الأربعاء، 25 يوليو، 2012

وزارة الثقافة والمثقف العراقي


باسم محمد حبيب
الصباح العراقية / 25 تموز 2012 

لا اريد ان اتناول مهام وزارة الثقافة العراقية فهذه المهام – مهما كانت – مهمة وضرورية لتطوير الواقع العراقي لا سيما مع الدور الذي تمارسه الثقافة في تنظيم الحياة وتوسيع افق المعرفة وتوعية المجتمع بمتطلبات الحياة وحاجاتها وضروراتها ، وقد لا اغالي إذا قلت ان للثقافة مكان الريادة في هذا الشأن وأهميتها لا تدانيها اهمية اخرى ، فمن هنا نفهم المسؤولية الكبيرة التي تضطلع بها وزارة الثقافة لا سيما في واقع كالواقع العراقي .
ان الموضوع الذي اود ان اناقشه هنا وهو علاقة وزارة الثقافة بالمثقف اشكالي نوعا ما ، لان هناك رأيين : احدهما وهو الذي تتبناه الدول المتقدمة فيرى ان العلاقة لا يجب ان تكون مباشرة بين المثقف والمؤسسة الثقافية الرسمية حتى لا يؤثر احدهما على الآخر فيتحول المثقف إلى ما يشبه الموظف الذي يتقاضى اجرا لقاء دوره ومهامه الثقافية وهو امر فيه من الخطورة الشيء الكثير ، فخضوع المثقف لهيمنة المؤسسة الرسمية يجعله ابعد ما يكون عن التفاعل الصادق مع مجرى الاحداث أو مع الظواهر التي يشهدها المجتمع فيبرمج دوره وعمله بما لا يتقاطع مع اهداف ورؤى المؤسسة الثقافية الرسمية أي يكون بمثابة ذيلا لها  بحيث يتصرف على وفق اهوائها وبرامجها ، وفيما إذا حصل هذا فأن الضرر الذي ينتجه مثل هذا الامر لن يصيب المثقف وحسب بل وعموم الواقع الذي يعيش فيه و يتفاعل معه   .
اما الرأي الثاني فيرى عكس ذلك أي ان تكون هناك صلة قوية بين المثقف والمؤسسة الثقافية الرسمية لكي يكونا قادرين على التفاعل الايجابي مع واجباتهما ومهامهما ، وهذا الرأي في المجمل يكاد يكون قاصرا على البلدان النامية والمتخلفة ، وحجة اصحاب هذا الرأي ان المثقف في المجتمعات الاقل تطورا لا يمكنه ان يمارس دوره التثقيفي بدون وجود مؤسسات حاضنة وداعمة بسبب قلة الامكانيات ، وبما ان المؤسسات المستقلة نادرة في هذه المجتمعات أو غير موجودة  فليس هناك مناص من التعامل مع المؤسسات التابعة للدولة على ان يمارس المثقف دوره في اطار من الحرية الثقافية وأن تبذل المؤسسات كل ما في وسعها لتجنب التدخل المباشر في شؤون المثقف وفي طبيعة الدور الموكل له .
لقد تبنى العراق الرأي الثاني على اساس الواقع الذي يعيشه البلد والظروف الصعبة التي يمر بها لا سيما مع محاولة بناء واقع جديد يرتكز على قيم الحرية والديمقراطية الغير مستتبة في الواقع العراقي ، والعراق بصفته احد البلدان المتخلفة والتي تعاني من اشكالات اجتماعية وثقافية ودينية عميقة فأن تنظيم دور المثقف ووضعه في اطار هدف البناء الجديد سيكون امرا ضروريا على وفق هذا الرأي وإلا ربما سنجد (مثقفين ) يدفعون للفتنة والاحتراب أو يدفعون للتقوقع والانكفاء على الذات ! وبالتالي يمكن تبرير المكافآت التشجيعية التي تقدمها المؤسسة الرسمية للمثقفين من خلال منظمات وسيطة كنقابات الصحفيين والفنانين واتحاد الادباء والكتاب وغيرها .
لكن علينا ان ندرك ان عملا كهذا – على ضرورته – سيكون عاملا من عوامل انحدار دور الثقافة ومكانة المثقف ، وربما سيدفع لإنتاج واقع فيه الكثير من الشوائب والإشكالات الثقافية ناهيك عن انه لن يحقق إلا بعضا مما يعول عليه  في وضع الثقافة في خدمة البناء ، لان ضمان سيطرة مطلقة للمؤسسة الثقافية الرسمية على الواقع الثقافي العام لن يكون ممكنا بشكل تام او على المدى البعيد ، ففي كل الاحوال هناك اضرار قد تكون بحجم الاضرار التي يفرزها اتباعنا للرأي الاول الاكثر قيمة في نهاية المطاف .
ان اهمية دور المثقف يتطلب تعاملا خاصا من المؤسسة الثقافية الرسمية بحيث تتجنب هذه المؤسسة التدخل المباشر في شؤون المثقف وتحاول قدر الامكان التعامل معه بما يخدم الحركة الثقافية فتكون قادرة على أداء دور ناجح يضعها والمثقف في اطار خدمة الواقع الجديد ، لكن السؤال : كيف يتم ذلك ؟ وهل يمكن للمثقف ان يتخلص من تأثير المؤسسة الثقافية الرسمية التي تملك بيدها كل مفاتيح الشأن الثقافي ام اننا نطالب بشيء يفوق مقدرة الواقع العراقي على الاحتمال ؟
لا نريد ان نقول اننا نملك حل هذه المعضلة الصعبة لكن يمكن للمؤسسة الثقافية الرسمية ان تؤدي دورا اشرافيا معقولا في اطار دستور ثقافي يضعه المثقفون انفسهم ويخضع لاستفتاء خاص من قبلهم ، على ان يشمل هذا الدور إقامة فعاليات ثقافية داعمة لعملية البناء التي يجب ان يساهم بها المثقف بحكم الدور الذي يشغله في الواقع الاجتماعي ، وان تعمل المؤسسة الرسمية يدا بيد مع المثقف لوضع معالجات ناجحة تسهم في حل المشكلات التي يواجهها المجتمع ناهيك عن فعل كل ما من شأنه تذليل الصعوبات التي تواجه البناء الجديد .. هذا البناء الذي لا بد ان يكون للمثقف دور فيه حتى يكون قويا ومتينا .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969