السبت، 7 يوليو، 2012

تركيا ودور الأبوة الجديد


باسم محمد حبيب
الصباح العراقية / 7 تموز 2012 
تغير الموقف التركي إزاء قضايا المنطقة منذ تولي حزب العدالة والتنمية ذو المنحى الإسلامي مقاليد الأمور في تركيا ، فبخصوص القضية الفلسطينية أخذت تركيا تلعب دورا مختلفا كليا عما لعبته في السابق ، وكذلك فيما يخص العراق حيث حاولت ان توجد لها موضع قدم من خلال اعلان دعمها لمطالب بعض الفئات العراقية ، أما مواقفها الأخرى فأبرزها مساهمتها في دعم  الثورات العربية والأنظمة المتولدة عنها ، وبذلك يبرز لنا تحولا كبيرا في السياسة التركية لم يكن معهودا من قبل ، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن سبب هذا التحول والنتائج التي يتوخاها على الصعيدين التركي والعربي ، أما ابرز هذه الأسباب من وجهة نظرنا فهي  :
1-    عدم نجاح تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي  
كانت السياسة التركية متجهة قبل سنوات قليلة نحو تحقيق هدف الانضمام إلى الاتحاد الأوربي ، حيث أصبح هذا الهدف حلما تركيا تعمل من اجله الحكومات التركية المتعاقبة ، لكن الحلم التركي كان يواجه عقبات عدة أبرزها : التناقض الثقافي ما بين تركيا والدول الأوربية لا سيما وبشكل خاص التناقض الديني ، وعلى الرغم من تنفيذ تركيا لأغلب الشروط الأوربية الممهدة للانضمام للاتحاد الأوربي إلا أن النادي الأوربي بقي عصيا على الطموحات والآمال التركية ، الأمر الذي اشعر الأتراك بعدم وجود رغبة حقيقية لدى الأوربيين لضم تركيا إلى ناديهم الذي لم يتورع عن قبول دول أخرى أكثر شبها بتركيا كدول الكتلة الشرقية السابقة ، ما دفع السياسيين الأتراك إلى البحث عن عمق جديد يعوضهم ولو قليلا عن فشلهم الأوربي ، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان التوجه العثماني نحو المنطقة العربية عقب الإخفاق في اجتياح الجبهة الأوربية خلف البلقان في بدايات القرن السادس عشر ، ومثلما نجحت الدولة العثمانية في فرض هيمنتها على المنطقة العربية وقتذاك فأن تركيا ربما تكون قادرة على فرض نوع من النفوذ يعيد إلى ذاكرتهم الأمجاد العثمانية السالفة .
2-   تأثير حزب العدالة والتنمية
فهذا الحزب الذي دخل الساحة السياسية التركية منذ عقد التسعينات من القرن الماضي يحمل منحا إسلاميا وله أهداف وتطلعات لها علاقة بهذا المنحى ، وهو يدرك ان نجاحه في البقاء في الحكم مرهون بتوجيه الدفة التركية نحو الضفاف العربية والإسلامية لما بين الشعب التركي وشعوب هذه المنطقة من روابط عميقة قد تثير لدى الأتراك ذكريات الزمن الغابر زمن القوة التركية التي مثلت الإسلام ردحا من الزمن ، وبالتالي قد ينظر إلى التحول التركي على انه نابع من إرادة هذا الحزب المتعلق بجذوره الإسلامية وليس بسبب فشل السياسة التركية السابقة في الدخول إلى عالم شمال المتوسط الأكثر بريقا وتطورا ، فمن له يا ترى التأثير الحاسم في هذا التحول ؟ هل الفشل في الانضمام إلى النادي الأوربي فمثل هذا التحول تعويضا لتركيا عن هذا الانضمام أم أن التحول التركي قد اضعف من حماس الانضمام إلى الاتحاد الأوربي بعد أن وجدت تركيا إنها قادرة على استعادة أبوتها السابقة للمنطقة ؟ .
