأدنى القديم ، ص 212
[10]  . تحقيق آثاري ، سر الضفادع البشرية في جداريات العراق الآشورية ، نقلا عن اورينت بريس ، مجلة آفاق عربية ، العدد 11 ، السنة الخامسة عشر ، ص 142

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969