3-   التأثير الإيراني
مثلت المنطقة وعلى مدى العصور مجالا حيويا للتأثير الإيراني ذو التطلع الإسلامي ، وقد ظهر هذا التأثير بشكل بارز عقب نجاح الثورة الإسلامية عام 1979 إلا أن ظروف الحرب العراقية – الإيرانية أعاقت نموه وحدته كثيرا ، لكن انتهاء الحرب وانهيار قوة العراق العسكرية في أعقاب حرب الخليج 1991 مكنت إيران من تقوية تأثيرها الذي تصاعد بشكل كبير بعد تغيير النظام في العراق عام 2003 وبروز إيران كقوة عسكرية وسياسية كبيرة ، وعلى الرغم من وجود الاميركان في العراق إلا أن هذا الوجود لم يحد من التطلعات الإيرانية لفرض واقع مواكب لقوتها السياسية والعسكرية ، وبدلا من أن تشعر إيران بالخطر من الوجود الأميركي أخذت أميركا تشعر بالخطر الإيراني على وجودها في العراق ، فظهر ما سمي بخطر الهلال الشيعي الذي يمتد من إيران إلى جنوب لبنان مارا بكل من العراق وسوريا ، كما أحييت التسمية القديمة ( الصفوية ) ليسمى بها النشاط الإيراني في المنطقة ، وما دام هناك نشاط ( صفوي ! ) وأبوة إيرانية للأقليات الشيعية العربية فلابد من وجود أبوة مقابلة تعيد التوازن للمعادلة الطائفية في المنطقة ، وليس هناك سوى الدور التركي ليكون قادرا على مواجهة الدور الإيراني بأستعادة الأبوة العثمانية .
4-   غياب الأيدلوجيات القومية
بسقوط النظام العراقي السابق انهارت آخر الأيدلوجيات القومية التي نشرت ظلالها على المنطقة ردحا من الزمن بدءا من اطروحات مفكري النهضة وسياسات الأنظمة الملكية وصولا إلى كل من الايديلوجيتين الناصرية و البعثية ، واهم ما رسخته هذه الايديلوجيات هو أولوية العامل القومي وجعله الأساس لعلاقات قوية تربط ما بين دول المنطقة ، وعلى الرغم من تمكن هذه الايدلوجيات من فرض نسقها ورؤاها على المنطقة وبناء بعض المؤسسات الداعمة لمنحاها كمؤسسة الجامعة العربية ، إلا إنها لم تستطع أن تواصل دورها وهيمنتها بسبب الطموحات الشخصية لمتبني هده الايدلوجيات من السياسيين وبسبب التناقضات التي تحكم المشروع العربي والعلاقات البينية بين الدول العربية ، فكان الهجوم العراقي على الكويت عام 1990 بمثابة الإعلان عن نهاية هيمنة هذه الايدلوجيات بعد أن ثبت جليا أنها لم تكن سوى أداة لتحقيق الطموحات الشخصية والأهداف الضيقة ، وهو ما ساعد على ظهور توجهات جديدة أبرزها التوجه الخاص بالتحالف مع القوى الكبرى لاتقاء المخاطر التي قد تتعرض لها دول المنطقة وبشكل خاص  الصغيرة منها ، لكن هذا التوجه لم يشعر هذه الدول بالأمان لان المخاطر التي تواجهها قد لا تأتي من خلال غزو مباشر بل ربما تحصل من خلال انتفاضة أو صراع داخلي لا سيما مع وجود التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها  .
لقد أدركت تركيا أنها تملك الكثير من الأوراق التي يمكن أن تلعبها في المنطقة وإنها قادرة على استعادة دور سلفها الدولة العثمانية ، فبوجود تناقضات داخلية عميقة تنذر بالانفجار في أي لحظة ومع وجود تحفظات من تدخلات دولية ، لم يبقى سوى البحث عن بديل يمكن أن يطمئن هاجس الأمن لدى دول المنطقة وتركيا الباحثة عن دور قد تكون مرشحة لذلك .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969